4.20.2007

هكذا عاش اليهود فى مصر


مقال للدكتور عبد الوهاب المسيرى نشر فى مجلة الهلال فى مايو 1997


_تحويل اليهود فى العالم العربى إلى عنصر استيطاني

بعد أن نجحت الدول الغربية فى القضاء على تجربة محمد على فى النهضة القومية فى مصر والعالم العربى ، وفى إصلاح الدولة العثمانية ككل تعاظم النفوذ الغربى فى العالم العربى، وتراجعت الدولة العثمانية التى أخذت تتنازل للقوى الغربية بالتدريج، وقد أخذ هذا شكل قوانين الإمتيازات وحماية الأجانب وانتهى الأمر إلى القضاء على الدولة العثمانية واقتسام معظم أجزاء العالم العربى بين الدول الغربية، فأصبحت العراق ومصر والسودان وفلسطين وعدن وبعض دول الخليج تابعة للإنجليز، وتونس والجزائر والمغرب وسوريا ولبنان لفرنسا، وليبيا لإيطاليا، وأجزاء من المغرب لأسبانيا، وقد تكرس هذا الموقف بإنتهاء الحرب العالمية الأولى.


وحاول الإستعمار الغربى فى العالم العربى الإسلامى أن يوسع رقعة نفوذه بين السكان عن طريق فرض الحماية على أعضاء الأقليات وإعطائها حقوقاً ومزايا لم تكن متاحة لأعضاء الأغلبية بحيث تتحول الأقلية إلى جيب سكانى ترتبط مصالحه وتطلعاته بالقوى الإستعمارية وتتحول هى إلى جماعة وظيفية وسيطة بين القوى الإستعمارية والسكان المحليين، وكانت هذة العملية تسمى عملية "حماية" الأقليات، وهذا هو نمط الذى يسم العلاقة إسرائيل بالعالم الغربى ويسم موقفها من الحضارة الغربية لليهود عبر تاريخها، ويبدو أن عملية حماية الأقليات هى أول شكل من أشكال الإستيطانى عن طريق تحويل أقلية محلية مندمجة إلى عنصر غريب يدين بالولاء لقوة غربية غريبة !، ولعبت المؤسسات اليهودية الغربية، خصوصا الأليانس ذات الإتجاه الصهيونى، دوراً أساسياً فى ذلك فأسست الأليانس سلسلة من المدارس فى كل أنحاء العالم العربى والإسلامى دخلها أبناء اليهود من كل الجماعات سواء المحلية أو الوافدة، ولم يتعلموا فى هذة البلاد لغة بلادهم (العربية) وإنما تعلموا الفرنسية أساساً ولغات أوروبية أخرى، وهو ما أدى إلى صبغ اليهودية بصبغة فرنسية فاقعة، وإلى عزلهم عن بنى أوطانهم وتهميشهم من الناحية الثقافية والإجتماعية والإقتصادية، ويلاحظ الإنجذاب الشديد ليهود البلاد العربية إلى فرنسا والثقافة الفرنسية، بما فى ذلك يهود مصر التى كانت مستعمرة انجليزية، ويهود ليبيا وكانت مستعمرة إيطالية، ولهذا اتجه أغلبهم من البلاد العربية إلى فرنسا أو إلى القسم الفرنسى فى كندا، وأو إلى أمريكا الجنوبية ذات الثقافة اللاتينية.
ومما عمق هذا الإتجاه نحو التهميش الإقتصادى والثقافى، وجود عناصر يهودية وافدة من الغرب كان يفوق عددها أحيانا عدد المحليين، فعدد يهود مصر فى منتصف القرن التاسع عشر الميلادى، كان بين ستة الآف وسبعة الآف، وفى عام 1797، بلغ عددهم خمسة وعشرين ألفا نصفهم من الأجانب الوافدين، وفى عام 1917، بلغ عددهم 60 ألفا 58% منهم من الأجانب، ومع حلول عام 1947، أى عشية إنشاء الدولة الصهيونية، كانت نسبة المصريين بين أعضاء الجماعة اليهودية لا تتجاوز 20% وفى دمشق وحلب، كان نصف اليهود "سنيوريس فرانكوس"، وهى عبارة اسبانية تعنى "الأسياد الفرنجة"، وهو ما كان يعنى أنهم وافدون يتمتعون بالإمتيازات.


