5.24.2006

*غنوه فى أول الشارع

: مقدمة
ورثت عن جدتى- رحمها الله- هواية الثرثرة و الحديث دون هدف ،و هى فى العموم هواية سيئة للغاية ، لكننى لم أتخلص منها إلى الآن و كل ما فى الأمر إننى أستبدلت الناس بفضاء غرفتى و فضاء الشارع ثم أستبدلتهما بالفضاء التخيلى ،و تأتى ثرثرتى على هيئة حكايات و قصص لأناس لا يهمك كثيرا أن كانوا حقيقين أو مجرد خيال ، بلا مغزى حقيقى له فائدة ، فالثرثرة ليس لها فائدة سوى إنها أحد طرق إفراغ الكبت
***********
: مقدمة أخرى
لو كان الكلام بإيدى ....عمرى ما كنت حبدأ بحكايتك يا إبراهيم....على الأقل كنت ححكى عن أم العيال و لا أبوك الحاج صبحى و لا حتى حسن...لكن لما أفتكرتك و أفتكر آخر مرة شوفنا فيا بعض على القهوة...ماكنش ليا غير أنى أحكى عنك...الرغى و الحديت منى آه...كأنه مش منى...و كأن فى شيخ بورسعيدى عجوز جوايا هو اللى بيحكى...أفتكر لما كنا قاعدين على القهوة...و قلت لى على اللى فى قلبك وفضفضت
***********
أنا معرفش إيه اللى خلانى أجيلك تانى؟...مش كنا خلاص يا اميرتى ...شفتك النهارده الضهر على الكورنيش و قولنا الكلام كله...إيه اللى خلانى أرجع و أعدى عليكى قبل ما أسافر...و لما كنت نازل لبيتكم اللى فى البدروم على السلم ...ليه وقفت فى الضلمة؟...و إزاى حستى بيا و فتحتى الباب؟...مش عارف...و دلوقت انت بقعدينى على الكنبة و بتصحى أخوكى الصغير و تزقى رجله على جنب عشان أقعد...و تلمى الهدوم المتبعترة فى كل حته...و تغيرى قناة التلفزيون...علشان تفهمى من غير ما تسألى إيه اللى جايبنى دلوقت بعد ما خلاص حسافر؟...بلاش ...هيه مش امك جت و وقفت على باب الأوضة و لما شافتنى..كانت عينيها بتصرخ " يا عالم...يا هوه...هو إحنا مش حنخلص من الغلب ده بقى"...لكنها كانت ساكته لما حطيت وشى فى الأرض...و دخلت المطبخ تعمل الشاى...و أنت بتبصى فى عينيا و بتسألى ألف سؤال وسؤال مستنية الأجابات...و بدل ما تسألنى تسكتى و عيونك تنزل الأرض كأننا أول مرة بنشوف فيها بعض
إحنا ساكتين...لكن الغنوة اللى فى أول الشارع ماسكتتش...لسه صداها فى الجو و فى الشارع الهادى المضلم بيردد الألحان و النغمات...حد فاتح الراديو على إذاعة الأغانى...و بيسمع أغنية قديمة لعبد الوهاب
أخوكى الصغير بيصحى من نومته على كلامنا أو بالأصح سكوتنا...أو على دوشة الشارع الرئيسى...أو من حر الأوضة اللى تحت الأرض...بس بيقوم ويقعد يبصلنا بإستغراب...ولا كاننا أغراب...و يقوم يدخل فى حضنى و يكمل نومته على كتفى...و قبل ما يصحى...كنت بتقولى أن خالتك قعدت تحط السم فى ودانك وتقولك.."أول ما يسافر..ترمى دبتله..و شوفى نصيبك يا بنتى"...لكن أنت سكتى...و أمك سكتت...لأنها فاهمة و عارفة القصة والحكاية...عارفه أن لو أنت رميتى الدبلة مش حتلاقى حد يتقدملك...مش عشان النصيب..لأ..عشان أنت قولتى ربنا مابيرضاش بظلم البنى آدم...و مابيرضاش على اللى يرفض نصيبه و قدره من الدنيا
خلاص..معدش فى غير الدموع يترجموا كلامك...و أنت قومتى تغسلى وشك منهم و تبصى على نفسك فى المراية الصغيرة المشروخة اللى فوق الحوض...و أمك جابت لى الشاى وهى بتبصلى بصه...ماكنتش عارف أفسرها...فيها من اللوم ،الشفقة ،الحب و الحنان
خلاص.. ماعدش فى كلام يتقال غير الكلمتين اللى بتكرريهم.."حتقعد فين؟ ومع مين؟ وحتشتغل إيه هناك؟"...أنا لسه فاكر أمى من أسبوع كانت بتسال زيك..لكن حتعملى إيه؟...و أنت نفسك تقولى اللى فى قلبك...بس مش عايزة تجرحينى قبل السفر...و أنا مش عارف إيه اللى خلانى أوصيكى على أمى؟...رغم أنها ماشفتنيش و أنا خارج من بيتنا...كانت قاعدة طول الليل تحضر شنطتى و تستنانى أجى عشان تودعنى لكن طول الأنتظار هدها و غلبها النوم...كنت عايز أبوسها فى جيبنها...بس قولت بلاش...لأحسن تصحى...و تشوفنى...و تعيط..وأنا ماكنتش ناقص عياط..خرجت من غير ما تشوفنى ..ولا أنا أبوسها وتبوسنى...اللى شافنى و أنا ماشى هو حسن أخويا...الواد أول ماشافنى فى الشارع...جرى ودخل فى حضنى...وماهموش الناس اللى كانت بتبص علينا...و فى حضنى..و فى قميصى...بكا و عيط...وشال عنى الشنطة رغم أنها كانت تقيلة عليه...قولته "بلاش أحسن"...مرضيش و أصر على أنه يوقف لى التاكس كمان و كان نفسه يركب معايا و يوصلنى لحد المطار
خلاص...أنا اللى بحكى وماعدش فى كلام يتقال...و الغنوة اللى فى أول الشارع...سكتت بعد ما فرج بواب الفيلا اللى ع الناصية قفل الراديو الصغير القديم...و إن كانت الغنوة خلصت و سكتت فى راديو فرج البواب..أهيه بتتعاد تانى وتالت فى التاكسى.. و فى المحل اللى على تانى ناصية.. و فى القهوة..و فى أوض النوم..لسه صداها فى الشارع...و فى الشبابيك..وفى قلبى.. وفى قلبك
خلاص...أنا ماشى بقى...مش عشان معاد الطيارة قرب...لأنى لو قعدت شوية كمان...مش حسافر
*******
إسم قصيدة لفؤاد حداد من ديوان أيام العجب و الموت*

