1.16.2009

الممارسات الاسرائيلية في المنطقة العربية من منظور علم النفس

مقال لد/ محمود أبو رحاب - استشاري العلاج النفسي
إن ما يحدث في غزة اليوم يدعونا للتفكير كثيرا لمحاولة فهمه فهماً صحيحاً للوصول لما ينبغي علينا عمله. ومن منطلق التخصص سأحاول ان أرى ما يحدث في غزة من منظور علم النفس ومن منظور المدرسة السلوكية على وجه الخصوص متمنياً ان نتعلم كيف نرى الشيء الواحد من وجهات نظر متعددة وليست وجهة نظر واحدة دون غيرها. ترى المدرسة السلوكية أن أي سلوك سواء كان سلوك جيد أو سيئ هو سلوك قد تم تعلمه ومن ثم يمكن تعديله، وتحاول في سعيها لتعديل هذا السلوك السيئ غير المرغوب فيه الى استخدام اساليب نفسية محددة لتعديله واستبداله بسلوك آخر مرغوب فيه وتتعدد الأساليب المستخدمة في تعديل السلوك وما يهمنا منها ثلاثة أساليب ستساعدنا في فهم الممارسات الاسرائيلية في المنطقة العربية وخاصة ما يحدث في قطاع غزة. هذه الأساليب هي الأول : اسلوب التعزيز السالب والثاني أسلوب العقاب أما الثالث والأخير فهو أسلوب التعزيز الموجب.

ولشرح ما هو المقصود بالأسلوب الأول التعزيز السالب نقول اذا فرضنا ان هناك شخص "ب" قام بإصدار مثير غير محبب للشخص "أ" ولا يتوقف هذا المثير المزعج الا في حالة واحدة فقط هي ان يقوم الشخص "أ" بعمل ما يرغبه الشخص "ب" من سلوك معين. والنموذج المثالي لهذه العملية هي ما نجده في السيارات الحديثة فعندما يركب قائد السيارة فإن السيارة تصدر صوتاً مزعجاً لا يتوقف إلا في حالة قيام قائد السيارة بالسلوك المرغوب وهو ربط حزام الأمان،. هناك نماذج عديدة لاستخدام اسلوب التعزيز السالب في حياتنا فإذا قام المدرس مثلا بمعاملة تلاميذ الفصل معاملة سيئة بشكل مستمر، وفجأة يقوم بالتوقف عن هذه الممارسات مع أحد التلاميذ عندما يذهب للمدرس في درس خصوصي ، فإن ماقام به المدرس هو استخدام لأسلوب التعزيز السالب كما أنه في ذات الوقت درس لباقي التلاميذ انه لا تتوقف الاهانه حتى الدخول في الدروس الخصوصية. أحد النماذج الواضحة أيضا لاستخدام هذا الأسلوب ما نجده في بعض مراكز التحقيق بالشرطة عندما يقوم الضابط بممارسة كل اشكال الضغط على المتهم حتى يعترف بارتكاب ما لم يرتكب من جرائم عندئذ فقط يتوقف الضابط عن ممارسة الضغط على المتهم . في الحالتين يدرك الطالب والمتهم انه لا سبيل لتوقف الاهانة أو التعذيب الا بقيامهما بالسلوك الذي يرغب فيه المدرس أو الضابط.

أما الأسلوب الثاني من اساليب تعديل السلوك فهو العقوبة وهو يعني انه كلما صدر سلوك من الشخص "أ" لا يرغبه الشخص "ب" فسيقوم الشخص "ب" بتوقيع عقوبة عليه حتى يتوقف الشخص عن هذا السلوك غير المرغوب فيه والنموذج المثالي لهذه العملية هو وجود قانون العقوبات فكل عقوبة هي تالية على صدور السلوك الخاطئ وتتناسب العقوبة في شدتها ومدتها مع هذا السلوك الإجرامي غير المرغوب فيه. يخلط الكثيرون بين الاسلوبين الاول والثاني ويرون ان كلاهما عقوبة ولتوضيح الفارق نقول انه في اسلوب التعزيز السالب العقوبة (قبل) على عكس ما يحدث في اسلوب العقاب الذي تكون فيه العقوبة (بعد) . الفارق الآخر انه في التعزيز السالب يسعى الشخص "ب" لصدور سلوك معين من الشخص "أ" بينما في اسلوب العقوبة يسعى الشخص "ب" لإيقاف سلوك معين يقوم به الشخص "أ".

أما الأسلوب الثالث من أساليب تعديل السلوك فهو التعزيز الموجب ويقصد به ان الشخص "ب" يقوم بتقديم مكافأة للشخص "أ" عند قيامه بفعل سلوك يرغبه الشخص "ب". ونستخدم جميعا هذا الاسلوب باستمرار في حياتنا، وكلنا يعلم كم من مكافآت امتلئت بها جيوب وحسابات بعض القيادات الفلسطينية على ما قدموه من خدمات لبعض الأنظمة. ويتفق هذا الاسلوب الاخير مع اسلوب العقاب في ان ما يقدم من الشخص "ب"يأتي عقب سلوك معين يصدر من الشخص "أ" ويختلفان في معنى هذا السوك لدى الشخص "ب" ففي العقاب يكون السلوك مرفوض بينما في الثواب والمكافأة يكون السلوك مرغوب من جانب الشخص "ب".

