5.25.2008

أم الحنان والأساور*

حموم الهنا :
أجلس عارياً على الأرض، أمد يدى إلى مفتاح "الدش"، تنهال علىّ المياه الفاترة كالشلال، أجلس فى وضع القرفصاء ضاماً رجلىّ إلى صدرى، محيطاً ذراعىّ حولهما، وينام رأسى على ركبتىّ، أنتظر فتأتينى، تدخل وتغلق الباب خلفها، تمسك بالصابونة بيدها المكتنزة ذات الأساور النحاسية، ثم تنحنى علىّ، بأصابعها تنزلق فوق مسامى، وتدعك ظهرى المكشوف، تدعك، تدعك، وتدعك، حتى يصير جلدى إلى اللون الأحمر، تهيل الماء على جسدى، فأحس بالطهارة من التراب والطين والخطايا والآلام التى تتساقط مع قطرات المياه، تصبن ظهرى مرة أخرى، من أعلى رأسى إلى أسفل مؤخرتى، تمسك بالليف وتكتب اسمها واسمى دورٍ بعد دور، يلتهب الجلد احمراراً، لكنى فى كل دور أصير شفافاً، روحاً لا بدناً، ترفع يدها المكتنزة الرقيقة إلى أعلى انهاكاً، فتهتز الأساور النحاسية فى رنين مثير، لتترك الماء ينسال فوقى يغسلنى.

*

حُب كما اللبلاب:

"خش المسا وظلام الليل"
"واللى يجاور يجاور"

أحياناً يبدو الليل بثيابهِ الموشاةِ بالنجومِ كأميرٍ وسيمٍ يسعد به جُلاسه، على كورنيش الساحل، والنيل يجرى يلاحق بعضه فى فيضانه أمامنا، نجلس على دكة بعيدة وحيدة، نسلى أنفسنا بأكياس الحمص الأخضر، وكل من يمر غادياً من وراءنا، يلقى نظرة سريعة، ثم يبتسم اطمئناناً، ونحن غائبون فى دنيا الليل، تلتفت إلىّ، تحيط ذراعيها اللدنة ذات الأساور حول رقبتى، وتضعط على نحرى بمرفقيها كى لا أتقرب أكثر، والعين فى العين، فى ذراعيها رقة ناعمة، فى ثدييها امتلاء حنون، ووجهها بياض نورانى، تهتز الأساور بفعل النسيم القوى، فتستطيل رجلى ورجليها، حتى تمتد إلى شاطئ النهر الساكن، وتغوص فى الطمى، تهز أساورها عدة مرات، يتمدد جسدينا لأعلى ونحن ندور فى حركة لولبية طويلة حول بعضنا، نظل ننمو هكذا إلى أعلى حتى نجتاز المداخن السوداء على الشاطئ الآخر ونبلغ سقف السماء طولاً.
___________________________________________________
* العنوان والكلمات باللون الأحمر من أغنية "شفت القمر" لفرقة الطنبورة البورسيعدية

هناك تعليقان (2):

Yasser_best يقول...

الشفافون فقط يغسل الماء أرواحهم فيعودون إلى سيرتهم الأولى: ملائكة تعزف لهم الأساور موسيقى الحنين

أحمد القيسي يقول...

بوح فاتن يا صديقي .. إبداع راق جداً.. طاب لي الاغتسال هنا ..
تحياتي أحمد القيسي