10.03.2008

الوجه الآخر للخريطة


__من وهم المرايات، السهروردى متبصراً__
طريق مصر – حلوان الصحراوى،
شفت فى مراية العربية الجانبية ورايا تلال الوادى والمقطم كلها بتهتز، كتل الأحجار الضخمة بتقع من فوق، وليل تقيل جى من ورا التلال يكتم نفس الوادى وأهله، وبيوت على السفح بتقفز من مكانها قفز، وتنزل تغوص فى بطن الأرض، وتطلع من وسطهم راية سوداء، ما بترفرفش مع الريح كأنها معدن، وطوفان بشر من كل شارع وحارة وبيت نازل يجرى على الطريق ويعديه، طوفان روؤس، أبدان، متلاطمة، متزاحمة، بتدوس على بعضها، على الطريق عربيات كارو ركابها كلهم شيوخ وعواجيز، اللى مبّحر ومنهم يغنى "عَ الزراعية يا رب أقابل حبيبى"، واللى مقبّل ومنهم ينوح "وأنا كل ما أقول التوبة يا بوىَ ترمينى المجادير"، هزيت المراية مرتين، ومسحتها، ومسحت معاها الصورة المعكوسة شوية بشوية لحد ما راحت...
"كتبت فى يونيو الماضى، ونشرت فى المدونة بتدوينة فى العاشر من يوليو تحت إسم "أبصر ديناراً !""
*
__بداية..__
بالضبط كده، قبل خمس دقايق من اللى حأحكى عنه، كانت بولاق الدكرور، مكان لا يُذكر، قرية زراعية مجهولة زى باقى قرى مصر، وفى الساعة اتناشر وتلت بعد نص الليل فى واحدة من ليالى منتصف السبعينات الشتوية، عدى قطرين على محطة بولاق الدكرور، واحد مقبّل والتانى مبّحر، نزل من كل واحد فيهم واحد، واحد بس، الأولانى "سوهاجى" فحل بيشتغل مقاول أنفار وتاجر خشب بالقطاعى، والتانى "منوفى" مسلوع هربان من تجنيد الحرب كان بيتشغل صبى قهوجى وبيحلم إنه يكون معلم قهوة، وعلى رصيف المحطة كان فيه واحد من "أبو أتاته" قاعد زى اللى يكون كان مستنيهم صايع مانفعش لا فى علام ولا تجارة ولا فلاحة ولا دياولو، فى لحظة واحدة، هى لحظة واحدة، اتلاقت عيون التلاتة فى بعض رغم المسافة وضلمة المحطة، وعدّت على شفايفهم ابتسامة سودة غامضة، وبعد اللحظة دى بولاق الدكرور مارجعتش تانى هى بولاق الدكرور..
*
__..ونهاية __
المعروف فى بولاق الدكتور، إن كل كل رجالتها، من أول ناهيا، على سكة الكفر، على طريق ناهيا الأبيض، على المعتمدية، على ترعة الزمر، على همفرس، وعلى زنين وصفط اللبن وأبو قتادة، شايلين السلاح فى البنطلون جنب أعضائهم المنتصبة طوال الأربعة وعشرين ساعة زىّ الحمير البرية. الكل ماشى فيها بيهز راسه للتانى، مهما اتخانوا أو اتعصبوا أو شتموا بعضهم بالدين والأمهات والأعضاء التناسلية، مفيش أى حاجة بتحصل بجد وكل ده يعتبر فى مقام العادى، لكن فى لحظة واحدة، هى لحظة واحدة، مظبوظة بالساعة، من غير أى اتفاق مسبق، فى البيوت أو فى الشوارع، فى الأسواق أو فى الجوامع، وعلى المزلقان وقنطرة أبو عميرة، كل واحد فيهم من كبيرهم لصغيرهم حيخرج السلاح من جيبه وحيحط بقه فى وشه اللى قدامه عدّل وحيبتسم نفس الإبتسامة السودة الغامضة ويدوس الزناد... وحينتهى كل شئ من غير ما حد برانا يدرى بشئ.. أبداً..
*
__انفصال__
كل ليلة.. قبل الفجر.. يتحقق حلم الوحدة القديم بين الريف والمدينة.. بين العزب والأحياء.. بين "المطرية" و"هليوبوليس".. بين "الزيتون" الشرقية و"الزيتون" الغربية.. وتعود "الزيتون" أرض واحدة متحدة تحت عباءة الليل الناعمة ويد الله العادلة بين الدور والقصور... إلى أن يمر قطار "كوبرى الليمون" الأول فى السادسة صباحاً على قضبان الواقعية.. فينشق وينقسم وجه القاهرة مرة أخرى بين عزبة شرق وحى غرب.
*
__سجن ماتوسيان__
المنسيين المحبوسين فى زنزانة تحت أرض شارع الصاروخ القاهر من ميت سنة، بنسبة لهم إمبارح زى من ألف سنة فاتت... بيكرهوا ماتوسيان، وبيحبوا ماتوسيان، ماتوسيان هى حافة الكرة الأرضية اللى داخ عليها الجغرافيين أجمعين، هى مطرح ما كبرت وصغرت الدنيا، أول وأطول وأكبر نخلة وشجرة توت، المحطة الأولى اللى خرجت قطورات النهضة وطيارات الحداثة منها لكل برّ مصر، أعلى تبّة وأوطى وادى، مختصر منظر العالم، فى ماتوسيان الزمن وعقارب الساعة بيقفوا مهتزين حتى لو كل شئ بيتحرك بسرعة البرق... بيحبوا ماتوسيان، وبيكرهوا ماتوسيان، عارفين إنها مش اليوتوبيا المتخيلة ولا أطلانطس المفقودة، عارفين إنها أرض مهجورة مابيطلعش فيها إلا الغاب، عارفين إنها مجرد زنزانة حقيرة ضيقة بنسبة لهم دوناً عن باقية الناس المتمتعين بحريتهم، مهما وسعت ولا ضاقت فى خيالهم هى مكان كله تلاتة متر فى تلاتة متر فى تلاتة متر ارتفاع، فى الصيف مدفونين بالحيا تحت طبقات الحر والحرارة، وفى الشتا الصقيع بينفد من كل فتحة فى أبدانهم... بيحبوا وبيكرهوا ماتوسيان، وبيسألوا إزاى هى كل حاجة وإزاى هى ولا حاجة؟
...
..
مساجين ماتوسيان فاضت أرواحهم لبارئها عرايا راضيين عن كل شئ فى ساعة سحور امتزج فيها النهار والليل والصباح والمسا حتى من غير جواب.

ليست هناك تعليقات: