12.21.2009

ثلاث نسخ رديئة من ذات الشئ... أو أربعتلاف دكتور غير التمرجية

كنت أعلم على وجه اليقين منذ صغري أني كنت قد عشت حياتي من قبل، في العاشرة كنت متأكد من أن حياتي محض حلم لرجل عجوز أوشك على الموت، وأني بدوري سأنام لأحلم بذاتي تبدأ من جديد قبل أن أموت.

اليوم أفكر في الأمر بشكل مختلف، حياتي الحالية -غير أنها نسخة رديئة من حياة أخرى مثالية في واقع مثالي كما أخبرنا أفلاطون- هي أيضاً تكرار ممل وردئ من ماض ربما كان أكثر أصالة، ربما كنت شاعراً جاهلياً مثلاً، أو قطة ملكية في أحد قصور أوروبا الوسيطة، ربما كنت أحد العمال الفرنسيين في كوميونة باريس، ربما كنت أحد ضحايا الطاعون الدبلي في عهد المماليك، هناك إحتمالات عديدة، لكن الأكيد أن حياتي ليست سوى ظل باهت، تكرار قولٍ أو إعادته.

وبغض النظر عن كون حياتي مسألة مكرورة، فإن أحداث حياتي ذاتها تتكرر بشكل أقرب إلى الفجاجة ودون أدنى شعور بوجوب الحياء في مثل تلك المواقف، كأن تتركني نفس الفتاة في ذات الموقف ثلاثة مرات يفصل بينهما أسابيع، وبتفاصيل تكاد تكون واحدة، أو أن أتقبل الأمر بنفس الطريقة التي تقبلته بها في مراته السابقة، كأن أذهب إلى عملي يومياً لأمر بنفس الأشياء، أو أن أعبر أمام نفس الكواء الذي عبرت أمامه البارحة لأجده يعمل على ذات القميص.

هذا هو العطب، تفسر أفلام الخيال العلمي التناسخ بأنه "خلل في المصفوفة" غير أن الخلل الحالي في المصفوفة الخاصة بي ربما يكون قد أطاح بها على بعد آلاف السنين الضوئية، وقد تحتاج إلى أضعاف الوقت -وقد لا تحتاج إلى وقتٍ أصلاً- لكي تعود إلى مسارها.

12.15.2009

تزامن

في نفس الوقت تقريباً الذي كنت أفكر فيه بشأن ما ينبغي فعله، كانت آيلين برن تشق طريقها للمرة الأولى في باريس وسط عربات التاكسي أمام مطار أورلي للوصول إلى عربة معينة، أما في الوقت الذي أمسكت فيه يدك للمرة الأولى، كان كريم قنديل يقلب في ثلاجته بحثاً عن زجاجة بيرة تصحبه أثناء مشاهدة فيلم قديم لوودي آلان في شقته ببرلين.

في المرة التي جلسنا فيها على النيل نتحدث عن شكل العوامات -لم أكن مملاً حينها- كانت أروى الحضيف المقيمة بالرياض تنهي قراءة جينولوجيا الأخلاق لنيتشة، بعدها بأسابيع حين قلت على الهاتف للمرة الأولى أنني أحبك، كانت مي تتقلب في فراشها قلقاً بسبب كابوس سخيف.

في اللحظة التي تشاجرنا فيها للمرة الأولى كانت أمل تتدرب على آداء "ياللي تشكي من الهوى" لأم كلثوم وزكريا أحمد أمام المرآة في منزلها في صيدا، أما في تلك التي تصالحنا فيها كانت ميّس -من القدس- تعد الشواء والأرجيلة.

في نفس اللحظة التي فكرت فيها أن ليس باستطاعتنا المضي أكثر من ذلك، كانت فتاتي الصغيرة على الناحية الأخرى من المدينة تفكر في الشئ ذاته.

وهكذا تنتهي الأشياء عادة

9.27.2009

صفحة من اليوميات: الميتين

قفشت نفسي نايم وأنا ماشي في الشارع، النوم حَبَك معاه يزورني بعد خمس أيام من الأرق، كنت همدان، صايم وما تسحرتش، الشمس فوقي سطيحة، بسّ الجو كان مهوي والنسمة مصحصحة، كمان الشارع كان رايق من العربيات والناس، راسي مالت شمال ولورا كأني مغمى عليّ، وصلت للمستشفى وسألت عليه، طلعوني الدور الخامس، لما دخلت له لاقيته بيغير هدومه، لابس قميص سمنى وبنطلون رمادي وعليهم بدلة صوف من نفس لون البنطلون، أخدني من إيدي من غير ما يسلّم عليَّ.
اتمشينا في الطرقة، أول حاجة قالها لي، "معاك سيجارة ؟"، طلعت علبة وناولته واحدة، جيت أطلع معاها الولاعة، ردّ إيدي، فضل يقلبها بين صوابعه، قلت له "عامل إيه ؟"، اتنهد وقال لي "جعان"، كنت عارف إنه كل مرة ينزل هنا لازم يحس بالجوع، سألته "عامل إيه غير إنك جعان ؟"، سكت شوية وسألني هو "أمك عاملة إيه؟"، قلت له "كويسة"، "إبقى سلم لي عليها"، كان بيسحب رجليه على الأرض، وكل ما يتك على رجله الشمال، يبان على وشه الوجع، حاولت أمسك دراعه عشان أسنده، بس هو فلّتها من إيدي، واصاني أقول لتيتي تعمله أكل، هزيت راسي وقلت "حاضر"، وقف في مكانه ساكت شوية، كانت الطرقة لسه ما خلصتش والنور من العنابر خارج يعاكس في بعضه على الأرض المتلمعة، والممرضات واقفين متبسمين عند نهاية الطرقة بيتفرجوا عليه وهو بيحبي برجلين زي العيّال لما بيتعلموا المشي، لف على رجله اليمين براحه واتسند على كتفي.
وإحنا راجعين خرج دكتور صغير السن من أوضة مضلمة، ماسك في إيده ملفات، سأله "معاك ولاعة ؟"، الدكتور قفلّ حواجبه ورد "التدخين ممنوع هنا"، مفيش دقيقتين كان مجرجره في الكلام، عن نظام المستشفى والزيارات والبيات مع العيانين، لحد ما خدوا على بعض وضحّك معاه، حسيت بالغيظ منهم، وقاله في الآخر "تسمح تولع لي ؟"، فتش الدكتور في جيوبه عن ولاعة مالاقاش، جيت أطلع ولاعتي، رد إيدي، وشدني ومشي بيَّ لحد أوضته.
لما دخلت الأوضة دورت عيني فيها، لاقيت طواجن الأكل في مكانها متغلفة بالألمونيوم، الزر والخضار والكبدة، الصراحة أنا استغربت قوي، وقلت من دهشتي "الله!، ده الأكل زي ما هو اتلمسش!"، ضيق عينيه وزام، "ماليش نفس"، اتهمدت على الكرسي ساكت من غير ما أناقشه، حسيت إني مهدود ومحتاج أنام من كتر التفكير والتعب والمشاوير، قالي "لو عايز تنام .. السرير آهوه"، ما كسرتش كلمته، رفعت ملاية السرير وخشيت تحتها، كان واقف قدام المراية بيمسح دقنه ورقبته الممصوصة، فردت جسمي، صوت العصافير بره كان آخر حاجة وعيت عليها قبل ما أروح في النوم.
لما صحيت، كانت الدنيا مغرب، وقت الأدان بالظبط، أول حاجة اتبينتها إن باب الأوضة مفتوح وإنه ماكانش موجود هنا، أول ما قمت عدلت هدومي ودخلت الحمام شطفت وشي وخدت الطواجن معايا على مطعم المستشفى وقعدت أفطر، شلت الفويل عن الكبدة وغمستها بالفتافيت العيش اللي لاقيتها موجود على الترابيزة ودسيت وشي في قعر أكلي ساكت.
*
إيه يا سيد يا سويسى؟، رحت فين؟، لساك بتضحك زى عادتك فى أحلامى، كنت بقميص صيفى خفيف مقلّم ولا كان سادة؟، وشنطة قديمة مقلًمة أخضر فى أحمر مش ظاهرة فى صورة خيالاتي لكنها بتحكى عن كل تغريبة وسفرية وكوفيتك الشتوية وشرايط صوتك، الدقى بتحلف بضحكتك، وعزبة ولاد علاّم والعجوزة القديمة، الشمس اللي بتحبها لساها بتيجى لحد النهاردة حتى لو مش على طول، وتنوّر الدقى من تانى بألوانها الطبيعية المسروقة، يا أبو طارق.. يا للي عملتنى قيمة الضحك فى وش نعمة الدنيا.. بس قولي ليه بتختفي وتوه عني ؟.. أنا أنا نفس الولد اللي كان بيجي لك لسه بأجي لك..
افتكرت وفكرت وسرحت وأنا راكب رايح القطامية، زي اللى بأنتقل من ليل لليل، مش باين تحته غير عواميد وعربيات أسفلت الطريق اللى شق الصحرا والمقابر الخرسا، مديت نظري في الضلمة وغبت عشان أنسى خوفي من وحدتي.
*
عديت في الحارات الضيقة ما بين البلوكات اللى مجاري الصرف نحلت ضهورها ونشرت صنانتها، وضلّها القطراني طابق على ضلوع صدري، الناس اللى رايحة وجاية بتتستر في ضلمتها، كأنهم أشباح بتعدي ويّا الهوا في السرّ.
لما وصلت البيت لاقيت كل شبابيكه مفتّحة على آخرها، صقفت بإيدي وأنا داخل وقلت "ياللي هنا"، البيت كان فاضي من كل العفش إلا كنبة وحصيرة وقلة مية، والحيطان كانت على المحارة، جاوبني صدى الصقفة وشخشخة صدره بالكحه، خرج عليّ بيشد رجله التقيلة في الطرقة، كان بيتمم وسمعت كلمة واحدة، "خش"، لكني ما اتقدمتش ولا خطوة، لما وصل لي شدني من إيدي، وسألني "إيه اللى جابك هنا ؟.. اقعد اقعد"، قعدنا على الحصير متربعين، سند ضهره على رجل الكنبة، سحب من تحت مسند الكنبة علبة سجاير، طلع منها ورق بفرة وسيجارة وفصّ ملفوف بسلوفانة، قالي وهو بيلحس جنب السيجارة، "قوم إعمل شاي لروحك قبل الأدان وأنت راجع هات الشرموطة معاك".
لما خرجت شايل كوباية الشاي السخنة بالخرقة سمعت صوت البط والفراخ ماشي بيتدألج ورايا، سألته بصوت عالي "هو مين اللى بييجي يشوف الفراخ ؟" وما ردش، لما قعدت قال، "ستك أم طارق بتنزل كل يومين تشقر عليه"، بصيت من الأرض على الدنيا بره البلكونة الدنيا ما كانتش نهار ولا كانت ضلمة، غيوم شتا حبست الشمس عن شروقها في السماوات.
قطع سرحاني لما سألني فجأة "وإيه كمان ؟"، "إيه ؟"، وأنت عامل إيه في دراستك ؟"، عيني راحت في الأرض وقلت متضايق "بأسقط"، هزّ راسه هزة خفيفة وسكت من غير ولا كلمة، طبطب على فخدي وقال "قوم بص على تعريشة العنب اللى هناك ديّه"، لما قمت لها افتكرتها، نفس التعريشة بنفس التفاصيل، بس ورقها كان دبلان وناشف، هاش في إيدي، قالي من مطرحه بثقة متناهية "كلها شهر وتلاقي عنبها طرح"، كنت مستغرب إزاي بس صدقت كلمته، لما رجعت له قام اتسند على إيدي، "أنا داخل أنام"، واتاوب ببق مفتوح، "لأه... قول ليحيي إني عايزه حالاً"،"حاضر، تصبح على خير".
ضهره المحني وهو راجع على أوضته ثبتني مكاني، اتخضيت من نفسي لما لاقيت روحي رايحة معاه، وإن مفيش حاجة من التاريخ عليها، وإن إسمي وأصلي وفصلي اتسمح في لحظة واحدة، قفلت محبس المية، وهيشت أصوات الفراخ والبط على العشة، شديت أكباس الكهربا، وقفلت باب البيت بالمفتاح، ورحت الدقي عشان ألحقه هناك.

