12.03.2008

محمد عبد الحكم الجراحي

شوف الزهور، واتعلم !:
يقف ركاب قطار الأنفاق المتجه إلى المنيب متكدسين أمام الأبواب من الزحام، وعندما تأتى المحطة يفسحون مكاناً للخارجين والداخلين فى اللحظة الأخيرة، عندما انفتحت الأبواب فى محطة "الدقي"، انطلق الناس فى هرج ما بين داخل وخارج قبل أن تنغلق.
صعد شاب طويل البنية مشدود القامة، يمسك بكتبه تحت إبطه، بدت رأسه وكأنها تعلو فوق الجميع، يرى قمم روؤس الركاب ويضحك فى ذهنه لصورة مرت بخياله، فجأة ارتفعت أمامه فتاة طويلة القامة نهضت من كرسيها من بين الركاب إستعداداً للنزول فى المحطة القادمة، اصطدمت نظراتهما، ضيقا عينهما للحظة تذكراً، ثم ابتسما وقالت الفتاة:
- إزيك ؟
- كويس الحمد لله، وأنتِ إزيك ؟
- أهوه ماشى الحال..

لم يلاحظا أن بينهما عدداً من الواقفين رفعوا روؤسهم المنكسة، وتطلعوا إليهما فى دهشة، ويطالعون حوارهما فى اهتمام شديد..
- لسه فى آداب ؟
- حولت رياض أطفال، وأنتَ ؟
- زى ما أنا..
عدلت الفتاة من وقفتها وضمت كتبها التى تحملها إلى صدرها علامة أن الحوار بينهما قد انتهى.. لكنَ الأبصار المرفوعة مازالت تنتقل بينهما وتبتسم وتمصمص الشفاه.

*
متعجلاً ركبت الميكروباص متجهاً إلى الجامعة لألحق بمحاضرتى الأولى، كنت واقفاً أمام شاب ممتلئ الجسد يرتدى قميصاً خفيفاً، وبجانبه سيدة وقورة ذات ملامح هادئة فى الأربعينيات من عمرها، بعد أن دققت النظر فيهما مدة خمس دقائق أو تزيد أدركت أن الشاب هو صلاح جاهين والسيدة هى سعاد حسنى نفسيهما، اكتفيت بمراقبتهما مختلساً النظرات بين اللحظة والأخرى، كانت تشير له بسبابتها من وراء الزجاج ناحية حديقة الأورمان حيث صورت بضعة مشاهد فى إحدى أفلامها، أشار لها... لكنه قبل أن يتم كلمته الأولى، انطلقت أغنية "بانو بانو" بصوتِ زاعق كريه مع توزيع شعبي جديد لها من مُسجل الميكروباص.. "يا عم بانو.. بأقولك بانو".. نظرا إلى بعضهما مندهشين، ثم جال بعينيه غير مُصدق، توقف الميكروباص فى الإشارة، بعد لحظة أو اثنتين أعاد النظر إلى سعاد ورفع بصره إلىَّ متساءلاً، ابتسمت ابتسامة عريضة تدل على الإعتياد وقلة الحيلة، فبادلوني الابتسامة بأخرى خفيفة تقول "لا عليك"، فُتحت الإشارة، اجتزت الأجساد الواقفة بجانبى فى الطرقة وتقدمت ناحية الباب مدركاً محطتى منبهاً السائق "أيوه يا ريس.. الجامعة معاك".. وهبطت لا ألوى على شئ..

*
"مسـاجـين الجـامـعة وكلـيـات
وبيوت مقفولة على المساجين
طب مين حيـروح القلعة ومين
راح يكتب إسمه على الجدران
عيطى يا بهية على الجايّــين"
محمود عزت – عقد خرز مصرى
*
لمن تدق الأجراس ؟:
كنا ندرس قصيدة بمحاضرة الشعر الإنجليزي عنوانها "لمن تدق الأجراس؟"، نحاول الانتباه قدر إمكاننا بما أن الامتحانات قد أصبحت على الأبواب، ونحاول اصطناع اللامبالاة، اللامبالاة بأصوات تشكيلات جنود الأمن المركزي التى تقف مباشرةَ وراء أسوار الجامعة، لمن تدق الأجراس ؟، الجند يتأهب عند الأمر، لمن تدق الأجراس؟، لا نكاد نسمع هتافاً ، لمن تدق الأجراس ؟، دقت ساعة الجامعة، اقتحم العسكر الحرم الجامعي وكسروا بوابات كانت مفتوحة على مصراعيها، كنا نحاول الإنغماس فيما ندرسه، لكننا جميعاً كنا نرتجف ونرتعش من الخوف والقلق ونحن نتساءل لمن كانت تدق الأجراس حقاً ؟ لمن ؟..
*
..لكنَ الأمن لا يحاصر الجامعة، وإنما يحاصر حديقة الأورمان، يحاصر النخل الشامخ مُنكساً رقبته إذلالاً، الأشجار ذات الأغصان العارية من الأوراق المتشابكة ببعضها تضامناً، العصافير الصارخة من جوع وقرص الشتاء، الأزهار التى تذبل، والأرض التى تموت، يقطعون الماء عن الحديقة ويرشونه على المتظاهرين لتفريقهم... والحديقة المهجورة تصرخ عطشاً.
*
الحكاية أنهم مسحوا أسماء الطلاب الشهداء من فوق النُصب التذكاري.. ثمَ لا شئ.. لا أحد يلاحظ أن أسد وفلاحة تمثال نهضة مصر يصغران يوماً بعد يوم، حتى صار الأسد فى هيئة قطيطة والفلاحة الشابة فى هيئة فتاة صغيرة لم تبلغ الخامسة وقد تهلهل ثوبها الحجري الطويل حول قاعدة التمثال.. ولم يلاحظ أحد أن ساعة الجامعة تغوص فى الأرض وتهبط..

هناك تعليقان (2):

محمد المصري يقول...

لا أحد يلاحظ أن أسد وفلاحة تمثال نهضة مصر يصغران يوماً بعد يوم

يخرب بيت الجمال !!

بوست بيوجع ، بس فيه كام فكرة وكام جملة .. بديعة

مش عارف ليه فكرني بأمين وهو بيقول "الماضي محمّل للناس ذنبه ، والحاضر غايب ، والمستقبل سايب"

الله يا حسين بجد

Camellia Hussein يقول...

ياوجع قلبي يــــاني