_ كتاب الصبغة الغربية

وكان العنصر الوافد يشكل -بطبيعة الحال-، عامل جذب قوى للعناصر المحلية إذ كان للوافدين من الكفاءات ما يؤهلهم للتعامل مع القوة الإستعمارية المهيمنة ومع الأقتصاد الحديث الآخد فى التشكل ولذا نجد أن العنصر المحلى سرعان ما اكتسب الصبغة الغربية حتى أصبح من الصعب فى كثير من الأحوال تمييز اليهود المستعربة المحلية عن اليهود الوافدين،ولقد كان يهود العراق استثناء من هذة القاعدة، إذ لم تنضم أعداد كبيرة منهم إلى يهود العالم الغربى واحتفظوا بهويتهم العربية. وكانت هناك شريحة اكتسبت الثقافة الغربية فى مدارس الأليانس، واعتمدت عليها سلطات الأحتلال البريطانية للخدمة فى إدارتها الجديدة فى اعقاب الحرب العالمية الأولى. ويبدو ان أعضاء الجماعة اليهودية لا يختلفون كثيراً فى سلوكهم هذا عن بعض أعضاء النخبة الحاكمة فى البلاد العربية ولا عن بعض أعضاء الطبقات الهامشية الأخرى للمجتمع الذى يتركون ثقافتهم الوطنية وهويتهم ويتكسبون ثقافة الغازى ويتعلمون لغته، وهو فى الواقع يهدفون إلى أن يحققوا حراكاً إجتماعياً، وينتهى بهم الأمر إلى التوحد الكامل مع هذا الغازى ثم الرحيل معه حينما تحين الساعة (كما حدث لبعض أعضاء الطبقة الحاكمة فى العالم العربى).



ويجب إضافة أن أعضاء الأقليات أكثر تعرضاً لهذة العملية من أعضاء الأغلبية بسبب هامشيتهم فيما يتعلق بالرموز الأساسية للمجتمع. ومن المفارقات التى تستحق التسجيل أن عملية اعتاق اليهود فى العالم العربى وتحديثهم تمت خارج نطاق المجتمع العربى ذاته وبمعدلات مختلفة عن معدلات التحديث فيه، كما أنها تمت من خلال القوى الغازية. ولذلك بينما أدى الإعتاق والتحديث فى الغرب إلى اندماج اليهود فى مجتمعاتهم أدت نفس العملية السياسية والإجتماعية إلى نتيجة عكسية تماما فى المجتمع العربى.


_مخطط استيطاني

وقرر كثير من المواطنين اليهود الإستفادة من قوانين الإمتيازات، فتجنسوا بإحدى الجنسيات الأوروبية حيث كانت بعض الدول تشجع هذا الإتجاه لخلق رأس جسر لها. وفى الجزائر بالذات أعطيت الجنسية الفرنسية لكل يهود الجزائر فى محاولة لزيادة الكثافة البشرية الفرنسية داخل الجزائر، وكان هذا جزءاً من المخطط الإستعمارى الإستيطانى.ومع اندلاع الثورة الجزائرية كانت الأغلبية العظمى من يهود الجزائر مواطنين فرنسيين. وقد كان العدد أقل فى تونس والمغرب نظراً لأن الحكومة الفرنسية لم تشجع هذا الإتجاه هناك. وبعد إحتلال بريطانيا للعراق فى أعقاب الحرب العالمية الأولى سعى أعضاء الجماعة اليهودية فى العراق للحصول على الجنسية البريطانية، فقدموا طلبات بهذا المعنى إلى المندوب السامى البريطانى عام 1921 ولكن بريطانيا لم تستجب لطلبهم.