8.20.2009

أفلامي المفضلة

يمكن من مرحلة الإعدادية بدأت أحب الأفلام وتأثيرها فيَّ
القائمة دي فيها أفلامى المفضلة اللى سابت فيَّ أثر على المدى الطويل
والقائمة مرتبة زمنياً من الأقدم للأحدث
ملحوظة : أنا عارف إن القائمة دي طويلة

ولذلك فأنا لسه ما حددتش أفضل عشر أفلام فيهم
لحد دلوقت فيه أفلام أنا ما شفتهاش من فترة طويلة تعدي الخمس سنين
وجودها في القائمة بناءً على انطباعاتي القديمة عنها
وهي قابلة للتغير على الدوام
*
1- Brave Heart
2- Conspiracy theory
3- Forrest Gump
4- The green mile
5- You have got mail
6- Jerry Maguire
7- As good as it gets
8- Dead poets society
9- Seven
10- Snatch
11- The thin red line
12- A beautiful mind
13- Erin Brockovich
14- Fight club
15- Moulin rouge
16- The Matrix
17- Ali
18- O Brother, Where Art Thou
19- Almost famous
20- Good will hunting
21- Le Fabuleux Destin d'Amélie Poulain
22- Pride and prejudice
23- Memento
24- Next stop wonderland
25- Dreams
26- Hotel Rwanda
27- Phone booth
28- Cold mountain
29- Punch drunk love
30- Stranger than fiction
31- Across the Universe
32- Dirty pretty things
33- Beyond the sea
34- Once
35- Pan’s labyrinth
36- Frida
37- Eternal sunshine of spotless mind
38- PARIS, JE T’AIME
39- 8 mile
40- Cradle will rock
41- Conversations with other women
42- Cinderella man
43- In the mood for love
44- 4 months, 3 weeks, and 2 days
45- The savages
46- Manhattan
47- Before sunrise
48- Before sunset
49- Broadcast news


*Almost Famous is considered as a "turning point"

خدادية النوم السلطاني

النوم يا ملاكي النوم.. سلطانك.. عزيز عينك
لما تتاوبي في وسط قعدتنا، لما الدنيا تغيم وتروق في عينيكي، لما راسك تتقل وتخف
ما هواش تعذيب، جحيم الفوقان والصحيان، جمر الأسماء، التفاصيل، الوشوش بيلسع
النسيان، التدليك، المشط يحلّ شعورك وخيالاتك المعقودة، قميص نوم يرّق عليكي ويشف ويطير، تفردي بدنك على ضهر الهوا وتغيبي في أحضانه، وتضمي شفايفك السُمر زي الرضعان وتبوسي فُم الناي، عدى الهوا في الناي خلاه يصفر صفير خفيف
ليالي نومك بساتين، أزبكية نص الليل، نور ضعيف، سهارة لأجل نومة متونسة سرحانة في الأحلام
قولي مفيش أحلى من الناي، لما تريحي راسك على المخدات، وعينيكي تروح في النوم شوية بشوية، وأنتي بتسمعي جوقة من الملايكة بتغني لك "طفْ يا درّي" على همسه السارح اللامتنهي

7.28.2009

النوم تحت العتب

- وما يخلصش الوقف وراه-

... بأستريح أكتر لما أنزل قدام العتبة وأخبط وأستنى قدام الباب، النور لما يتسّحب ويخرج، الصوت اللى بره لما يقلّ وينيّم، خبطة واحدة، خبطتين، الصوت اللى من جوه عالى بسّ مكتوم، ممكن بيسأل "مين ؟"، يمكن بيقول "إدخل"، يمكن بيصرخ "إمشى"، يمكن مش سامع أو مش عايز يسمع الخبط على بابه، سرسوب النور من عقب الباب لما بيرّعش البدن وأنت محجوز وراه. كل اللى سافروا وغابوا ورجعوا ووقفوا ما كانش فيه حد فيهم زيي، يقدروا يفتكروا ساعة ما الحبايب أخدوهم بالأحضان، وساعة ما سابوا دموعم في قصمانهم، وواحد اتفأجوا بوجوده، أو إن كل حاجة فضلت في مكانها زي ما سابوها، فى نفس المطرح تمام، صور كتيرة في الخيال مزحومة بتفاصيل أكتر، فيها شماعة وفوطة وحنفية ميّة وأكل على السفرة، وأنا كل بأفكر فيه عتب مقفول أو مفتوح، وراه اللي وراه ..
حصل إنى شلت بلاط البيت الأصفر وحجر العتبة الأبيض وعبّيته في الشنطة ومشيت، كل اللي ضاع في مسافة سكة ما غبت ما كانش مهم، أو ماكناش مهم قد اللحظادي، -مع إنى رضيت "قبل" ورضيت باللى عرفته عن "بعد"، يمكن الرضا كان هو الأجدر لى بالكلام عنه-، من أول الشارع بأهدى في مشيتي وأتأمل أفعال الوقت وألعابه في غيابي، في الأسلفت، في البيوت، في البلكونات، مين علي، مين وطي، مين قبّ ومين غار، وأخبّط على باب فوقانى من باب الإحترام والأدب، أوطى راسى من باب الخضوع والإعتراف، وأنزل سلمتين في الضلمة كأني بأنزل ميت سلمة، أخد نفس عالى أخير متشبع بريحة التراب الناعم والنور الدافى، وأمسح رجلي في العتبة وأدق على شقة فاضية مهجورة وما استناش حد يفتح لى

*الصورة من كوم الدكة للفنان أسامة مهران

7.01.2009

ياسين

قال الراوي:
.. سار ياسين -يا سادة- طوال الحارة الضيقة التي تتوسط ضفة المصرف الزراعي الداكن وشريط السكة الحديدية اللامع، منتصباً كشمس الظهرية التي يسير تحتها، بهيّة الخائفة تنادي في الريح "يا بن عمى، يا بن عمي"، لكن هناك مزماراً يصم آذانه عن كل شئ، صرخت بهيّة "يا بن عمااااااااااااااااي". ليس هناك من يحتمل هذا القيظ، الشمس مثبتة عمودياً فوق الأرض تلفح وجهه بلهيبٍ حارق، صورة البلدة الشوهاء المنعكسة فوق سطح الترعة الغائم تبدو أجمل مائة مرة، والمزامير النائحة تهيج الدموع في عينيّ ياسين.
..
قالت بهيّة أنه لم يعد يسعى وراء حبّها، لكنهم حذروه قائلين "لا تتعتع من مكانك"، وخلخال بهيّة الأحلام لا يزال ماثلاً أمام عينيه، يرن بجرسٍ يثير حواسه جميعها، تناديه أصداؤه ضد العيون والفوهات الراصدة، وتتردد في رأسه الصلب أطياف بهيّة أخرى. وفي المسافة بين فسحة الدار وبابها وقف وأخذ نفساً عميقاً، الظلّة والنور، السكون والحركة، الحلم والتهور، الموت والنجاة، لم يتردد كثيراً، أخرج الزفير حارقاً من صدره وخرج مخلفاً وراءه داره وبهيّة والبلدة كلها.
..
كان يسير بلا هدى، ووجهته قدماه ناحية المحطة القديمة، هناك عند مبنى المحطة القديم وتبة تعلوها شجرة توت عجوز وحيدة، طويلة البال، رائقة المزاج، تنثر أزهارها عبيراً بلا بخل كلما هز صفير الرياح أغصانها، لطالما أسمعه حفيفها في الليل قصائد تتلوها الشجرة همساً، حتى جاءه ملثم صاحب عيون صقرية مكحلة، ترزح فوقها عمامة كبيرة، وتجاورها عصفورتان موشومتان فوق صدغيه، كسر نايّه الحزين فوق ركبته، واختطفه إلى الدار. لحظتها رأي ياسين وهو مساق البلدة من أعلى التبّة تقع وتغرق في فيضان نيلي عظيم، والقمر يغادرها بلا رجعة، والنجوم لا تخالط سماءها مرة أخرى، والغيلان تتقافز في أراضيها، سالت دمعاته في قنواتها صابرة صامتة.
..
عندما عوى كل شئ في أذنه فجأة، رصاص البنادق، نواح المزامير، نداء بهيّة، "يا بن عماااااااااااااااااي"، دق صدرها، نحيب المواويل، لم يتردد بتاتاً هذه المرة وتهاوى الجلباب الفارع النحيل فوق السكة وحيداً كالشمس المستقرة في كبد السماء فوقه.
..
رشف الراوي رشفة هادئة من شايّه، وختم قائلاً:
وقال الرب "من الآن، لا تسكتوا صوت المزامير العالي في آذان البلدة".

6.03.2009

القائمة الثانية وبدايات جديدة

القائمة الأولى هنا

ما قرأته من روايات ومجموعات قصصية عربية بدايةّ من 17 نوفمبر 2008 :

1. بيت للعابرين – سعيد الكفراوى
2. يا قلب مين يشتريك – سعيد الكفراوى
3. أم الشعور – حسام فخر
4. اللجنة – صنع الله ابراهيم
5. القاهرة – علاء الديب
6. زهر الليمون – علاء الديب
7. أيام وردية – علاء الديب
8. أطفال بلا دموع – علاء الديب
9. قمر على المستنقع – علاء الديب
10. عيون البنفسج – علاء الديب
11. أسوار – محمد البساطي
12. أحلام رجال قصار العمر – محمد البساطي
13. جوع – محمد البساطي
14. منحنى النهر – محمد البساطي
15. ساعة مغرب – محمد البساطي
16. الهؤلاء – مجيد طوبيا
17. عذراء الغروب – مجيد طوبيا
18. دوائر عدم الإمكان – مجيد طوبيا
19. المواطن ويصا عبد النور – حسين عبد العليم
20. الرجل المناسب – فتحي غانم
21. بعض الظن إثم، بعض الظن حلال – فتحي غانم
22. من التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ – محمد مستجاب
23. مستجاب الفاضل – محمد مستجاب
24. هذا ليس كتاب البأف – محمد مستجاب
25. كلب آل مستجاب – محمد مستجاب
26. وفاة عامل مطبعة – سليمان فياض
27. أصوات – سليمان فياض
28. الذئبة – سليمان فياض
29. ذات العيون العسلية – سليمان فياض
30. وراق الحب – خليل صويلح
31. وقائع عام الفيل – عبد الفتاح الجمل
32. ما رواه النوم – هلال شومان
33. قانون الوراثة – ياسر عبد اللطيف
34. المسألة الهمجية – جميل عطية إبراهيم
35. عن الروح التي سرقت تدريجياً – سلوى بكر
36. عجين الفلاحة – سلوى بكر
37. إيقاعات متعاكسة – سلوى بكر
38. أرانب – سلوى بكر
39. قداس الشيخ رضوان – خيري شلبي
40. الدساس – خيري شلبي
41. لإيلاف داوود – خالد عبد القادر
42. بالتفصيل – أميرة النشوقاتي
43. وقوف متكرر – محمد صلاح العزب
44. الصياد واليمام – إبراهيم عبد المجيد
45. عتبات البهجة – إبراهيم عبد المجيد
46. البلدة الأخرى – إبراهيم عبد المجيد
47. طعم القرنفل – جار النبي الحلو
48. طائر فضي – جار النبي الحلو
49. الموت يضحك – محمد المخزنجي
50. عائد إلى حيفا – غسان كنفاني
51. أم سعد – غسان كنفاني
52. أرض البرتقال الحزين – غسان كنفانى
53. الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل – إميل حبيبي
54. سداسية الأيام الستة وقصص أخرى – إميل حبيبي
55. إخطيّة – إميل حبيبي
56. رالف رزق الله في المرآه – ربيع جابر
57. الرعد – زكريا تامر
58. سنضحك – زكريا تامر
59. أصداء السيرة الذاتية – نجيب محفوظ
60. بداية ونهاية – نجيب محفوظ

ما قرأته من دواوين شعرية خلال عامي 2008 - 2009 :
1. وش يشبه حزننا – مجدى نجيب
2. الولد الشايب – عمرو حسنى
3. عالم تانى – عمرو حسنى
4. فى الوقت الضايع – عمرو حسنى
5. أسباب وجيهة للفرح – عمر مصطفى
6. ديكورات بسيطة – أحمد الفخرانى
7. شغل كايرو – محمود عزت
8. سيرة الأراجوز – خالد عبد القادر
9. حلاوة الروح – أمين حداد
10. بدل فاقد – أمين حداد
11. كلمة سلام – صلاح جاهين
12. ضل الشوارع – رجب الصاوي
13. يمام قلقان – رجب الصاوي
14. العشش القديمة – محمد كشيك
15. تقاسيم – محمد كشيك

قائمة بالروايات والمجوعات القصصية الأجنبية والمترجمة التى قرأتها خلال عامي 2008 - 2009 :
1- مزرعة الحيوانات – جورج أورويل
2- حفلة القنبلة – جراهام جرين
3- أورونكو – آفرا بن
4- السراية الخضراء - ماشادو ده أسيس
5- منزل الموت الأكيد – آلبير قصيري
6- اليوم المرتجى لسمك الموز - سالنجر

5.16.2009

زنّ

-وإقروا الفاتحة للشيخ زكريا أحمد وجدي سيد السويسي-


أول ما نزلت محطة مصر، قلبوا يابا الصبح الواضح ليل غميق، ليلة مقطوعة ومحطة مقطوعة، وأنا مقطوع بيَّ، ملطوع أسبوع في مكاني، جنبي شنط السفر، وتعدي حواليَّ كل أصناف خلق الله، بهوات موظفين، صيّع شيالين، عواجيز أنتيكات، عيّال شياطين، وأنا في مطرحي يابا، في وسط المحطة، ثابت متثبت، عيني تايهة، وفي ودني صفارة القطر، كما ريح صفرا، أو ناي إسود، يخبّط فيَّ الرايح والجاي، وما عليهش إلا كلمة "آسف" و"لا مؤاخذة" و"ما تحاسب" و"يا أعمى"، ولسه واقف زي نسيت حاجة وبأحاول أفتكرها بلا فايدة، زعيق زعيق زعيق، زحام زحام زحام، قلبي هيخلص مني يا ناس !!، بأدوخ وهأقع !!، وألاقيهم يابا قلبوا العصر الحيران ليل كحلي، وكل القطورات رجعت صندوق الخزين والبيات، وولعوا كل كهاربهم في عيني، زي ألف شمس دشدشوا دماغي روسيات ونبابيت ، ومحطة بقت فاضية إلا من صوت الجنّ والعفاريت، ملطوع مقطوع بيَّ، زي لمبة من دولم متعلق بسلك رفيع منحول، حسست بودني ومشيتها علي الحيطة، جسيت صوت زنّ ورنّ، وكعب جزمة بيزيّق، ودبدبة حيّاني، نغم قديم، نَفَس راسي، أتاريه يابا صوت عودك بيتسحب من السما عايز يونسني.

4.19.2009

قليل من قسوة الأخ الأكبر

كنت نائماً عندما اقتحم غرفتي ومعه إمرأته، قمت فزعاً لكنني شعرت بخدر في ساقيَّ فلم أستطع تحريكهما بتاتاً، أضاءت المرأة المصباح، فرأيتهما يقفان ويبستمان بتشفٍ أصفر اللون، سألته خائفاً "أتريد شيئاً ؟"، فلم يرد، ثم صار يتجول في منتصف الغرفة وهو يتأمل محتوياتها بإمعان شديد، فتح خزانة ملابسي، ثم أخرج كومة منها، وصار يلقي قطعة وراء قطعة خلف ظهره ويقول في ملل "ملابسي.. ملابسي.. ملابسي"، والمرأة خلفه تلتقط قطع الملابس وتضعها في كيس كبير، ثم أخرج قنينة عطر غالية من قلب الخزانة، وأمسى يلعب بها كالكرة حتى سقطت عفواً – أو قصداً – من يده، فقال بصوتٍ آسفٍ زائف "آخ.. متأسف"، ثم عاد يقول "ولما التأسف ؟، هذا عطري"، ضحكت المرأة ساخرة، فسألها "حبيبتي، أتحبي أن تري المزيد ؟"، هزّت رأسها مؤكدة الأمر وهي لا زالت تضحك، سحب موسوعة ضخمة من مكتبتي المجاورة للخزانة، وألقاه على الأرض، وداس فوقها حتى ارتفع قليلاً إلى أعلى، وسحب مجموعة كبيرة من الكتب، وظل يلقي بواحدة تلو الأخرى وهو يقول "هذا كتابي.. وهذا.. وكذلك هذا.. وأيضاً هذا.."، حاولت النهوض مرة أخرى لأرده عن فعله، لكن الخدر الذي أصابني في الساقين جعلني لا أشعر بهما، فخفت أن أفشل في القيام وأسقط على الأرضية أمامه، حتى أخرج بيده اليمنى مدية صغيرة من جيبه الخلفي وطعن بها قلب كتاباً كان يمسكه باليسرى، ثم رفع المدية المغروسة بالكتاب إلى أعلى وظل يتأمل منظرهما للحظة، صرخت "ماذا تريد ؟"، فقال ببرود دون أن يحرك رأسه أو عينه بعيداً عن المدية والكتاب "أريد أشيائي"، وترك المدية تسقط بالكتاب على الأرض، ثم أخرج ألبوم يحمل الصور التي جمعتنا سوياً، وجلس على مقعد في ركن الغرفة المقابل البعيد، وفتح الألبوم وصار يقلب في صفحاته بتمهل، وقال "أنت تعلم يا أخي أنني أحبك، لكنني أريد فراقك، أريدك أن تفارق قلبي، تدعني وشأني"، فقلت له في تعجب "لكنني لم أرك منذ زمنِ بعيد ؟ فكيف أدعك وشأنك وأنا لا مصلحة لي فيكَ ؟"، لم يجب على سؤالي، وأخرج صورة ورفعها إلى مستوى عينيه وظل يتأملها بضعة دقائق حتى تململت المرأة في مكانها، فمزق الصورة إلى نصفين ودسّ النصف الأول في جيب بذلته سريعاً كمن يسرق شيئاً وألقى إليّ بالنصف الآخر لكنه لم يصلني وتدحرج على أرض الغرفة، ونهض إلى الكتب المبعثرة وانتزع مديته من قلب الكتاب، ووقف أمامي مشيراً بالمدية إلى عنقي وقال "أنزع ملابسك"، فتحت فمي لأعترض، فأدار المدية في يده ولمع نصلها الحاد القاطع في عينيَّ، نزعت الجزء الأعلى من الملابس صامتاً، قال "الباقي"، نظرت إلى إمرأته الواقفة عند باب الغرفة نظرة رجاء وقلت في مذلّة "لا أستطيع"، فهوى بلطمة قويّة فوق وجهى، فهويت فوق السرير مغشياً عليَّ.
عندما استيقظت مرة أخرى، كنت أشعر بالصقيع يجثم فوق جسدي ويقرض أطرافي، قمت بنصفي الأعلى ووجدت نفسي عارياً تماماً من كل الملابس والأغطية التي كنت تحتها، حتى الشراشف التي كنت نائم فوقها لم أجدها، تأملت الغرفة في ضوء الفجر الخافت، فلم أجد شيئاً يذكر لم يأخذه معه، الكتب، الملابس، العطور، وحتى السجادة التي كانت تتوسط الغرفة، الغرفة مجردة من كل كل شئ، أحسست بجانب وجهي ساخناً، أثر اللطمة الأحمر فوق وجهي أثبت أنه لم يكن كابوساً قط، شعرت بالبرد قارصاً، فأحطت ذراعي حول صدري العاري طالباً الدفء، حاولت النهوض لأبحث عن قطعة تسترني وتدفئني، فاختل توازني وسقطت من فوق السرير، لم يزل الخدر يشلّ أعضائي السفلى، أحسست نصفي الأسفل كحجر ثقيل بارد، صرت أضحك وأقهقه على أرضية الغرفة حتى ألمتني معدتي، ولم أعرف إن كانت ألمتني من الضحك أم من برودة الأرضية !!