أتصور أن الممارسات الإسرائيلية في المنطقة العربية تعتمد اعتمادا واضحا على هذه الاساليب الثلاثة خاصة اسلوب التعزيز السالب وهو ما اركز عليه هنا والذي يفسر لنا ما تفعله اسرائيل دائما مع الفلسطنيين في قطاع غزه او ما فعلته من قبل في جنوب لبنان او ما تفعله دائما على مائدة التفاوض مع القادة الفلسطينيين . فإسرائيل عندما تقوم بما تقوم به من جرائم في حق الفلسطينيين في قطاع غزة من قفل المعابر ومنع وصول المساعدات الانسانية وتدمير البنية التحتية وهدم للبيوت وقتلهم للنساء والاطفال والشيوخ انما هو من قبيل استخدام اسلوب التعزيز السالب وبهدف واحد هو تركيع هذا الشعب لينفذ أو فلنقل ليسلك بالنحو الذي تريده إسرائيل منه أيا كان ماتريده بدءاً من تسليم أسير إسرائيلي وانتهاء بالاستسلام التام أو حتى الهروب من فلسطين والذي يعطي لاسرائيل حلم الحفاظ على ديموجرافية المكان لصالحها. وعندما يحدث ويتصور الفلسطينيون انهم قد اعطوا لاسرائيل ما تريده ، نجد أن اسرائيل لا تكف عن ممارساتها إذ تعاود الكره مرة اخرى للحصول على المزيد والمزيد الذي لا ينتهي. ويتصور البعض خطأ ان ما تقوم به اسرائيل هو عقوبه على صاروخ من حماس او ما شابه فما تقوم به اسرائيل ستقوم به ايا كان ما يفعله او لم يفعله الفلسطينيون.

تستخدم اسرائيل أيضاً أسلوب التعزيز السالب في التفاوض مع القادة الفلسطينيين إذ تمارس عليهم كل الضغوط من ممارسات قتل وتعذيب للشعب قبل الجلوس على مائدة التفاوض ثم ممارسة كل الضغوط النفسية على مائده التفاوض حتى يعطي القادة الفلسطينيون ما تريده اسرائيل في مقابل وقف هذه الممارسات وبعدها لا يستمر شهر العسل سوى فترة وجيزه ثم تعاود اسرائيل استخدام نفس الاسلوب حتى تحصل على المزيد من القيادة الفلسطينيه. ومن اشكال ممارسه اسرائيل لهذا الاسلوب ما قامت به مع ياسر عرفات في مباحثات شرم الشيخ ( اظنه في وقت حكومة باراك) وكما ذكر الرئيس حسني مبارك في مقابلة تليفزيونيه مع عماد الدين أديب ان فريق التفاوض الاسرائيلي استمر في الاجتماع مع ياسر عرفات حتى الثالثة صباحا. هذا الاستمرار في الاجتماع لهذه الساعات الطويلة مع رجل في سن عرفات هو شكل من اشكال استخدام التعزيز السالب مع الرجل لإنهاكه حتى يقوم بالتوقيع في النهاية على ما تريده اسرائيل منه حتى لو كان ما سيقوم بالتوقيع عليه هو في مقابل قسط من النوم. ما قامت به اسرائيل هو استخدام اسلوب التعزيز السالب الذي اخذ شكل الحرمان من النوم مع رجل كبير في السن خاصة ان فريق التفاوض الاسرائيلي لم يكن في الوافع فريق واحد وانما عدد من المجموعات تتناوب على الرجل المنهك في الوقت الذي فيه كل فريق يفاوض واعضائه في كامل الراحه البدنية والهدؤ.

قد ينبغي علينا الان طرح سؤال وماذا نحن فاعلون ، او بالاحرى كيف نواجه هذا الاسلوب من اشكال التعزيز السالب . أقول هنا ان التعزيز السالب ببساطة شديدة يفشل فشلا ذريعاً عندما لا يأتي بالفائدة المرجوة منه ، هنا يقع من يستخدم هذا الاسلوب في حالة من اليأس والارتباك ومن ثم سيتوقف عن هذا الاسلوب وهذا ما حدث في المفاوضات التي اجريت مع ياسر عرفات في شرم الشيخ فرغم كل هذه الضغوط النفسية على الرجل لم يوقع على ما اراده الاسرائيليون منه وهنا يأس الاسرائيليون وفشلت المفاوضات. ان الذي يؤدى لفشل الاسلوب الاسرائيلي هو الصمود في مواجهة الضغط. لذا انصح القادة الفلسطينيون ان ينظموا اجتماعات التفاوض بحيث تراعي اخذ الفترات المناسبة من الراحة والا يقعوا تحت ضغط ضرورة الانجاز باسرع وقت او اعطاء زمن قصير للتفاوض مع ضرورة الوصول لحل خلال هذا الزمن. كما انصح هؤلاء القادة بضرورة ان يصاحبهم في مثل هذه الاجتماعت فريق نفسي متخصص في تدريبات الاسترخاء لازالة أي توتر قد يؤدي بهم الى اتخاذ قرارات مصيرية خاطئة . وفي هذا الشأن اقول ان تدريبات الاسترخاء هي احد الأساليب العلاجية النفسية الهامة التي يجب ان يمارسها جميع القاده فهي ليست ترف وانما هي ضرورة للمساعدة على اتخاذ القرار السليم.