هناك 5 تعليقات:

خالد عبد القادر يقول...

شوف يا صاحبي


الكلام ده جارح

تعرف في كلام بيبقى عادي

و كلام مقبول

و كلام محبب

و كلام جارح

ده الاخير بقا اللي بينزل على الشروخ دوغري زي مطر الشتا

و يعشش فيها من اول ما يلمسها

يووه

كلام كتير عايز اقولهوك


بس البلوجات دي متنفعش تفتح قلبك و تفضيه جواها

Geronimo يقول...

شوف يا صاحبي
الكلام ده
دوبني
لانى عشته
وسمعت الغنوة اللى شغالة ع الناصية
وسكنت البدروم
وخرقتني نظرات امي ليا وليه
واتمنيت انه ميسافرش
لكن للأسف سافر
عاوزة بجد اعمل حاجة
بجد عاوزة اصفق تصفيق حااااااااااد

kalam يقول...

الموقف ده بقى من كلاسيكيات الحياه للشباب المصرى
صبيان وبنات
كابوس موجود على روس البشر
بدأت احس انه مرحله طبيعيه فى حياه اى مصر
انه يحس بالمراره والعجز وضعف الحيله
تعرف ساعات باحس ان ارض مصر نفسها مستنيه عقد عمل عشان تسيبنا وتسافر
ملعون ابو الفقر والعوزه والعجز والفرقه

أجدع واحد في الشارع يقول...

الله عليك بس انا نفسى اسمع الاغنيه
بس بلاش الابوس عشان تعرف تعيش

Sanaa El-Banna يقول...

أسلوبك يا محمد رائع ..لأ ياابنى انت مبدع ، بجد انا مندهشة ،والله مندهشة ، برغم انك عارف رأيى فى المضمون ,عاوزه أقوللك انك خسارة فى الكلية بتاعتك دى . انت بجد لازم تقعد تنقح أسلوبك لحاد مااشوفك حاجة جامدة واقرالك بقى فى كتب . سامع كلامى .يا رب !
السلام عليكم