ومن العناصر الأخرى التى ساهمت فى تعميق الإتجاه نحو التغريب والتركيب الوظيفى والإقتصادى لأعضاء الجماعات اليهودية، خصوصا بين الوافدين فقد تركزوا فى مهن تجارية معينة (تجارة دولية) ومالية (الربا والسمسرة واعمال البورصة) وحرفية (صناعة الخمور)، وهى مهن حولتهم إلى جماعات وظيفية وسيطة مرتبطة أساسا بالقطاع الأقتصادى الغربى وبالقوة المهيمنة. ولم يكن من قبيل المصادفة أن معظم قرارات التعريب أو التأميم كانت دائما تضر بمصالح أعضاء الجماعة اليهودية والجماعات شبه الأوروبية الأخرى، مثل اليونانيين والإيطاليين والمالطيين من الوافدين أو الذين تم تهميشهم ثقافياً واقتصادياً.
لكل هذا نجد أن مصير أعضاء الجماعات اليهودية ارتبط بمصير الإستعمار فى المنطقة فتحسنت أحوالهم المادية وازدادت هامشيتهم البنيوية مع تزايد الهيمنة الإستعمارية والتغلغل الأجنبى، وفى أثناء فترة النضال فى الجزائر أيد 90% من يهود لجزائر بقاء الجزائر فرنسية ووقفوا إلى جانب منظمة الجيش السرى. وأخيرا رحلوا مع المستوطنين الفرنسيين كانوا على الرغم من أن هؤلاء المستوطنين كانوا معروفين بكرهم الشديد لليهود وعدائهم لهم. كما أنهم عارضوا منحهم الجنسية الفرنسية فى بادئ الأمر، أما فى تونس والمغرب فتقول بعض المراجع الصهيونية أن أعضاء الجماعات اليهودية قد وقفوا موقف الحياد من حركة التحرر الوطنى. وهى عبارة غير مفهومة وتفترض هامشية اليهود وعدم انتمائهم.


