1.29.2008

إعادة : وصبح يوم تالت وعيار البكا فالت

إلى عمى "أبو الليل" أقبل جبينك محبة
*
"حتى الأمل لو كان بخيل
اليأس أبخل"
فؤاد حداد - ديوان العيار الفالت - الصفحة الثانية
*
"توقف عن الأنين،
ما من شئ أكثر إثارة للسخرية
من الرجل الذى يئن اللهم إلا الرجل الذى يبكى"
الشاعر الفرنسى أراجون - قصيدة الشوك
*
صباحٌ يغلفه ضباب رقيق، لم نتجاوز السادسة صباحاً بعد، وأنا على رصيف محطة الزهراء أنتظر القطار القادم جالساً متململاً واجماً، على بعد عدة خطوات من قدمى توجد بوابة مفتوحة على منظر من أجمل مناظر مدينة القاهرة صباحاً ومساءاً، حيث الشارع الفرعى يبدو كميدان صاخب الحركة لايهدأ أبداً من سائقى الميكروباص ولا ضجة الكوبرى العلوى، أما هنا.. لا شئ من هذا هنا.
تجلس بجانبى إمراة فى الخمسين من عمرها ترتدى جلباب أسود وعباءة سوداء، معها طفلتان صغيرتان يحملان حقائب المدرسة، كانت ملامح السيدة فيها شبة عظيم من جدتى من أمى، أما الطفلتين فلم أستطع تحديد لمن يشبهن، لكنى شغلت عن ذلك بتأمل شريط القطار إنتظاراً محاولاً أن أضيع الوقت فى عد حجارته.
أزداد عقلى ووجهى وجوم حتى كادت عيناي تدمع أكثر من مرة، والوقت يمر بطيئاً على قلبى بسكينٍ حادٍ يمزق نياطه، لكننى أحاول التماسك خوفاً من الإنهيار فى أى لحظة.
كانت الطفلتان تلعبان على أرضية الرصيف متخيلين أى شئ يمكن اللعب عليه، ثم جاءت إحدهما نحو السيدة لتنزع عن ظهرها حقيبة المدرسة لتكمل لعبها، تسترسل السيدة وهى تنظر أمامها وتعبث بأناملها فى شعر الطفلة "البت أم فاطمة بنتها عايزة وعايزة وعايزة، البت مش مقدرة حالة أمها خالص، لكن نعمل إيه بقى؟ العوزة وحشة برضه"، كنت أعلم إنها تحاول التخفيف عنى كأنها تقول لى "اللى يشوف بلاوى الناس، تهون عليه بلوته"، لكن ما شأنى أنا وشأن أم فاطمة، وأنا لا أعرف من هى أم فاطمة ولا أىِ من بناتها تقصد، صمت ولا لم أستطع الرد على أية حال وكأنها تحدثت إلى نفسها بصوتٍ عالٍ كعادة المصريات.
تأخر القطار، لكن رصيف المحطة لازال خالى من البشر تقريباً.
ولا أعلم ماذا حدث بالضبط، كل ما أعلمه إن لى رغبة شديدة فى البكاء منذ بداية اليوم، بدأت فى النهنهة بصوت مكتوم محاولاً ألا أزعج السيدة العجوز ببكائى الصامت، وكلما حاولت أن أكبت بكائى من الداخل علا صوت نهنهتى، أتذكر إننى كل مرة بكيت فيها فى دورة مياه بيتنا كنت أستطيع كتمها، لكن الحمل فاق التحمل هذة المرة؛ والسيدة أحست بشئ ما يجرى بجانبها، فما أن لمست كتفى، حتى انفجرت باكياً وأنا أصرخ من شدة الألم والكبت، لم أهتم بكونى أبكى بحرقة فى المحطة وظل صوت بكائى يرتفع أكثر وأكثر، هذا القلب المذبوح فقد القدرة على التماسك، والسيدة لازالت تربت وتمسح على ظهرى برفق كأنها أمى وهى تبسمل وتحوقل وتقرأ قصار سور القرآن لتهدئتى، حتى الطفلتين كانتا تنظران إلىّ فى ذهول وعدم فهم ورغم ذلك أقتربتا ومسحا على ظهرى، لم أدر إنى قد أرتميت فى صدرها، فالتعب و(السخونة) حلوا بعينى وعقلى، لكن البكاء والنهنهة أخذت حدتهما تنخفض قليلاً قليلاً، حتى صرت نائما فى حضن السيدة العجوز وهى تهمس بصوت هادئ مطمئن لقلبى.

"ربك يعدلها، ربك يعدلها"
ومُر القطار دون أن نركبه
*
"لابد لنا من أيام، نضحك فيها من مرارة هذة الأيام
لابد لنا من أيام نضحك فيها من مرارة هذة الأيام
لابد لنا من أيام، ......إلخ"
الشاعر الرومانى أوفيد

هناك تعليق واحد:

أبو الليل يقول...

يا الله..

بين الأمل الأقل بخلا و التوقف عن الأنين و حتمية مجيء أيام نضحك فيها, يمضي قطار لا يحملنا..
كم هو بديع أن نملك تلك القدرة على عدم الصعود المميكن إلى قطار حتى لو انتظرناه دهورا..
فقط حين نشعر أننا على خير ما يرام سيكون الوقت ملائماً..
قبلتك المحبة على جبين أبو الليل, أشعرته بأنه على خير ما يرام..
نعم يا عزيز العين..
ربك يعدلها
:)
محبتي..