4.06.2009

ليلة أنس


جه الجرسون وطلبت هي قهوة زيادة لينا الاتنين، ما كانتش مستغربة جو المكان قد ما أنا مستغربه بحكمة "آدينا بنجرب"، فيه واحد في الترابيزة البعيدة رفع كاسه للهوا وزعق "تحيا الجزاير حرّة عربية" بس ما كانش باين عليه السكر، بصّت له شوية ورجعت تقول:
- بس يا سيدي
- بس إيه ؟!
- ولا حاجة
- ولا حاجة إيه ؟
- ما قلت لك إني سبت الشغل
- وبعدين ؟
- ولا قبلين
بالعافية خرجنا بعض من السرير ونزلنا نتقابل عشان نقول بس وما بسش، الجو دافي، والإحساس بالوقت منعدم، الساعات المتعلقة ع الحيطان كلها واقفة، وساعاتنا إحنا كمان من ساعة ما داخلنا وقفت، حتى ساعات الموبايل، وكمان مفيش شبكة..
أنا بأكره القهوة، افتكرت إني بأكرهها لما جت وأخدت شفطة بصوت عالي، كانت سخنة نار واتدلدقت عليا وعلى الهدوم كلها، منظري كان يكسف الصراحة، لكن هي ضحكت بصوت واطي وما انكسفتش مني، وأنا ما انكسفتش منها، فما طلعتش منديل عشان أمسح اللي اتدلق.

جه الجرسون تاني وشال الفناجين ورمانا بنظرة باردة أغرب من المكان، وهو شكله وهيئته أغرب من نظراته والمكان، بصينا لبعض لحظة واتكسفنا نضحك عليه، قالت لي مش فاضل حاجة نتكلم عليها، فقلت لها مش لازم نتكلم أصلاً، أنا طبعي مش بأتكلم كتير لما بأبقى متونس، قلت في بالي طبيعي لو أنا انقسمت نصيّن في لحظة انبساط وقعدنا جنب بعضنا مش هيكون فيه هناك حاجة نلوم أو نختلف عليها وهنقعد ساكتين، سحبت منها سيجارة سلف، وسبتها تراقب بفصوص عينين بتلمع زي النجوم من الإعجاب القاعدين ورغيّهم وضحكهم والرقاصات الدايرين في ساحة الرقص الواسعة والفرقة الموسيقية وتنظيم المكان بشكل إن كل ترابيزة تبقى لوحدها منعزلة بشكل لطيف عن التانيين وعلاقة كل ده بجو النادي اللى في قلب الكهف في تلّ المقطم، أما أنا فردت ضهري على الكرسي وفضلت أتامل دخان السيجارة الطالع من أنفاسي وبأحاول ما أفكرش في صدرها الأبيض الناصع، قلت لها وأنا في مطرحي:
- طيب والعمل ؟
- مفيش هأقعد في البيت بتاع أسبوعين وبعدين هأدور على شغل جديد.
- بتكتبي ؟
قالت وعينها رايحة لبعيد
- يعني بس بأفكر..
سابتني فجأة وقامت والسيجارة في بقها، واتسحبت بشويش بين الرقاصات ودخلت وسطهم، وراحت فى الرقص معاهم والتصقيف بقوة، سابت بدنها للإيقاع والمزيكا، والرقاصات شدوا الشيلان وحاولوا يحزموها وهي غايبة فى الرقص، فضلوا يدوروا حواليها وهي تدور حواليهم بعينين مقفولة كأنها بتحس لذة مسكرة، نشوتها فاضت على المكان ونورت الكهارب اللى نورها واطي بنور أقوى كشف تفاصيل الكهف على حقيقته، حسيت لحظتها إني عايزها بكل ذرة في بدني، كل الموجودين اتدوروا بكراسيهم يتفرجوا بدهشة كبيرة على رقصها، وبان إنهم كلهم رجالة وستات جاهم نفس إحساسي الجامح من نظراتهم ليها، حاسة بالخفة والطيران وماكنتش بتتلخبط في خطواتها، ولما خلصت الأغنية كل الناس قامت تصقف لها وأنا معاهم، كان باين عليها الكسوف ووشها محمر، ولما انسحبت من وسطيهم فكت الشيلان من حوالين وسطها، وجت تقعد، كان نفسها مقطوع وبتنهج، لكنها مبتسمة ووشها بينور بالعرق على القورة، فضلت شوية على كده، والمكان رجع لطبيعته الهادية في أنواره وأصواته، قالت "يالا بينا"، قلت لها من غير ما أفكر "يالا"، سحبت شنطتها وقمنا نخرج والهوا الجامد الداخل للكهف خلانا نرتعش وإحنا خارجين منه.

3.17.2009

الخرس

- وليل نهار
وأنا في انتظار
ولو إنه شئ لا ينتظر -


الحروف كرهتني وهجرتني، وأنا كان عندي حبة كلام نفسي أقوله، كلام عن بنت قاعدة تكتب وتملا في كشاكيل وأجندات، ولما الورق يخلص منها تكمل على الحيطان والملايات وضهر السجاجيد. عن معرض سمير فؤاد، وراقصاته اللي بيحشتوا بحزنهم الفرح الرخيص بدق دفوف فيها حروف بتهمس في وداني بالسرّ "إدبح القطة.. إدبح القطة"، وصورة له بعرض الحيطة لبنات بياخدوا تصويرة فيهم شبه من إخوات جار النبي الحلو في قصصه، وطراطير وجعها مدهش وبلالين دهبية منفوخة سواد كريه يكبس على قلبي، ومعارض الأطفال المرحومين والحزانى حامد العويضي وإيهاب شاكر. عن أم البنين اللى بتعدي في ميدان رمسيس وهي رايحة وراجعة من الشغل تحت قباب كباري النهار والليل النهاردة زي من عشرين سنة فاتوا، أصلب من أحمس وتحتمس في الحيطان والتماثيل، أمى.. أم الجميع.. الصغير والكبير على حِجرها وفي حضنها، وكل الفرق ما بين أمى وأى ست تانية عاشت حياتها قدام التلفزيون، بتطبخ وتقمع البامية وتقرطف الملوخية وتقشر البطاطس قدام التلفزيون، بتصلى قدام التلفزيون، بتربى ولادها بمسلسلات التلفزيون قدام التلفزيون، إن أمى ما شافتش التلفزيون من قيمة سنين كتيرة ما تتعدش !!، عن رحلات بحثي عن بؤس سليمان فياض المحبط بين حكاياته وحسّ مجيد طوبيا الطيّب بين الصعايدة وعيون غسان كنفاني الممرورة بين الفلسطينيين وعشش محمد كشيك المدفونة بين العمارات. وعن شعراء عامية بيحلموا بهتاف وغنا أشعارهم في ساحات جامعة القاهرة، وفرق الجيش اللي كسرت النقط والأقسام وعساكر الأمن اللي هتكسر الشوارع والبتارين. ممكن أحكي عن أطياف الخيول اللي بيجروا على الحيطان كل ما أحوّل لقناة الجزيرة، أو.. أو عن حلم الشتا الدايم بالإعدام بالرصاص على الجليد في شمال سيبريا، وعن وعن... في نفسي كلام كتير الحقيقة ومش ممكن أقوله، وأنا ما كدبتش عليك لما قلت لك إن الحروف بتخوني، ويبقى من نفسي أتكلم.. حتى لو أتكلم بالفاضي ع الفاضي ... وبرضه الكلام ما يجيش، وأرجع أتهته وأحاول أتعلم تشكيل الحروف من جديد..

