12.18.2008

ريبرتوار: ..ونحنُ بخير

"شرم برم حالى تعبان !؟
شرم برم حالى غلبان !؟"
عبد الله النديم – بتصرف شديد
*
هو أول واحد بيصحى فى حارتنا قبل كل الناس، بقميص وجينز باهتانين من كتر الغسيل، يخرج ما بين أكوام الصفايح والأعشاش والطوب الأحمر والأسمنت العريانين، ساعة الفجر يقف على القمة ويتأمل منظر أبراج المدينة النايمة، أبراج أوراسكم، مبنى وزارة الخارجية، فندق شيراتون رمسيس، فندق الفور سيزون، برج القاهرة، فندق سوفى تل، متجمعين فى صورة عينيه، يغمضها على المشهد للحظة كأنه بيحلم، بعدها ينزل على الطريق المايل النازل لحواف المدينة ودق خطوات كعابه الحافية زى دقات المنبه قبل معاد الصحيان.
*
عبدُ اللهِ هنا...
أترى هذا المواطن المصرى، ذاك الذى يرتدى قميص أبيض اللون فوقها بذلة قديمة، فى صباح هادئ مبتسم والساعة لم تتجاوز الثانية عشر يعبر ميدان "لاظ أوغلى" إلى المبنى الرهيب، لا يذكر من دروس التاريخ إلا درساً واحداً، "الدوام لله من قبل ومن بعد"، له خبث الكسالى ومكر الثعالب وخفة النُمُوس، يمر من البوابة المهيبة والعساكر وأمناء الشرطة فقط بترك اسمه، الكل يراه ولا يراه، فلا أحد يعيره أى اهتمام، يمشى منتصب القامة، رافع الرأس، عزيز النفس وإن كان لا يبدو عليه أى خيلاء، فى البهو الفخم والردهة المؤدية لمكتب الوزير، يقتحم مكتبه دون أن يلقى السلام، وأمام عينيى الوزير المذهولتين يضع يديه فى جيب بذلته ويخرج بطاقة رقمه القومى ببطء كأنه يخرج مسدساً ثقيلاً ثم يتركها على مكتبه وينتصب مرة أخرى مبتسماً فى سخرية هازئة ويمضى إلى حال سبيله.
*
بداية أبدية...
فى البدء كانت فوطة، فوق طرحة سودة ملفوفة على وش زى فلقة القمر لولا تجاعيده، فوقيها حلة محشى ورق عنب تستاهل فمك، فوقيها ملفات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء من لحظة إنشاءه، فوقيهم الهرم الأكبر، على سن الهرم برج القاهرة واقف ، فوق طرف البرج قفة مرصوص فيها -فضلة خيرك- رقاق، فوقيها كذا وكذا وكذا وكيت وكيت وكيت وشلتة فطاير على لفة حواديت.. حتى لما تتحرك الكل فوق بعضه يتمايل لكن عمره ما وقع منها... وأرجع وأقول فى البدء كانت فوطة، على طرحة سودة بتلف وش زى فلقة القمر لولا تجاعيده...
*
أدخل غرفتى عند النوم ولا أضيئ الأنوار، أنزع عنى ثيابي ببطء، أقف عند درج الشرائط وأنتقى شريطاً وأضعه فى الكاسيت، يخرج صوت جمال عبد الناصر حزيناً كسيراً فى خطاب التنحي، "لقد اتخذت قراراً أريدكم جميعاً أن تساعدونى عليه.. لقد قررت أن أتنحى رسمياً ونهائياً عن أى..."، أجلس على طرف السرير مستمعاً منكساً رأسى، لا أجد أدنى رغبة فى البكاء، أريح جسدي على السرير نائماً على جانبي الأيمن فى وضعية الجنين ضاماً رأسى إلى صدري وفخذيّ إلى بطني، وأنام والشريط فى نهايته يدور صامتاً فى حلقاتٍ مفرغة.
*
وشوشة نص الليل...
"يتصاعد الهمس الجماعي"
بيشوش الأسلفت فى عز عز الليل
بيشوش الأسلفت فى عز عز الليل
بيشوش الأسلفت فى عز عز الليل
......................
هو الأديب الأدباتى.. صدى خطوه فى الحى المقطوع زى الجرس.. بيشد خيط الدم الممدود من وراه.. وكوفية سودة دافن فيها دقنه.. عمود النور راصد زى البومة مشيته ومبانى المدينة مياّلة من كل جانب على صدره.. طابقة على قلبه... والعالم من حواليه ساكن لكنه مش ميت.. لا ليله زى نهاره ولا إمبارحه زى بكراه.. ولا حتى بين الساعة والساعة ولا اللحظة والتانية... فى برك المجارى الطافحة بيشوف صورة تانية.. بدره فيها أوضح وأجمل ومدينته أبهى من العروسة فى ليلة الحنة وقامته وراسه مستقيمة فى العالى.. ومش بيجرجر خيوط دمه وراه على الأسلفت !!
......................
"ينخفض الهمس الجماعي"
بيشوش الأسلفت فى عز عز الليل
بيشوش الأسلفت فى عز عز الليل
بيشوش الأسلفت فى عز عز الليل

ليست هناك تعليقات: