10.18.2008

الإنصات إلى الصمت


رأيت فيما يرى النائم حلماً، يصعد فيه المرشح الانتخابى فوق المنصة فى صوان الانتخابات أمام أعين الجمهور المشدودة إليه بكامل تركيزها، وبمجرد أن فتح فمه كى يخطب فيهم، هتفت من بين الناس "انزل.. انزل.. انزل"، ثم انضم من حولى إلىّ هاتفين أن يهبط من فوق المنصة، وسار الهتاف فى حماس عنيف بين جمهور الناخبين، بهت الرجل وأسكته ذهوله من المفاجأة، وقام الجالسون فى الصف الثانى ورفعوا الكراسى وضربوا بها من كان بالصف الأول من مرافقى المرشح، حتى طردوهم من الصوان نهائياً، وقبل أن يعودوا مرة أخرى إلى المقدمة كان المرشح تسلل من الخلف هارباً، لم تمضى ثوانٍ، حتى دخل علينا رجال صغار يحملون لافتات ويستبدلون لافتات المرشح الهارب بلافتات أخرى لا تختلف تماماً عن لافتاته، بعدهم رجال من ذوى الياقات البيضاء والسترات السوداء يتقدمهم مرشح جديد، جلس الجميع فى هدوء ونظام وكأن شيئاً لم يحدث، وارتقى المرشح الجديد فوق المنصة، تنحنح فى الميكرفون قائلاً "إخوانى.."، ولم يتم كلمته الثانية حتى صحت أنا والناس المجتمعون ناهضون من فوق مقاعدنا فى نفسٍ واحدٍ "انزل.. انزل.. انزل"، لكنه ظل يتحدث دون أن نسمع حرفاً مما قاله، حاول رجاله تهدئتنا، لكننا بدلاً من ذلك هجمنا على المنصة، ففزع وصرخ كالنساء، أمسكنا به قبل أن يولى بفلوله، وقدناه إلى الخارج، ثم رفعناه وألقيناه متمرغاً فوق التراب والغبار حوله، وبعد أن أنزلنا كل اللافتات عاد الكل إلى مقاعدهم فى سكينة ورتابة مخيفة جالسين آخذين فى النظر باتجاه المنصة الفارغة مشدودى البصر والبصيرة مستمعين فى احترامٍ بالغ واهتمامٍ كامل..

* اللوحة للفنانة رباب نمر

هناك تعليقان (2):

Yasser_best يقول...

المنصة الفارغة قد تنال احتراماً أكبر من منصة عليها أناس فارغون

بالمناسبة، اللوحة كأنها مكتوبة لهذا النص تحديداً

السهروردى يقول...

عطر الأحباب، أستاذى الجميل/ ياسر
آنستني
ملحوظة صغيرة: وجدت هذة اللوحة بالمصادفة البحتة بأحد مواقع المعارض الفنية بالقاهرة صباح اليوم التالى لكتابة هذا النص