3.15.2012

ركن الفناء

لولا سابق الغرق ما كنا لنعرف فضيلة الطفو، فاحترس لموقع قدمك يا صديق ولا تغتر بصلابة الأرض من تحتك، الرمل على امتداد الطرق الأسفلتية متحرك، والقلب ينوء بالأحمال الغائرة على كتفه، فدع غدٌ لما هو غاد، ولا تثقل أنفاسك بالذكرى، فما كل ذكرى بنافعة للمؤمنين، وكما أبناء النهار والشمس اسع، اسع كما سعى من قبلك من هو خير منك ولم يصل، اسع والأمل زاد الروح والغاية أقرب، والغاية السعي.

يا محبيني، الحب مؤونة للشتاء القاهري الماكر، الحب طبقات من الأغطية فوق الأجساد المرتجفة برداً، الحب شاي الصباح، الحب التماع العين جذلاً من فرط الحب، الحب أنتم، الحب ودٌ مبذول بلا بذل، بلا نوايا قديمة للعطاء والمنع، الحب هو أسهل ما نهديه، الحب هو أثمن ما نملك، فلا تبخلوا بحبكم، واغرقوني في لذيذ دفء محبتكم، فلولا سابق الغرق لما امتلئ القلب زاداً.

1.25.2012

الآن أحب الأطلال يا سحر


أنا قتيلك يا ست !

العزيزة سحر


اليوم كنت جالس في سريري أحاول انجاز ما تبقى لي من كتابة في مشروعي الأول، فكرت في كتابك البديع عن أم كلثوم، وتذكرت حديثنا السالف في ذلك اليوم المشمس في الحمرا عن الأطلال، قلت لك حينها أني لا أحب الأطلال كثيراً من فرط ما لاكها الناس، لا يثير سماعها في نفسي أي مما تثيره أغنيات أخرى لها، نظرتِ باتجاهي في أسف ونصحتني بأن أجرب ثانية، قررت أن استمع إلى الأطلال اليوم بينما اكتبك شيئاً.

بينما يتذكر الناس العديد من الأغاني لأم كلثوم، كان من البديهي ألا يحب أبي أغنية لأم كلثوم قدر حبه لأقبل الليل، كان بديهياً في سني تلك التي وعيت فيها على اختيارات أبي الموسيقية أن يحبها ببساطة “لأنها أغنية بضان، وأبويا راجل أبضن من البضان”، كنت أقضى الليالي التي تسبق سفرنا مفكراً بهم الساعات التي سنقضيها على الطريق مستمعين إلى قطعة أم كلثوم القوطية تلك، كانت المسافة من القاهرة للأسكندرية، لمرسى مطروح، للغردقة لشرم الشيخ، تتحول لتغدو مسافة من الأشواك أقطعها حافياً!

كنت كأي مراهق أتجنب كل خيارات أهلي، لم تنج من هذه الخيارات سوى فيروز في حينه لأسباب واضحة الآن، لذلك كرهت أم كلثوم، كل ما يتعلق بها، صورها، منديلها، صوتها، كلمات أغانيها، لاعبي فرقتها، التعيس الذي أطلق عليها “الست”، كل المصفقين في حفلها، كل مقدمي حفلات الإذاعة الذين قدموها، مسرح الأزبكية، كل ما لمسته أم كلثوم كان محض تراب.

ظللت على رأيي هذا حتى بلغت الثانية والعشرين من عمري، في أول أيام عيد ذلك العام -أواخر سبتمبر أوائل أكتوبر 2008- كنا جلوساً عند حاتم فخر في داره الدافئة، يومها استخف الطرب بحازم فأمسك بعوده وأنشأ يغني “آه من هواك.. من أول يوم.. ونظرتك ليّ بعينيك..” كنت نصف مخمور، نفض حازم عني السكر ما أن عزف المقدمة، ثم أطاح بما بقى منه حينما غنى، سألته من ملحن ومغني الأغنية، أخبرني “زكريا أحمد لأم كلثوم”، ما أن دخلت غرفتي ليلتها حتى أخذت أبحث كالمحموم عن الأغنية في الاتنين جيجا المتروكين على سبيل درء العين منذ أن أتيت بجهازي، استمعت لأم كلثوم تغنيها مرة “آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه” مرة، مرتين، استمعت للأغنية بلا توقف على مدى أسبوعين، صاحبتني في روحاتي ومجيئي من الكلية، صاحبتني في الاستحمام، صاحبتني في النوم في القراءة في التمشية، صاحبتني إلى أبعد الأماكن التي يمكن للأغنيات أن تصطحب الناس إليها، الآهات يا ثومة، الآهات..

في نوفمبر 2009 كنت أتجول بالسيارة مع سارة عقب عملي كعادتنا في تلك الأيام، كانت سارة حزينة ومغلقة والأسباب: كونية، كنت أفكر إن كان بالإمكان أن ينقذنا من مصيرنا المحتوم أي شيء، بينما تقرر سارة أي اتجاه ستأخذ بالسيارة، داست بلا مبالاة على زر “بلاي” في الكاسيت، وعلى ما يبدو كانت نوران قد تركت اسطوانة لأم كلثوم في كاسيت السيارة، صدحت أم كلثوم مغنيةً الأمل، لم تغلق سارة الكاسيت واكتفت بأن دمعت في صمت واكتفيت بالتظاهر بأني لا ألاحظ.

في فبراير 2010 كنت عائد مع فضل وعبد الوهاب من الفيوم، كانت أيام رائعة الجمال، كنت قد ذهبت أعتل جبلاً على ظهري، قررت دفنه في صحراء الفيوم وعدت بدونه، كنا على خير ما يمكن أن يكون عليه الناس، في يوم عودتنا هطلت الأمطار بعنف، وتزامناً مع هطول الأمطار تذكر فضل أن العربة بدون مساحات، كان موقفنا في غاية السوء، طريق الفيوم ضيق وخطر، المطر يهطل كأنما هو خرطوم من المياة موجه باتجاه الزجاج الأمامي، ونحن لا نرى أمامنا ما يكفي لقيادة عجلة، وضع فضل “شمس الأصيل” في الكاسيت، وقالت الست قولتها، لا طريق، لا فيوم، ولا مطر ولا كون من أساسه يقبع خارج ما تقوله الست، عادتها الست مرتين، صرنا في القاهرة.

الآن يا سحر العزيزة ماذا عساه المرء فاعل حين يستمع إلى الست تشدو “يا حبيباً زرتُ يوماً أيكه .:. طائر الشوق يغني ألمي” سوى أن يحب ما تقوله الست، فكل ما تقوله الست جميل، كل ما يخرج من فمها رائع الجمال ومهول، ضخم وزاهي وملئ الحياة ذاتها، الآن يا سحر العزيزة، الآن تحديداً أحب الأطلال.

1.18.2012

سحب رمشه ورد الباب

في الأغلب لن يعلم محمد قنديل كم أبكي أحدهم حين تعثر مصادفةً بقوله “كحيل والكحل من بابل.. وإمتى عيوننا تتقابل”، وعلى الأغلب أيضاً لم يدرك كاتب الأغنية أن هذا الأحدهم في مكان ما -إلى يسار مدينته الأصلية قليلاً- سيستمع ليتأمل كم أثر العلم “بابل” وارتباطه بالكحل في قوة الصورة، وسيستعيد هذا الشخص ذاته لحظة بعيدة بصور مهتزة تتضمن صورة مكحلة، وفتاة تضيق بجمالها اللغة تقف في صباح زاهٍ تتزين بحرص للحظة وداع قريبة، صور لفرط حساسيتها تطيح بها جمل أغنية قنديل المتلاحقة بينما يفكر الشخص المذكور فيما عساه يعيده إلى هذه اللحظة ليبقى فيها للأبد.

1.11.2012

قولٌ لفاطم

يا فاطمة.. أنا المسكن القديم كله، بالتراب الناعم على الأرفف والكتب المصفرة الأوراق، بوضع الأثاث المرتبك والملصقات على الحائط ورائحة الخشب المبتل، يا فاطمة ما سلوت مني شيئاً وأنا على العهد باق.