_الولاء للصهيونية

وقد إزدادت عملية التهميش هذه مع تزايد نشاط الحركة الصهيونية التي حاولت أن تعرف اليهود لا بإعتبارهم عرباً أو حتي غربيين وإنما بإعتبارهم يهوداً يدينون بالولاء للشعب اليهودي ثم للدولة الصهيونية. وفي العشرينات قامت الوكالة اليهودية بتكوين شبكة جاسوسية في العالم العربي إستخدمت المؤسسات والمنظمات اليهودية الشرعية (مثل نوادي المكابي) واجهات تخفي نشاطها المعادي وغير الشرعي. وفي الثلاثينات أسست الوكالة اليهودية جهاز مخابرات يتبعه قسم عربي يترأسه موشيه شاريت. وقد قامت الموساد عام 1937 بتأسيس مركز لتدريب بعض اليهود العرب علي أعمال الجاسوسية ضد بلادهم أطلقت عليه اسم "الأولاد العرب". وبعد قيام الدولة، تم تجنيد بعض العناصر العربية اليهودية للقيام بأعمال تخريبية تخدم مصالحها، كما حدث في حادثة لافون حينما جند بعض اليهود المصريين للإساءة الي العلاقات بين حكومة مصر الثورية الجديدة عام 1952 وحكومات الدول الغربية. ولقد أدى تأسيس الدولة الصهيونية التي تدعي أنها دولة يهودية تمثل كل يهود العالم. ومنهم يهود العالم العربي، الي الوصول بعملية التهميش الي ذروتها.
ومع هذا، ظلت أغلبية يهود العراق بمنأى عن عملية التهميش آنفة الذكر لبعض الوقت، ولذلك فقد تمتعوا بقدر كبر من الإستقرار والرخاء الإقتصادي وأستفادوا من الإزدهار الإقتصادي الذي شهدته البلاد خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، ولم يتعرض اليهود إلا لبعض الأحداث المتفرقة التي جاءت كرد فعل إما للتطورات الجارية في فلسطين أو لتصاعد المشاعر المعادية لبريطانيا، وقد كانت أخطر هذه الأحداث هي الإضطرابات التي جرت عام 1941، والتي جاءت في أعقاب هزيمة قوات رشيد عالي كيلاني أمام القوات البريطانية وسقوط نظامه. وقد راح ضحية هذه الإضطرابات التي عرفت باسم "فرهود" ما بين 170 و180 يهودياً (وعدد أكبر من غير اليهود). وبعد هذه الأحداث عادت الأمور الي نصابها. ولذلك فقد وجدت الحركة الصهيونية صعوبة بالغة في تشجيعهم علي الهجرة الي فلسطين، وإضطرت في نهاية الأمر الي اللجوء للإرهاب ضدهم حين دفعت بعملائها ليضعوا متفجرات في المعابد اليهودية وفي أماكن تجمع أعضاء الجماعة حتي يبدو الأمر وكأن المجتمع بدأ يتحرك ضد اليهود.
ولكن هذا لا يعني أن كل أعضاء الجالية اليهودية كاونوا ممالئين للإستعمار الغربي وتحولوا الي وسطاء له، كما كان يهدف المخطط الإستعماري. ذلك أن أعداداً كبيرة من يهود سوريا إنضمت إلى حركة التحرر الوطنى ودعمت المطالب القومية. ومن المعروف أن يعقوب صنوع (أبو نظارة)، وهو ككاتب مصرى يهودى. هاجم الإستعمار الإنجليزى ونفى بسبب ذلك. كما أن المصرى اليهودى ليون كاستروكان، وهو رئيس جريدة تحرير جريدة يومية فرنسية، من كبارمؤيدى حزب الوفد المصرى، ورافق سعد زغلول فى أثناء مفاوضاته فى لندن (لكنه أسس بعد ذلك تنظيما صهيونياً فى مصر، ولعل تأييده للوفد كان يهدف إلى تعميق التيار الوطنى المصرى لعزل مصر عن العالم العربى وبالتالى فلسطين)، ويوجد غير هؤلاء كثيرون من أثرياء اليهود الذين كانوا جزءاً لا يتجزأ مما يطلق عليه مصطلح "الرأسمالية الوطنية" والذين ارتبطت مصالحهم ورؤيتهم وتطلعاتهم للوطن الذى يعيشون فيه، ففى مصرساهمت عائلتا قطاوى وشيكوريل فى تأسيس بنك مصر عام 1920، وهو مشروع كان يهدف إلى تقليص اعتماد مصر على الرأسمال الأجنبى وإلى إرساء حجر أساس لصناعة وطنية مستقلة.
ومن المعروف كذلك أن يهود العالم العربى لعبوا دوراً ملحوظاً فى تأسيس الحركات الشيوعية فى العالم العربى.وقد كانت لهذة الحركات نشاطات أيا كان تقييم المرء لها، معادية للإستعمار فقام هنري كورييل بتأسيس الحركة الشيوعية المصرية (وثمة دراسات تشيرإلى دور كورييل المشبوه)، وقد كان هناك وجود يهودى ملحوظ فى الحركة الشيوعية فى العراق (الصحفى اليهودى نعيم قطان ومراد العمارى وغيرهم) ممن تبنوا موقفا معاديا للصهيونية وأسسوا منظمة بإسم "عصبة مكافحة الصهيونية"، والواقع أن وجود اليهود فى هذة النشاطات بأعداد تفوق نسبتهم العددية أمرا ليس مقصورا عليهم، ففى كثير من الأحيان يوجد أعضاء الأقليات فى الحركات الثورية والفوضوية، وعلى كل فحينما قررت الحركة الشيوعية أن تلعب دوراً أكثر فاعلية فى محيطها العربى طلبت إلى أعضاء القيادة من اليهود الإستقالة وقد فعلوا ذلك مؤثرين مصلحة الحزب على مصلحتهم الشخصية.
ولكن الصورة العامة للجماعات اليهودية فى العالم العربى هى أن الإستعمار الغربى قد نجح فى عزلها ثقافيا عن الثقافة العربية الإسلامية وربطها بمصالحه الإقتصادية ورؤيته الثقافية ومن ثم تحول أعضاء الجماعات اليهودية إلى مادة بشرية استيطانية لها قابلية عالية للهجرة، وهذا ما حدث بعد تأسيس إسرائيل إذ إختفى اليهود من البلاد العربية تقريباً.

________________
©عبد الوهاب المسيرى1997
المقال منشور بإذن من الكاتب

هناك تعليق واحد:

Yasser_best يقول...

مقال مهم لباحث رصين يملك مفاتيح تحليل فهم اليهودية والصهيونية
الكاتب هنا يؤسس في طيات مقاله أو دراسته لموضوع بالغ الأهمية يتعلق بالجماعة الوظيفية اليهودية.. وهو الموضوع الذي أفرد له كتاباً يحمل عنوان "الجماعات الوظيفية اليهودية: نموذجٌ تفسيريٌّ جديد"

شكراً لك يا عزيزي على مشاركتنا هذا المقال الممتع