*اللوحة للفنان المبدع "سمير فؤاد"

2.12.2009

غُلب "أيـ...ام"

(1)
اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ *
(2)
فى بيتنا الفقير، كل شئ فيه بيشرّ عرق، أبقى قاعد فى الصالة بجلابية مفتوحة على اللحم وعيالي بالفانلات عرقانين من الحرّ، السقف المرفوع باتنين متر ونص عرقان، الحيطان بتعرق، المرايات بتعرق، الهدوم بتنطر عرق الغسيل فى الدواليب، البوتاجاز غرقان في عرق زيت القلي، في بيتنا الفقير، أبقى قاعد على الكنبة طول النهار ما بعملش حاجة غير إني أبص لمراتي ومراتي تبص لي وعرق الضحك والدموع مدّوب جلاليبنا.
(3)
سألت محمود عزت فى مرة :
فعلاً
هنقوم ناسيين ؟
هزّ راسه بالرد :
أكيد هنقوم ناسيين.
(4)
قهر :
كالعادة كنت أخرس وعينيَّ بره بتدور فى الناس حواليَّ، وقاعد فى آخر كنبة فى الأتوبيس، وشابّة واقفة قدامي بعيد فى الطرقة، ووشها بينازع الزحمة والحرّ والمطبات والزقّ، وشها بيصفرّ، فلان يقوم عشان ينزل، ويلزق فى جسمها مع إن الطرقه قدامه فاضية، ويرمي السلام وهو نازل وهو بيضحك بكامل حنكه، ووشها يصفرّ، تقعد وتبعد بودانها لأن فلانة كبيرة قاعدة جنبها تزعق وتشخط وتخطب فى اللى وراها من غير سبب، "ما الحق مش على الحكومة، الحق عليكوا إنتوا، هو أنتوا كنتوا لاقيين أصلاً عشان تتكلموا"، ووشها يصفرّ، الإشارة واقفة من خمس دقايق، والسريحة طالعين نازلين فى الأتوبيس بغلاستهم يرمّوا بضاعتهم على الناس بالجبر، تقوم من مكانها وتنزل من الأتوبيس، وتقف جنب عمود الكهربا المطفي تلقط نفسها فى تعب، ووشها قاعد يصفرّ ويصفرّ ويصفرّ...
(5)
ياااااه لو الذاكرة تبقى بسّ مجرد شمس بتشرق وبيت على الرمّل وبحر وجوّ ممّلحين
(6)
رحاب بسّام :
.. وهو ده كان نصيبها من الدنيا، لممت اللى اتبقى من روحها وخدت بعضها ونزلت بقميص النوم النيلون حافية فى عزّ الليل وعزّ الشتا، واللى يلمحها يسأل نفسه، "يا ترى إزاي مستحملة قرصة الأسلفت الباردة ؟"، على أي حال، كلهم كانوا خطوتين من البيت وتعدي الشارع تبقى عند ضفة النيل، وعينها ما تشوف القاهرة الليلة إلا بصورة مضلمّة قديمة من أيام البيوت بالرخام والحجر والطمي، تفتكر أيام ما كانت تقعد على الشط وتشكل أشكال طيور من الطين المبلول، وتنفخ فيها من روحها الدافية، تقوم طايرة ومرفرفة لفوق فى السما بأمر من الله القادر... داخلة فى بحر النيل فى هدوء وما يفضلش منها إلا قميص نوم نليون عايم على وش الميّة..
(7)
إشرب كونياك "ريمي"
أو فيه حل جذري جداً بس مفيد أكتر
روح هات أربع خمس ستّ جالونات كونياك "ريمي"
وإدلقهم على مكتبة بيتكم
ادلقهم على "بدائع الزهور" لإبن إياس
و"إغاثة الأمة" للمقريزي
و"شخصية مصر" لحمدان
وكولكشن لطيف من ألبومات صور العيلة ومجلدات مجلة "سمير"
بعدها ولّع في أمّهم
أو ترجع للحل الأبسط والأوسط
بيعهم وإشرب بتمنهم كونياك "ريمي"
(8)
فراغ :
إجازة نص السنة..
يصحى فى المعاد المعتاد بتاع المدرسة، ويصّحي صاحبه وياخده معاه ع الشارع معاهم عجلاتهم، ويكرروا اللى عملوه إمبارح، يفضلوا يلفوا بالعجل فى دورات متعاكسة، ولمّا يتعبوا يرموها ع الأرض، ويقعدوا فى الجنينة اللى قدام البلوك اللى ساكنين فيه، ويفضلوا من الضهر للمغربية يتأملوا منظر مساكنهم الحكومية الجير الصفرا.
(9)
«طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَى لِلْحَزَانَى لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ. طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ. طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللَّهَ."
متى 5 : 3-13
* دعاء للرسول الله عليه صلوات الله وسلامه

2.01.2009

عزيزي شوبان




عزيزي شوبان؛

تحية طيبة وبعد
أعرف أنه من الغرابة بمكان أن أكتب لك، كنت قد قابلت ألفريد دي موسيه من فترة بإستراند، بدا بائساً بشدة بعد أن هجرته جورج صاند لأجلك، واسيته وأبديت إستعدادي لأن أدعوه على زجاجة من البيرة في الإكسلسيور لعله يسترخي أكثر، الأمر الذي دفعه لمزيد من البكاء الهيستيري، لم ينقذني منه سوى رؤيتي لأحد الأصدقاء القدامى ماراً من أمام المقهى، بعد رحيلي لاحظت ورقة غريبة في جيبي، فتذكرت أنه كان قد أعطاني بطاقته قبل مغادرتي، حين قلبتها وجدت عنوان جورج بشجرة الدر في الزمالك، قبالة قويدر، إستغربت بشدة لأني لم أرها هناك قبلاً لكني تجاوزت الأمر ملقياً البطلقة في جيب معطفي. بعد أيام صعد معطفي من التنظيف في يد البواب وعليه بعض الأوراق التي كنت نسيتها في المعطف في كيس بلاستيكي، تناولت الكيس ثم أفرغته على المنضدة، وعلى الرغم من تأثير الحشيش فكرت في أن عنوانك غالباً هو نفس عنوان جورج، وها أنا ذا أكتب لك.
ترددت كثيراً قبل أن أكتب لك، في النهاية لا شئ يبرر لأحد أن يكتب للاعب موسيقاه المفضلة خطاباً إلا أن تكون فتاةً مراهقة، على الرغم من ذلك فقد أصررت على أن أكتب خطابي هذا، كثيرون يعتبرون هوسي بك مرضي، بل وتجرأ أحدهم على مقارنتك بفولفجانج، جهال، أين يقع منك هذا الأبله، ماذا يعرف موزار في النهاية عن النساء، أو المرض، أو الدم أو الجنون، أو كل تلك الأشياء التي تصنع موسيقاك يا صديقي، لا بأس على أية حال، فسيدرك الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
لا أدري إن كان مناسباً أن أحدثك عن نفسي أول خطاباتنا المتبادلة، لكن لا بأس فأنا لا أتوقع من عبقري مثلك أن يقرأ خطابي كاملاً، غالباً ستتوقف بعد أول فقرتين، مغطياً فمك بظهر كفك اليسرى مغمغماً "آآه كم هو لطيف"، ولكي أكون صريحاً معك فذلك يشعرني براحةِ ما، فكرة أن تبوح بأدق أشياؤك في حضور شخص أصم، هي حتماً تجمع الحسنيين، البوح والمجهولية. عم كنت أنوي التحدث على أية حال... آآه الفتاة.

أتدري قبل أن أبدأ ربما قد يكون من الأوفق أن أصف لكَ اليوم، أتعرف جيم موريسون ؟؟ لا يهم، هناك غلاف لألبوم لفرقة روك أمريكية يسمى "الأيام الغريبة"، يسود الغلاف جو من الزرقة الموحية، في حضور مجموعة من الأشياء الغرائبية، قزم ورجل ضخم وأشياء أخرى لا أتذكرها الآن، إنطبع الجو العام للغلاف في مؤخرة ذهني كرمز للأيام الغرائبية، كيوم وفاة جدي لأبي، لم أشعر بأي شئ، فقط غرائبية ما تغلف طقوس دفنه، بطرف عيني عند زاوية القبر لمحت القزم والرجل الضخم يلوحان لي، إبتسمت وأشرت لهما بود قبل أن تنهرني أمي، كان يومي أحد تلك الأيام، في مدينتنا هذه من النادر أن ترى كلباً يعبر ميدان التحرير متأنياً وغير مهتم بالأبواق حوله، حينها عبرت مستظلاً بظل الكلب، متأملاً في الزرقة الداكنة من حولي، ومتحسباً لظهور القزم على ناصية طلعت حرب، وصلت المقهى الذى إعتدت ملاقاتها عليه وإنتظرت، لم تتأخر كثيراً، جلست قبالتي وأشعلت سيجارة، قدمت لي واحدة فإعتذرت.

_بطلت
_من إمتى ؟
_من ساعتين شربت آخر سيجارة ليّ
_ممممم، طيب
"صمت"
_أنا شايفة إننا لازم نسيب بعض
_ليه ؟؟
_حاسّاك مش مرتاح ودا مش مريحني
_بس أنا كويس
_بس أنا مش عارفة أمحي شعوري
_مممممممم
كنت قد بدأت أرى القزم يتجسد على الناحية الأخرى من الطريق، ظل ينظر لي في ثبات، ثم أخذ في عبور الطريق في ذات اللحظة التي داهمته فيها عربة زرقاء يقودها الرجل الضخم وبجواره شخص يرتدي قبعة وعلى وجهة تفاحة خضراء.
لطالما كان إستقبالي للموت عجيباً، حتى موتي الشخصي، رأيته بأم عيني مرتين، الأولى حينما نسيت أن الشضارع الذي أعبره إتجاهين، في ذات اللحظة التي قرر فيها إبن وزير ما بعربته البورش أن يجرب إلى أي مدى قد يصل مؤشر عداد سرعته إن دهس دواسة الوقود بأقصى ما يملك من قوة، ولحسن حظي إستحقت العربة كل مليم دفع فيها، فقد توقفت –على الرغم من سرعتها الهائلة- على بعد سنتيمترات مني، فيما بعد أخبرني سائق سيارة الأجرة التي أقلتني بعد الحادث، أنه لم يبد على وجهي أي تعبير، فقط وقفت مواجهاً للعربة واضعاً يدي أمامي داعياً إياه للتوقف، إستغرب صمتي التام قائلاً "أنا لو مكانك كنت عملت مناحة"، الثانية حين كنت أمسك لأبي بمنشاره الكهربائي الجديد مجربين إياه، وضعته قبالة صدري غير منتبهاً في حين وضع أبي الفيشة في القابس، ثم نظر إلي متعجباً أن لماذا لم يعمل، قبل أن يصيح محذراً "شيل البتاع من على صدرك يا غبي"، ساعتها فقط إنتبهت لأني أضع منشار كهربائي أمام صدري، وللآن أتعجب كيف لم أمت حينها، لم يمثل لي الموت كماً مخيفاً في أي لحظة من لحظات حياتي، لطالما راوغت فكرة وجوده، لم أصدقه، وبالتالي لم أتأثر لمرأى الرجل يموت على يد رفيقه القديم.
_سرحت فإيه ؟
_القزم
_أنهي قزم ؟؟
_ما علينا، كنتِ بتقولي ...
_إنتَ بقيت غريب قوي وأنا مش مرتاحة
_وبعدين ؟
_أنا ماشية
_سلام
تركتها تنفلت هكذا، دون أن أحرك إصبعاً، ربما لم تكن تعنيني بأكثر مما بذلت من جهد لإستبقائها –وهو معدوم على أية حال-، ربما كنت قد مللت من موت علاقتنا البطئ، ربما شعرت بخفة مفقودة، آلاف الإحتمالات لكن لا مجال لذكرها هنا يا عزيزي شوبان، ربما في خطابي القادم..
تحياتي لك وللعزيزة جورج.
صديقك المخلص؛
.....