يا فاطمة أنا الطريق القديم كله، بالخطو فوقه والناس بين الرائح والغادي، بالماء الراكد بجوار الأرصفة والقطط الضالة، بمحلات الحلاقة والكوائين والعطارين وبائعي البخور ومصلحي الأجهزة الخربة، يا فاطمة ما سلوت مني ذَرَّة وأنا على عهدي مقيم.

يا فاطمة أنا حبنا القديم كله، ورائحة البنفسج البري والبحر أحياناً، وقصائدنا المترعة بالغزل والنحيب، والأمسيات الباردة والأمسيات الدافئة، والقبلات الخجلى من التلصص، والابتسامات المفاجئة والأطفال الطيبين، يا فاطمة إغفري لي زللي فأنا ما سلوت مني شيء والله على قولي شهيد.

1.04.2012

سندعي أنه رمّان


في الصبح كان الياسمين غضاً على فاكِ، وكنتِ طفلة وكنتُ أنا أغصان شجرة رمان تقلبينها بين يديكِ كيف تشائين، تضحكين وتشيرين بكفك إلى صدرك فيضحك شجر الرمان ويدلي غصنه فيصبغ بزهرته خديكِ ويترك حبتين تذكاراً على صدرك، وهكذا كان يا حبيبة شجر الرمان، تمشين فيبعث وراءك السحاب أنيساً، تحزنين فلا يدخل السرور قلبه، تبتسمين فيزهر فلا يعرف زهره صيفاً ولا شتاءاً، ولا عطش وارتواء، لا يعرف إلا ابتسامك، ماء شجر الرمان.

الصورة لحمدي رضا

12.27.2011

زيارات المنام الخاطفة

منذ سنوات لم أرك في المنام يا فتاتي الأعز، منذ يومين فقط خطرتِ على بالي، كنت أفكر إن كان أحدهم قد دمغ الخيال الرومانسي لشخص دون حتى أن يعلم مثلما فعلتِ، لا أدري في الواقع ولست مهتماً بالمعرفة بقدر ما تمنيت أن تبقى هذه الرابطة بيننا، ألفة أثيرية دائمة، للمرة الأولى أراكِ في الحلم كما في الواقع، محجبة وقد بدا على وجهك تغير الانتقال من الطفولة إلى أواسط العشرينات، أفكر إن كنت تتذكريني، إن كنت أخطر في أحلامك كما تفعلين، بالأمس كنت رائقة، كنت أحكي لك عما حدث في سنوات غيابك عن منامي، عن المنامات الأخرى السيئة والحسنة على حدٍ سواء، كنت تضحكين مخبرةً إيايّ أني لم أتغير كثيراً عما كنت عليه منذ عشرة أعوام، أسألك إن كان حقاً، فتخبرينني أن لا، لكنه ما أريد سماعه، أهز رأسي موافقاً في صمت، ياللإرهاق البادي على وجه الحلم، والصفاء البادي على وجهك، وكل الأشياء الأخرى التي لا أعرفها وتعرفينها، وكل الأشياء التي لا يعرفها كلانا، أنهض قائماً في أسف، تمسكين بذراعي وتخبرينني أني عائد لا محالة إلى بيتي، فقط إن تحليت بصبر يعينني على اجتياز المشقة، أخبرك ألا تشغلي بالك، الأمر سيان، تصفعينني برفق على وجهي، وتطبعين قبلة طفيفة مكان الصفعة -أستغربها في وجود حجابك- وتذهبين.

بالأمس صحوت في الفجر محتر الجسد، بقيت ساعة في فراشي أفكر في مدى واقعية أن نكون معاً كما كنا هناك، لم أتوصل إلى إجابة، وعدت للنوم خوفاً من الانفلونزا.

12.21.2011

وكيف نتوب؟



يقول الذي في قلبه مسٌ من هوى: لولا وريقات زهر اللوز ما بعثتُ حيا..

يرد زهر اللوز: لولا رياح الشمال المرجفة ما وهبك حبيبٌ وريقاتي

وبين ممسوس القلب وزهر اللوز يحار الحبيب..


12.14.2011

أملاً في أبدية سعيدة

لا أملك إلهامي.. ليس باستطاعتي استحضاره ليس باستطاعتي صرفه إنه حضر، لا يأتمر لأمري ولا يقف على مشيئتي.

لا أملك إلهامي.. وإلهامي -وياللغرابة- فتاة عنيدة في الخامسة عشر، حمراء الشعر بنمش كثيف وعيون عسلية، لا تدعوني أباها، ولا تدعو نفسها هبتي، فقط تأتيني في ليالٍ بعينها، تجالسني وتضرب على أطراف أصابعي حين أخطأ، أو تسترضيني لأصفح عن غيبتها فأرضى، فتمسح على رأسي بأكفٍ مبللة بالطيب وتقبل ما بين عيني.

لا أملك إلهامي ولسنا أصدقاء، ولا نشترك في الصفات ولا الملامح، ولا يوجد بيننا سوى أن يأتيني بما أريد فأتركه يسعى حيناً وألح عليه في الطلب حيناً، لا أشرب له القهوة ولا أغلق على نفسي الباب، ولا أخرج للبرية هائماً طالباً وجهه، وهو بي شفوق، يعلم أنه إن تأخر ينفض عني سلامي والفراشات المحلقة حولي، والماء والحلوى، والرفقة الطيبة، يعلم ولا يرضيه.

لا أملك إلهامي.. ولكن لي حبك، لي متكأ وجنان من حبك، لي سكنٌ خير من الدنيا من حبك، ولا يهمني إن تأخر إلهامي أو تقدم، ولا يهمني أن أقبل الناس أو أدبروا، ولا يهمني شيء، وكلما ساءتني حياتي فقط أغمضت عيني فتذكرت أن لي حبك.

12.07.2011

لعلك بخير

في أيامنا المشمسة كانت تحكي لي عن إحدى صديقاتها في المدرسة، كانت نقيضها المطلق باستثناء اسمها، ذات الاسم.. وأحجبة سوداء كثيفة على الوجه والجسد، ولسبب مجهول احتفظت الفتاة التي تخلت عن كل أشياءها تباعاً بتلك الصديقة، ربما لإدراكها أنها ستحتاج من تميل عليه يوماً باكية “أساء ليّ الدهر والناس وليس لي سواك”، وستجدها حتماً، رغماً عن فوضاها الشخصية وآثار الدمار ستجدها، ستعبر إليها سبعون حاجزاً من قماش أسود وتجدها، طيبة ورقيقة كما كانوا صغاراً في المدرسة، تتلقاها بالابتسام والمحبة، وبصدر عامرٍ بالدفء، تمحو عنها أساها، تمحو عنها ذكرى من أساءوا إليها وأساءت إليهم، والألم والخوف وطول الظلام، تمحو عنها كل شيء، الأوزار القديمة والكذب، تمحو عنها كل شيء حتى تعود بيضاء كيوم ولدت، فتذكرها ألا تعود إلى ما كانت إن أرادت النجاة وترقيها بخمس آيات من الكهف وخمس من هود، وتطلقها في سلام فلا يعرف الحزن سبيله أبداً إلى قلبها.

11.29.2011

يا ويح جنبك بالسهم المصيب رُمي

الطريق لا يضل ولا أنا، ولا رفقائي ولا ظلي يضل عني ولا أضل أنا عن الطريق الذي لا يضل، وطيب العيش واحة تلوح في الأفق والمسافة إليها ثابتة، لا ينتقص منها السعي ولا ينتقص من متعة رؤيتها عدم الوصول، والصحبة خير زاد لمن انتوى المسير، والصحبة أنتِ وطيب العيش أنتِ والطريق أنتِ ولا بلوغ، ولا نجاة إلا بشاقِ الصبر، فأصبري واحتسبي عند الله فراقنا، فلعل لنا في الغياب خيراً، لعل لنا بطول الغياب جنان لا ندري أخلقت لنا أم خلقنا لها، لعل لنا بعد الغياب أشياء ما سمع بها جن ولا خطرت على قلب بشر.

* العنوان من “نهج البردة” لأحمد شوقي