11.08.2008

خواطر حول القضية الفلسطينية

أول فكرة تتبادر إلى ذهني عند سماع القضية الفلسطينية، صوت أمي وهي تغني لي القدس العتيقة على كورنيش العجوزة، صورة قد تبدو عجيبة بعض الشئ لموضوع بمثل هذه الجدية، لكن أمي لم تجد أفضل من الأغاني والشعر لتوعيني على القضايا السياسية في سن مبكرة، في تلك الأثناء تقريباً كان الإخوان المسلمون يلقنونني دروساً عن الشهيد يحي عياش مهندس المتفجرات صاحب الطفرة التكنولوجية النسبية في الأسلحة الفلسطينية، وقرأت لمحيي الدين اللباد كتاب كوميدي مصور عن الإختراعات الفلسطينية للمقاومة أثناء الإنتفاضة الأولى، في تلك السن كانت الحياة تبدو أقل تعقيداً، نحن لا نكره اليهود، نحن نكره الصهاينة، الصهاينة إحتلوا أراضينا غصباً في 48' وطردوا أهلنا من الفلسطينيين، واجبنا هو إستعادة كامل الأرض والقضاء على اليهود.

نشأ لدي أول وعي مستقل نسبياً بالقضية بالتوازي مع إندلاع الإنتفاضة الثانية، كانت صور الشهداء تتوافد يومياً على قناة الجزيرة –التي كنت حديث العهد بها في ذلك الوقت- وأرقام مهولة من القتلى، الجرافات تتحرك، المقاومة تصمد في جنين، آيات الأخرس ووفاء إدريس، راتشيل كوري في 2003، العالم يزداد تعقيداً، لم تعد الإجابات القديمة تصلح للأسئلة المنهمرة يومياً من شاشات التليفيزيون، ما هو حكم قتل الأطفال والقصر الإسرائيليين، هل يمكن مؤاخذتهم بأفعال جيش الدفاع، أين سيذهب الخمسة مليون إسرائيلي بعد دخولنا الأرض المحتلة فاتحين مكللين بالغار، أين المفر من وخز الضمير إذا إنتصرنا -لا قدر الله- وقدر لنا أن نستعيد أراضينا، بدأت أقرأ عن مدريد وعن أسولو، عن عمليات خطف الطائرات في السبعينات، الحرب الأهلية اللبنانية والإجتياح الإسرائيلي، غسان كنفاني –كانت أمي تقرأ لي درويش في سنين سابقة- وعمله العظيم رجال في الشمس، باحثاً عن إجابات، ما هو التطبيع، ماهو الإنساني واللا إنساني في عملية المقاومة، ماهي أكثر الحلول المرضية للضمير بشأن تلك الكتلة البشرية المتصارعة على الأرض.

تلقيت أول إجابة مقنعة نسبياً أثناء حديث عابر عن حادثة برجي التجارة العالميين، حيث أشار مسئولي في الإخوان إلا أن في حالة الحرب لا يجوز ضرب العدو في تجمعات عمرانه ولكن يجوز ضرب قواته العاملة على أرضنا، وحين سألت عن إسرائيل قال أن الكيان كله مقام على أرض إسلامية، والمقيمون به مقيمون على ما لا يملكونه ومن هنا يمكن شرعاً مهاجمتهم، إستشهد بمجموعة من النصوص وإستراح ضميري، غير أني عدت لأسأل "وماذا عن من لا يتمكن من الرحيل؟"، حينها طرحت أمي فكرة الدولة ثنائية القومية، وقالت إن الإنتلجنسيا العربية –اليسار تحديداً- ترى الحل في دولة ثنائية القومية، تكفل للفلسطينيين حق العودة لبيوتهم وأراضيهم وعلى من رغب من الصهاينة الإقامة فليقيم، وحين تأففت من مجاورة الصهاينة لي في الأرض أخبرتني بثقة بأن في دولة ثلاثة أرباع تعدادها من الفلسطينين لن يطيق الإسرائيليين الإقامة، قرأت للمسيري عن توصيفه لإسرائيل كطليعة إمبريالية وجماعة وظيفية، يستثمر فيها الغرب آلاف البشر كقاعدة ضخمة تضمن الحفاظ على مصالحه بالمنطقة، قرأت آلاف التفسيرات والتوصيفات.

أرى الآن الأمر كالتالي، يمكن بالفعل القبول –من ناحية أخلاقية على الأقل- بقبول فكرة الدولة ثنائية القومية، حيث أن أغلب التعداد الإسرائيلي الآن لم يختر بشكل مباشر طرد الفلسطينيين من أراضيهم للإقامة مكانهم، الحائل الرئيسي دون تحقيق هذا الحل هو هذا الكيان المؤسسي المسمى بإسرائيل، إسرائيل تبيد الفلسطينيين كيلا يطالبوا بأرض أو بعودة، إسرائيل تتحرش بجيرانها من العرب، إسرائيل أزمة تاريخية تمتد حتى لإسم المكان وهويته، كي نصل إلى حل يجب تفكيك هذا الكيان، لن يتأتي تفكيك الكيان بمفاوضات، أي كيان عاقل في الوجود لو خيرته بين وجوده وعدم وجود سيختار وجوده كأمر حتمي، وبالتالي المسألة مسألة صراع، رجوع الحق لأهله مرهون بإختفاء المؤسسة، في هذا الإطار فأغلب الأعمال التي تستهدف الكيان المؤسسي الإسرائيلي هي أعمال مقاومة مشروعة ما عدا تلك التي "تستهدف" مدنيين، وإستهداف المدنيين لا يعني سقوط مواطنيين إسرائيليين عرضاً ولكن يعني إستهدافهم بشكل أساسي، المستوطنين ليسوا مدنيين، من يعمر المستوطنات هي طلائع إستعمارية تستولي يومياً وبدون وجه حق على أراضي في قلب "الشبر ونصف" الباقيين للفلسطينييين من أرضهم، المستوطنين والمستوطنات هي خطوط أمامية للجيش الإسرائيلي، التطبيع لغوياً هو أن يجعل شخص من أمر تطبيعي، والتطبيع مع إسرائيل هو فرض إسرائيل علينا كأمر طبيعي، أي فعل يؤدي إلى تكريس وجود المؤسسة والتعامل معها كأنها مسألة مسلم بها وشرعية هو فعل تطبيع وهو –بديهةً- فعل خيانة، من هذا المنطلق لا يمكن إعتبار رحلة أهداف سويف لكتابة مقالاتها عن إسرائيل تطبيعاً، لكن يمكن إعتبار زيارة السادات للقدس تطبيع.

لا أوضاع مرضية ولا إجابات نهائية، فقط أحاول أن أتمسك بيقيني في ظل ظهور حمائم السلام المجانية مع إسرائيل، وطلوع فجر التسويات النهائية في ظل إدارة المحروس أوباما.

والله أعلم...
موضوع مرتبط: هامش عن التطبيع

هناك تعليقان (2):

ربيع يقول...

السبب الوحيد اللي يخلي انسان فلسطيني تحت العشرين يرجع لفلسطين ، هو العند
أما لو كان معاه جنسية أخري ، فالسبب الوحيد هو الفراغ
كمان انا متخيل ان لو فيه دولة ثنائية هايتم التعايش بشكل طبيعي ، مع الوقت دول هايتعودوا على دول ، طبعا لازم اليهود يخففوا من حدة التطرف و الاصرار على نسب كل شيء في الحياة حتى الكاكا الى اليهود و اليهودية ، و الفلسطينيين عليهم انهم يرضوا بالحل ده ، مش كل شوية يطلع فرع أو مجموعة تطالب بحل آخر
بس الأقدار غريبة جدا ، الموضوع ابتدى معايا مع الانتفاضة الاولى ، سنة 88 ، وقتها كنت لسه في ابتدائي و كنا في المدرسة بنتشحن يوميا ضد اسرائل ، كنت مشترك في أحد جرايد المدرسة و باكتب كلام ناري ، لدرجة ان الاستاذ المسؤول عن الجرنان كان دايما يهديني و يشطب على بعض الكلمات ، مانكرش اني ماكنتش فاهم نص الكلام اللي باكتبه ، كان بدري أوي ، بس عمر ما فيه مجموعة اتفقت على فكرة زيي أنا و مجموعة من الزملاء وقتها ، الفكرة طبعا تأييد فلسطين في الانتفاضة
بعدها بكام سنة ، في سنة 90 بدأت حرب الخليج ، أقصد غزو الكويت ، وقتها انا عرفت ال سي ان ان ، و عرفت يعني ايه تغطية مستمرة للحرب ، مع أول الضربات قلبي انخلع ، و في يوم الصاروخ وقع على بعد بتاع 2 كيلومتر من بيتنا ،بس حسيت انه وقع على بيتنا ، فيه حاجات كتير جدا اتغيرت في حياتي في الأيام دي ، و دي كانت اول تغيرات كبيرة أبقى مجبر عليها
الصدمة حصلت لما لقيت فيه تأييد فلسطيني للعراق ، ماكنتش فاهم الموضوع ، كنت عارف ان فيه أموال كتير بتروح من الكويت و السعودية لفلسطين في صورة تبرعات ، طبعا غير فلوس الفلسطينيين العاملين في الخليج ، بس الرد كان حاسم جدا ، الكويت بعد ما الجيش العراقي مشي طردت الفلسطينيين ، كمان السعودية قرفتهم في عيشتهم
لما رجعنا مصر لقيت الناس مؤيدة للغزو!! كمان لقيت صحابي و زملاتي اللي كانوا معنا في الرياض ، و اللي كان اهاليهم بيكلمونا بعد كل غارة عشان يطمنوا علينا ، لقيتهم حصلهم غسيل مخ ، و أعلنوا ان الضربات كانت كلها ولا حاجه ، و انهم كانوا يتمنوا صدام يدخل السعودية كمان
بالصدفة دول كانوا الناس اللي بيكتبوا معايا في الجرنان عن الانتفاضه من 3 سنين
وقتها كنت بقرا نجيب محفوظ ، و عرفت بطل الطريق اللي قعد يدور على أبوه و مالقاهوش ، و ابن فطومة اللي ماوصلش لحاجه في الآخر ، صدمني محفوظ لما حسيت انه عايز يقول انك مش هاتوصل لحاجه خالص ، هاتتفشخ و تلف و تدور و تناضل و تحارب و تكتب عن الانتفاضة و في الآخر ماهياش فارقه ، في الآخر مش هاتلاقي حاجه و مش هاتعرف توصل
رجعنا السعودية و انا كافر بحاجات كتير

MaLek يقول...

شوف
الدولة ثنائية القومية مش حتيجي من برا,ولا حتيجي بفرض حل دولي ما.
دائما القضايا اللي زي دي بيكون حلها من جوا,ممكن نضرب المثل المعروف دائما والمتكرر ابد الدهر وهو مثل جنوب افريقيا والنضال ضد العنصرية البيضاء من المحتلين.
واللي شارك فيها بيض ضد البيض(ممكن تلاقي مواقف شبيهه داخل اسرائيل,باختلاف الجديه طبعا).
بس خلينا نبقى واضحين,دائما النضال المسلح مش هو الحل,هو خطوة للحل,ممكن يكون بداية الطريق,بس دائما الحلول بتيجي بعد انتهاء العنف,وان الناس تفوق وتفهم اللي بيحصل حواليها.
ممكن نختلف في مدى جدوى العنف في مشكلة عنصرية عرقية,وتحديد مين اللي لازم يحصل ضده ويتحرض العنف ضده(ممكن نختلف حتى جوا الجيش الاسرائيلي هل اللي بيأدي خدمة عسكرية مؤقتة,او جندي دائم في الجيش,او حتى الجندي اللي طبقيا محتاج يخدم جو الجيش الخ) بالتالي انا ممكن اتفق على تخريب وعنف ممارس بلا شروط ضد منشئات عسكرية وسيادية,وممكن نختلف في العنف ضد الافراد.
الفكرة اللي بؤمن بيها,ان لو عدوك تجرد من انسانيته,مش لازم تتجرد منها كمان,ويبقى تبريرك,اشمعنى دمي ودمه لا,وابني وابنه لا.
فكرة الدولة ثنائية القومية هي من وجهة نظري هي الحل الوحيد الممكن,والمفهوم,الحل دا لازم يجي من جوا,من الاسرائيلين من عرب الداخل,من الفلسطينيين.