1.31.2009

أفراح

في مدونة سيف خشب
بعد غياب طويل جداً
والشكر كل الشكر ليحيي المصري
*


الشاعر الجميل خالد عبد القادر
أصدر -أخيراً- روايته الشعرية
لإيلافِ داوود
في معرض الكتاب الدولي عن دار فكرة بسراي 19

1.26.2009

طقطوقة وصال بمقام حجاز كار

"حرج عليَّ بابا ماروحش السينما"
"وأقابلك فين ؟"
أنتِ –بكل تأكيد- تفهمين مقصدي.. يا صديقة ؟
*
"على قد الليل ما يطول"
كنا تلاتة واقفين متسندين على مطلع كوبري الجامعة، بنبص على تمثال نهضة مصر، وكل واحد فينا في باله فكرة، الأول شايف الفلاحة لابسة نقاب بيغطى وشها وراكعة بخيشة بتمسح رخام قاعدة التمثال والأسد واقف على حيلة وحاطط إيد فى وسطه وقافش بإيد على آخر ضهرها وفى وشه ضحكة صفرا، والتاني شايف التمثال زي ما هو ما عدا تفصيلة بسيطة، إن الفلاحة عريانة، شعرها وبدنها كله مكشوف بلا توب للرايح والجاي، حلمات بزازها بارزة ومنتصبة، وسرتها وبطنها المرمر تفكره بدقة تماثيل عصر النهضة الأوروبية، وشعر عانتها بيفكره بغرابة الأعمال الما-بعد حداثية.
أما أنا فكنت بأتمنى شئ واحد بس... إنها تنزل من على القاعدة الرخام ونتمشى أنا وهى ونتفسح بطول وعرض الكوبرى، ونشرب الضهر حلبسة، وناكل درة مشوي بالليل.. بس.
*
"خايف أقول اللى فى قلبى"
هأحاول أشرح لك قدر الإمكان... كل يوم الصبح. هما خمس دقايق. أرّوق خمس دقايق.. فى المسافة ما بين طرف الرصيف وباب الجامعة. بيحصل فيهم العجب.. أنا ولد جديد. كل يوم أنا ولد جديد. بلا ماضى. أطبق إمبارح فى إيدي وأرميه فى أقرب مكان قبل ما أوصلها. بأوصلها نضيف مغسول من كل عضّ وخربشة وعلامات إمبارح.. وبأخاف قوى ليحصل إنها تعرف إيه اللى جرى إمبارح بعد ما أسيبها. والسكة فيها خمس ست نخلات. ضلّة وجوّ رايق. يستخبى الماضى دايما ورا نخلة فيهم ويبرق لى بعيون الدهشة. وأكون خايف دايما إنها تسيبنى وتروح تستخبى مع الماضى وتسيبنى أنا لوحدى. وكل يوم على ده الحال..
*
"بالليل يا عيوني بالليل"
تخوض صحراء الليل وأتبعها كالمسحور، أمشى ورائها أينما تذهب، ترفع عباءتها السوداء عن كتفيها إلى أعلى وتشدها بكلتا ذراعيها والريح تمرجح أطرافها، فألمح فى ضوء الأنُجم والشُهب جياد العشق تصول على صفحتها، قبل أن تتركها تطير فى خفّة والنسيم يموّجها فوق الرمال، الشعر ينسدل فوق الظهر، وينشر العطر فى الأنحاء، يبدو الليل باهتاً إذا ما قورن بسوادهِ الحالك، تغنى بصوتٍ بدوي جبلي يهزّني "لا بأكل ولا بأشرب، بسّ بتطّلع بعيوني، بالليل يا عيوني بالليل"، راقصةَ تخطو وتجرجر أقدامها وتدور حول نفسها وهى لا تلحظني، ورنين الأساور والخلاخيل كصاجات تجاوبها الإيقاع، تتصاعد دندنتها "يا بوّ جاكيت رمادى.. يا بوّ جاكيت رمادى، لا تتمشى بالوادى، بالليل يا عيوني بالليل"، وأنا أتبعها كالمسحور.. بلا قديم.. بلا جديد.
*
طاولة وصمت يفصلنا عن بعضنا، أضع يدي فوق يديها برفق بالغ، فتسحب يديها من تحت يدي بنفس الرفق، ثم ثبتت عيناها في عينيَّ وأردفت مبتسمة:
..لكن الحب يا مغرور صعيب
وأنت ما تقدر له..

1.21.2009

طظ


استعرت سيجارة من صديق ونسيت إشعالها قبل افتراقنا، وعندما تذكرت رفعت رأسي بحثاً عن أى كائن محترم يشرب السجائر، وجدت ثلاث عربات الأمن المركزي تقف عند أول الرصيف، وعدة بِدل أمنية تحمل الأجهزة اللاسلكية واقفة وتتهامس فيما بينها، وفرقة كاراتيه منتصبة وراء العربات الثلاثة، أكلمت طريقي ناحيتهم، ثم توقفت وسألت أحدهم وأنا أشير له بسيجارتى :
- معاك ولعة ؟
أخرج ولاعته من جيبه الأمامي، لكنه لم يعطها لي لأشعل السيجارة بنفسي، وبعد أن أخذت أول نفس منها شكرته، لم أرد أن أسأله ما الذي يستدعي وجودهم فى مثل هذا المكان الهادئ، لأنه -بكل بساطة- قد يكون جاهلاً السبب أو يدعي الجهل خبثاً، استدرت راحلاً، لكنني قبل أن أحرك قدماًُ قربت رأسي نحوه، وسألته متذاكياً :
- أنتوا فرقة كاراتيه، صح ؟
رفع رأسه إلىّ للحظة مندهشاً ثم أخفضها، لاح على وجهه الريفي الصلب شبح إبتسامة، ثم رفعه مرة أخرى وشفتيه تحاول كتم الإبتسامة، دُرِت بعيني بين العساكر ذوو الوجوه المصمتة كتماثيل الميادين، وقربت وجهي نحوه أقرب، وسألته :
- طب إنتوا إخوات ؟
أشرق وجهه بالإبتسام واتسع في هذه المرة، بينما أنا انفجرت ضاحكاً مطلقاً دفقات من الريح التي أطلقها عادةً كلما ضحكت فجأةً.

* الكاريكاتير لعمّنا الرسام الكبير "بهجت" من "حكومة وأهالي"

1.16.2009

الممارسات الاسرائيلية في المنطقة العربية من منظور علم النفس

مقال لد/ محمود أبو رحاب - استشاري العلاج النفسي
إن ما يحدث في غزة اليوم يدعونا للتفكير كثيرا لمحاولة فهمه فهماً صحيحاً للوصول لما ينبغي علينا عمله. ومن منطلق التخصص سأحاول ان أرى ما يحدث في غزة من منظور علم النفس ومن منظور المدرسة السلوكية على وجه الخصوص متمنياً ان نتعلم كيف نرى الشيء الواحد من وجهات نظر متعددة وليست وجهة نظر واحدة دون غيرها. ترى المدرسة السلوكية أن أي سلوك سواء كان سلوك جيد أو سيئ هو سلوك قد تم تعلمه ومن ثم يمكن تعديله، وتحاول في سعيها لتعديل هذا السلوك السيئ غير المرغوب فيه الى استخدام اساليب نفسية محددة لتعديله واستبداله بسلوك آخر مرغوب فيه وتتعدد الأساليب المستخدمة في تعديل السلوك وما يهمنا منها ثلاثة أساليب ستساعدنا في فهم الممارسات الاسرائيلية في المنطقة العربية وخاصة ما يحدث في قطاع غزة. هذه الأساليب هي الأول : اسلوب التعزيز السالب والثاني أسلوب العقاب أما الثالث والأخير فهو أسلوب التعزيز الموجب.

ولشرح ما هو المقصود بالأسلوب الأول التعزيز السالب نقول اذا فرضنا ان هناك شخص "ب" قام بإصدار مثير غير محبب للشخص "أ" ولا يتوقف هذا المثير المزعج الا في حالة واحدة فقط هي ان يقوم الشخص "أ" بعمل ما يرغبه الشخص "ب" من سلوك معين. والنموذج المثالي لهذه العملية هي ما نجده في السيارات الحديثة فعندما يركب قائد السيارة فإن السيارة تصدر صوتاً مزعجاً لا يتوقف إلا في حالة قيام قائد السيارة بالسلوك المرغوب وهو ربط حزام الأمان،. هناك نماذج عديدة لاستخدام اسلوب التعزيز السالب في حياتنا فإذا قام المدرس مثلا بمعاملة تلاميذ الفصل معاملة سيئة بشكل مستمر، وفجأة يقوم بالتوقف عن هذه الممارسات مع أحد التلاميذ عندما يذهب للمدرس في درس خصوصي ، فإن ماقام به المدرس هو استخدام لأسلوب التعزيز السالب كما أنه في ذات الوقت درس لباقي التلاميذ انه لا تتوقف الاهانه حتى الدخول في الدروس الخصوصية. أحد النماذج الواضحة أيضا لاستخدام هذا الأسلوب ما نجده في بعض مراكز التحقيق بالشرطة عندما يقوم الضابط بممارسة كل اشكال الضغط على المتهم حتى يعترف بارتكاب ما لم يرتكب من جرائم عندئذ فقط يتوقف الضابط عن ممارسة الضغط على المتهم . في الحالتين يدرك الطالب والمتهم انه لا سبيل لتوقف الاهانة أو التعذيب الا بقيامهما بالسلوك الذي يرغب فيه المدرس أو الضابط.

أما الأسلوب الثاني من اساليب تعديل السلوك فهو العقوبة وهو يعني انه كلما صدر سلوك من الشخص "أ" لا يرغبه الشخص "ب" فسيقوم الشخص "ب" بتوقيع عقوبة عليه حتى يتوقف الشخص عن هذا السلوك غير المرغوب فيه والنموذج المثالي لهذه العملية هو وجود قانون العقوبات فكل عقوبة هي تالية على صدور السلوك الخاطئ وتتناسب العقوبة في شدتها ومدتها مع هذا السلوك الإجرامي غير المرغوب فيه. يخلط الكثيرون بين الاسلوبين الاول والثاني ويرون ان كلاهما عقوبة ولتوضيح الفارق نقول انه في اسلوب التعزيز السالب العقوبة (قبل) على عكس ما يحدث في اسلوب العقاب الذي تكون فيه العقوبة (بعد) . الفارق الآخر انه في التعزيز السالب يسعى الشخص "ب" لصدور سلوك معين من الشخص "أ" بينما في اسلوب العقوبة يسعى الشخص "ب" لإيقاف سلوك معين يقوم به الشخص "أ".

أما الأسلوب الثالث من أساليب تعديل السلوك فهو التعزيز الموجب ويقصد به ان الشخص "ب" يقوم بتقديم مكافأة للشخص "أ" عند قيامه بفعل سلوك يرغبه الشخص "ب". ونستخدم جميعا هذا الاسلوب باستمرار في حياتنا، وكلنا يعلم كم من مكافآت امتلئت بها جيوب وحسابات بعض القيادات الفلسطينية على ما قدموه من خدمات لبعض الأنظمة. ويتفق هذا الاسلوب الاخير مع اسلوب العقاب في ان ما يقدم من الشخص "ب"يأتي عقب سلوك معين يصدر من الشخص "أ" ويختلفان في معنى هذا السوك لدى الشخص "ب" ففي العقاب يكون السلوك مرفوض بينما في الثواب والمكافأة يكون السلوك مرغوب من جانب الشخص "ب".

أتصور أن الممارسات الإسرائيلية في المنطقة العربية تعتمد اعتمادا واضحا على هذه الاساليب الثلاثة خاصة اسلوب التعزيز السالب وهو ما اركز عليه هنا والذي يفسر لنا ما تفعله اسرائيل دائما مع الفلسطنيين في قطاع غزه او ما فعلته من قبل في جنوب لبنان او ما تفعله دائما على مائدة التفاوض مع القادة الفلسطينيين . فإسرائيل عندما تقوم بما تقوم به من جرائم في حق الفلسطينيين في قطاع غزة من قفل المعابر ومنع وصول المساعدات الانسانية وتدمير البنية التحتية وهدم للبيوت وقتلهم للنساء والاطفال والشيوخ انما هو من قبيل استخدام اسلوب التعزيز السالب وبهدف واحد هو تركيع هذا الشعب لينفذ أو فلنقل ليسلك بالنحو الذي تريده إسرائيل منه أيا كان ماتريده بدءاً من تسليم أسير إسرائيلي وانتهاء بالاستسلام التام أو حتى الهروب من فلسطين والذي يعطي لاسرائيل حلم الحفاظ على ديموجرافية المكان لصالحها. وعندما يحدث ويتصور الفلسطينيون انهم قد اعطوا لاسرائيل ما تريده ، نجد أن اسرائيل لا تكف عن ممارساتها إذ تعاود الكره مرة اخرى للحصول على المزيد والمزيد الذي لا ينتهي. ويتصور البعض خطأ ان ما تقوم به اسرائيل هو عقوبه على صاروخ من حماس او ما شابه فما تقوم به اسرائيل ستقوم به ايا كان ما يفعله او لم يفعله الفلسطينيون.

تستخدم اسرائيل أيضاً أسلوب التعزيز السالب في التفاوض مع القادة الفلسطينيين إذ تمارس عليهم كل الضغوط من ممارسات قتل وتعذيب للشعب قبل الجلوس على مائدة التفاوض ثم ممارسة كل الضغوط النفسية على مائده التفاوض حتى يعطي القادة الفلسطينيون ما تريده اسرائيل في مقابل وقف هذه الممارسات وبعدها لا يستمر شهر العسل سوى فترة وجيزه ثم تعاود اسرائيل استخدام نفس الاسلوب حتى تحصل على المزيد من القيادة الفلسطينيه. ومن اشكال ممارسه اسرائيل لهذا الاسلوب ما قامت به مع ياسر عرفات في مباحثات شرم الشيخ ( اظنه في وقت حكومة باراك) وكما ذكر الرئيس حسني مبارك في مقابلة تليفزيونيه مع عماد الدين أديب ان فريق التفاوض الاسرائيلي استمر في الاجتماع مع ياسر عرفات حتى الثالثة صباحا. هذا الاستمرار في الاجتماع لهذه الساعات الطويلة مع رجل في سن عرفات هو شكل من اشكال استخدام التعزيز السالب مع الرجل لإنهاكه حتى يقوم بالتوقيع في النهاية على ما تريده اسرائيل منه حتى لو كان ما سيقوم بالتوقيع عليه هو في مقابل قسط من النوم. ما قامت به اسرائيل هو استخدام اسلوب التعزيز السالب الذي اخذ شكل الحرمان من النوم مع رجل كبير في السن خاصة ان فريق التفاوض الاسرائيلي لم يكن في الوافع فريق واحد وانما عدد من المجموعات تتناوب على الرجل المنهك في الوقت الذي فيه كل فريق يفاوض واعضائه في كامل الراحه البدنية والهدؤ.

قد ينبغي علينا الان طرح سؤال وماذا نحن فاعلون ، او بالاحرى كيف نواجه هذا الاسلوب من اشكال التعزيز السالب . أقول هنا ان التعزيز السالب ببساطة شديدة يفشل فشلا ذريعاً عندما لا يأتي بالفائدة المرجوة منه ، هنا يقع من يستخدم هذا الاسلوب في حالة من اليأس والارتباك ومن ثم سيتوقف عن هذا الاسلوب وهذا ما حدث في المفاوضات التي اجريت مع ياسر عرفات في شرم الشيخ فرغم كل هذه الضغوط النفسية على الرجل لم يوقع على ما اراده الاسرائيليون منه وهنا يأس الاسرائيليون وفشلت المفاوضات. ان الذي يؤدى لفشل الاسلوب الاسرائيلي هو الصمود في مواجهة الضغط. لذا انصح القادة الفلسطينيون ان ينظموا اجتماعات التفاوض بحيث تراعي اخذ الفترات المناسبة من الراحة والا يقعوا تحت ضغط ضرورة الانجاز باسرع وقت او اعطاء زمن قصير للتفاوض مع ضرورة الوصول لحل خلال هذا الزمن. كما انصح هؤلاء القادة بضرورة ان يصاحبهم في مثل هذه الاجتماعت فريق نفسي متخصص في تدريبات الاسترخاء لازالة أي توتر قد يؤدي بهم الى اتخاذ قرارات مصيرية خاطئة . وفي هذا الشأن اقول ان تدريبات الاسترخاء هي احد الأساليب العلاجية النفسية الهامة التي يجب ان يمارسها جميع القاده فهي ليست ترف وانما هي ضرورة للمساعدة على اتخاذ القرار السليم.

والان كيف يكسر الشعب الفلسطيني هذا الاسلوب الاسرائيلي ، اتصور ان هناك سبيلين الاول هو الصمود أما الثاني فهو الاستمرار في اطلاق الصوراريخ حتى اثناء القصف الاسرائيلي حتى يدرك الاسرائيليون انه لا فائده من هذه الممارسات وانها لن تحقق لهم شيء، انذاك سيغيرون هذا الاسلوب الى اخر، الله يعلم ما هو ولكن كان خيارهم البديل يوما عندما فشل استخدام اسلوب التعزيز السالب في وقت من الأوقات أن تمنى رابين أن يستيقظ يوما ليجد غزة وقد ابتلعها البحر، ولهذا اتخذوا قرار التخلص من غزه الصامده الذي سبب صمودها وجع في قلب إسرائيل وقاموا بتسليمها إلى الفلسطينيين في اطارمعاهدة سلام تحفظ لاسرائيل ماء وجهها ، وقام شارون من بعده أيضا بانسحاب أحادي الجانب من لبنان عندما أيضا فشل أسلوب التعزيز السالب في تحقيق أهداف إسرائيل.

إن ما هو مطلوب من الفلسطينيين ليس ضبط النفس كما يطالب البعض وإنما هو المزيد والمزيد من العمليات العسكرية داخل اسرائيل وألا يستمع الفلسطينيون لنصائح القيادات العربية ، فلو استمع حزب الله في لبنان لنصائحهم بوقف المقاومة وضبط النفس لهزمت المقاومة شر هزيمة من اسرائيل كما يخطئ البعض عندما يفضل اسلوب الانتفاضه ويراه الاجدى دائما في جميع الأحوال من اسلوب اطلاق صواريخ القسام التي كما يقولون لا فائدة منها سوى جلب العقاب. فكلاهما اسلوبين يجب أن يحترما ويأتي كل منهما بالفائدة ولا يجب تفضيل اسلوب عن آخر، كل أسلوب له مبرره وضروراته. كما يجب ان نوقن تمام اليقين ان ما تمارسه اسرائيل من ممارسات سيستمر بانتفاضة او باطلاق صاروخ واحد، اتصور ان مشكلتنا اننا نصادق على ما تدعيه اسرائيل من أن الصاروخ هو المبرر، وقد يكون في هذا التصديق ما يريح الضمير العربي.

إن الصمود واستمرار اطلاق الصواريخ هما ما قامت به المقاومة في جنوب لبنان عندما استخدمت اسرائيل هذا الاسلوب من التعزيز السالب مع لبنان وقامت بتدمير لبنان لتركيع اللبنانيون وبث الفرقة بينهم ليقوموا هم انفسهم بإنهاء أي مقاومة لاسرائيل ولكن باتحاد جميع القوى اللبنانية وصمودهم واستمرار اطلاق صواريخ رجال المقاومة رغم ما فعلته اسرائيل ادى في النهاية الى يأس اسرائيل لأنها استغرقت من الوقت اكثر مما هو مقرر لهذا الاسلوب وهنا اعلنت فشل المهمة وايضا اعلنت خسارتها لهذه الحرب. اذا فعل الفلسطينيون ذلك شيفشل اسلوب التعزيز السلبي وستعلن اسرائيل فشلها في تحقيق اهدافها كما اعلنت من قبل فشلها في تحقيق اهدافها وهزيمتها في جنوب لبنان، ذلك ببساطة لأن هدفها لم يكن يوما هو تدمير لبنان ولكن كان تدمير لبنان هو وسيلة ( تعزيز سلبي) لتركيع اللبنانيون والعربً. ما فعلته إسرائيل ليس عقابا على عملية الاختطاف بل اعتقد أن إسرائيل فرحت بهذا الاختطاف لتدعي أنها المبرر لعملياتها المقررة سلفاً، بل وأزيد لأقول لو أن إسرائيل كانت تعلم أن ثمن عملياتها في لبنان سيكون ما دفعته من فشل وخيبة أمل في قواتها لما قامت أبداً بما قامت به ولو كان عشرات منهم قد تم قتلهم أو اختطافهم.

الحل الآن يكمن في استمرار اطلاق الصواريخ يوميا من جانب الفلسطينيين على اسرائيل ، فعلى حماس وجميع القوى الفلسطينية ان تعد العدة من الصواريخ والعمليات الفدائية، ان تعرف ما لديها من صواريخ وتقدر مدة زمنية لاستمرار العمليات الاسرائيلية وتطلق كل يوم عدد من الصواريخ حتى آخر يوم في هذه المدة المقررة حتى لو سيطلق صاروخ واحد فقط كل يوم. الحل ان تتحد جميع الفصائل الفلسطينية للقيام بعمليات عسكرية داخل اسرائيل ، محاربة اسرائيل داخل اسرائيل وليس داخل غزة، تماما كما حدث في لبنان فلو لم تتحد القوى الوطنية في لبنان ما كان للمقاومة أن تنجح في عملياتها، وأيضا لولا إطلاق الصواريخ على داخل إسرائيل لاستمرت العمليات الإسرائيلية لأجل غير معلوم.

الحل يكمن في ان تواجه جميع القوى الفلسطينية داخل غزة أي هجوم بري من جانب اسرائيل حتى لو كانت المواجهة بالحصى ، فيجب مواجهة دبابات اسرائيل وآلياتها حتى لو كانت الوسيلة قيام الفلسطيني بتفجير نفسه تحت الدبابة لتعطب وينتظر آخرون من سيخرج من الاسرائيليين منها ليواجهونهم رجل لرجل، فليكن هناك شخص انتحاري لكل دبابة ومدرعة اسرائيلية.

إن استمرار المقاومة سيعطي مساحة تفاوضية اكبر للمفاوض الفلسطيني في حال جلوسه للتفاوض مع اسرائيل وكلما كانت هناك فرقة بين الفصائل الفلسطينية كلما زادت فرصة اسرائيل في استخدام التعزيز السالب وغيره من الاساليب على الفصائل الفلسطينية الرافضة لتحقيق الفائدة لاسرائيل. لقد اعلنت اسرائيل موافقتها للتفاوض مع العرب على اساس من مشروع الملك عبدالله للسلام وهذا الاعلان لم يأتي من فراغ ولا نتيجة للجهود الدبلوماسية فقط وإنما جاء من إسرائيل عندما أرهقتها المقاومة الفلسطينية مهما حاول الكثيرون أن يقللوا من شأنها. ان قبول اسرائيل بمشروع الملك عبد الله للسلام وهي التي لم تقبله من قبل انما يعني فشل اسرائيل في السيطرة على الوضع بما هو عليه . وباستخدامها لأسلوب التعزيز السالب انما تسعى اسرائيل لأن يقبل العرب بما يمكن لاسرائيل ان تقدمه في حال تفاوضها مع الفلسطينيين . في النهاية علينا ان ندرك ان الصمود وتكاتف القوى الوطنية واستمرار المقاومة هما الوسيلتان الوحيدتان لهزيمة اسرائيل، وهما السبيل الوحيد لافشال مخططاتها في المنطقة.

© 2009 محمود أبو رحاب
المقال منشور بإذن من الكاتب.

1.11.2009

مناخوليا 2020

Melancholia: it is a mood disorder of non-specific depression, characterized by low levels of enthusiasm and eagerness for activity.
*
في المدينة الشمالية البعيدة، بعد ما ساب كل الحاجات وراه، إحباطاته وذكرياته الطيبة، وإبتدى على نضافة، قطع صلاته بدنيته القديمة، صلات كانت هشة أصلاً بعد موت أمه، حب وكره وحب وكره وعرف بنات، مكانش فيهم واحدة في جمال حبيبته القديمة، بس كان في واحدة تنفع زوجة، طيبة بالقدر اللي تسمح بيه برودة المدينة، جاب منها ولد ما يعرفش ينطق إسمه صح، وطلقها وخسر بيته والولد، في الليلة دي بالذات، بعد ما سهر مع زملاء الشغل –معرفش في المدينة إصحاب- يتفرجوا على النيكس والبولز ويسكروا، رجع البيت الجديد، فتح التليفزيون، وإتفرج على مدينته القديمة بتتدك بالقنابل الفراغية، إبتسم وراح لدرج المكتب وفتحه، وفكر قد إيه المترو حيكون لطيف فى الوقت ده بالذات، رفع المسدس - اللي إشتراه أول حاجة لما نزل في مدينته الشمالية البعيدة – لبقه، وضغط الزناد.


1.05.2009

غ.ز.ة


%30 من شهداء غزة "أطفال ونساء"

إلا الرحم الفلسطيني، الحبلى شايلة قنبلة موقوته، الأشلاء والعضام والدماء بتتجمع فى هيئة الإنسان من جديد، فى مواني الآخرة طوابير الشهداء متكدسة راجعة للأرحام فى صورة عيال، وأسلفت يتشقق وتخرج منه دراعات عفيّة شايلة صواريخ وزهور، صاروخ، إتنين فى السما وزغاريط، الساعة بتجري على الحيطة والدم بيجري فى الشارع، وتقرب بودنك ناحية بطن عيّلة فلسطينية عندها حداشر سنة ما تسمعش إلا.. تك.. تك.. تك.. تك..
*
تواشيح وأناشيد ومواويل بتتغنى، هقهقة ومقالب وضحك بيجلجل، سقف العنابر يتشقق، وأبص من ورا القبضان والشقوق ألمح شجر متجمع، شجر مكوّن فرقة تخت شرقى، قانون وعود ورقّ وناي، وبيعزف ألحانه الهادية طول الليل طول الليل، بعدها ألمح مصانع الأسمنت بتشغى غبار، يغطى كل شئ حتى الشجر اللى أوراقه بقت زى ورق مفضض بيلمع تحت القمرة، بعدها صحارى وقنا ضيقة وتلال وجبال فاضية ولا فيها صريخ ابن يومين، بعدها غزة على قبة البركان مستنية تفيض على الأرض هناك لحد هنا
*
أشلاؤنا أسماؤنا.. لا.. لا مفر
سقط القناع عن القناع عن القناع
سقط القناع
لا إخوة لك يا أخي، لا أصدقاء
يا صديقي لا قلاع
لا الماء عندك،
لا الدواء ولا السماء ولا الدماء
ولا الشراع ولا الأمام ولا الوراء
حاصر حصارك.. لا مفر
سقطت ذراعك فالتقطها
وأضرب عدوك.. لا مفر
وسقطت قربك، فالتقطني
وأضرب عدوك بي، فأنت الآن حر
حر
وحر
قتلاك أو جرحاك فيك ذخيرة
فاضرب بها. اضرب عدوك.. لا مفر
أشلاؤنا أسماؤنا. أسماؤنا أشلاؤنا
حاصر حصارك بالجنون
وبالجنون
وبالجنون
ذهب الذين تحبهم، ذهبوا
فإما أن تكون
أو لا تكون
سقط القناع عن القناع
سقط القناع، ولا أحد
إلاك في هذا المدى المفتوح للأعداء والنسيان
فاجعل كل متراس بلد
لا.. لا أحد
سقط القناع
عرب أطاعوا رُومهم
عرب وباعوا روحهم
عرب ... وضاعوا
سقط القناع
سقط القناع
"محمود درويش - ذاكرة للنسيان"
*
كلنا بإنتظار الموت، لأن العالم ما يستاهلش يكون موجود لما تركع غزة، غزة مخزن الكرامة الإنسانية، غزة شرفنا كلنا، إيه يبقى لنا بعد ما غزة تموت؟، بسمع الناس تقول البشر أهم من الفكرة، البشر أهم من القيم، البشر عمرهم ما يكونوا أهم من البشر، عشان الفكرة بشر، وسلاحنا بشر، وتراثنا ومشاعرنا وقيمنا وبيوتنا بشر، البشر هو إحنا، مقاومين وعيال وربات بيوت وناس قاعدين يكتبوا يحرضوا ويبكوا من وجع قلوبهم، إن غزة سقطت كلنا أموات.
*
وغزة هي أول وجود، وقيل يموت الناس بأرضيهم ويبعثون بغزة، وقيل غزة بوابة القيامة، وقيل ما قيل، ولكننا هنا في القاهرة، نفتح الخريطة فنرى غزة، شكل غير صغير غير مستقيم يقبع بجوار حدودنا المستقيمة، نسمع إسمها فلا ندرك ما المعنى، ما هي غزة على أية حال، إسم يخلو من الموسيقى، لكل الاماكن أغاني، للحسين للغورية لباب الخلق، للقاهرة للأسكندرية لبيروت، لنيويورك لرام الله لتل أبيب، إلا غزة، فما خلقت مثل تلك الأسماء الحقيرة بساكنيها المرضى الجوعى –المقاومين بالرغم كل شئ- للأغاني، ما هي غزة؟؟ لا أعرف عنها سوى حكاية شخصية كانت ترويها جدتي تندراً بخيبتها في جدي، حين رفض الذهاب إلى غزة وقت كان ضباط الجيش المصري يبنون العمارات من وراء إنتدابهم في غزة، ما هي غزة إن لم تكن نهاية الأكوان، ثقبنا الأسود الصغير
وغزة قاب قوسين أو ادنى من الصعود..
*
في الساعة الثانية صباحاً أطلقوا سراحنا،
كانت غزة هناك تشتعل إنتصاراً،
والقاهرة هنا تغرق فى ظلامها الكابوسي..


زنجى والسهروردي

* الصورة الثانية للشيخ الإفتراضي أعاده الله إلى التدوين بألف سلامة