والان كيف يكسر الشعب الفلسطيني هذا الاسلوب الاسرائيلي ، اتصور ان هناك سبيلين الاول هو الصمود أما الثاني فهو الاستمرار في اطلاق الصوراريخ حتى اثناء القصف الاسرائيلي حتى يدرك الاسرائيليون انه لا فائده من هذه الممارسات وانها لن تحقق لهم شيء، انذاك سيغيرون هذا الاسلوب الى اخر، الله يعلم ما هو ولكن كان خيارهم البديل يوما عندما فشل استخدام اسلوب التعزيز السالب في وقت من الأوقات أن تمنى رابين أن يستيقظ يوما ليجد غزة وقد ابتلعها البحر، ولهذا اتخذوا قرار التخلص من غزه الصامده الذي سبب صمودها وجع في قلب إسرائيل وقاموا بتسليمها إلى الفلسطينيين في اطارمعاهدة سلام تحفظ لاسرائيل ماء وجهها ، وقام شارون من بعده أيضا بانسحاب أحادي الجانب من لبنان عندما أيضا فشل أسلوب التعزيز السالب في تحقيق أهداف إسرائيل.

إن ما هو مطلوب من الفلسطينيين ليس ضبط النفس كما يطالب البعض وإنما هو المزيد والمزيد من العمليات العسكرية داخل اسرائيل وألا يستمع الفلسطينيون لنصائح القيادات العربية ، فلو استمع حزب الله في لبنان لنصائحهم بوقف المقاومة وضبط النفس لهزمت المقاومة شر هزيمة من اسرائيل كما يخطئ البعض عندما يفضل اسلوب الانتفاضه ويراه الاجدى دائما في جميع الأحوال من اسلوب اطلاق صواريخ القسام التي كما يقولون لا فائدة منها سوى جلب العقاب. فكلاهما اسلوبين يجب أن يحترما ويأتي كل منهما بالفائدة ولا يجب تفضيل اسلوب عن آخر، كل أسلوب له مبرره وضروراته. كما يجب ان نوقن تمام اليقين ان ما تمارسه اسرائيل من ممارسات سيستمر بانتفاضة او باطلاق صاروخ واحد، اتصور ان مشكلتنا اننا نصادق على ما تدعيه اسرائيل من أن الصاروخ هو المبرر، وقد يكون في هذا التصديق ما يريح الضمير العربي.

إن الصمود واستمرار اطلاق الصواريخ هما ما قامت به المقاومة في جنوب لبنان عندما استخدمت اسرائيل هذا الاسلوب من التعزيز السالب مع لبنان وقامت بتدمير لبنان لتركيع اللبنانيون وبث الفرقة بينهم ليقوموا هم انفسهم بإنهاء أي مقاومة لاسرائيل ولكن باتحاد جميع القوى اللبنانية وصمودهم واستمرار اطلاق صواريخ رجال المقاومة رغم ما فعلته اسرائيل ادى في النهاية الى يأس اسرائيل لأنها استغرقت من الوقت اكثر مما هو مقرر لهذا الاسلوب وهنا اعلنت فشل المهمة وايضا اعلنت خسارتها لهذه الحرب. اذا فعل الفلسطينيون ذلك شيفشل اسلوب التعزيز السلبي وستعلن اسرائيل فشلها في تحقيق اهدافها كما اعلنت من قبل فشلها في تحقيق اهدافها وهزيمتها في جنوب لبنان، ذلك ببساطة لأن هدفها لم يكن يوما هو تدمير لبنان ولكن كان تدمير لبنان هو وسيلة ( تعزيز سلبي) لتركيع اللبنانيون والعربً. ما فعلته إسرائيل ليس عقابا على عملية الاختطاف بل اعتقد أن إسرائيل فرحت بهذا الاختطاف لتدعي أنها المبرر لعملياتها المقررة سلفاً، بل وأزيد لأقول لو أن إسرائيل كانت تعلم أن ثمن عملياتها في لبنان سيكون ما دفعته من فشل وخيبة أمل في قواتها لما قامت أبداً بما قامت به ولو كان عشرات منهم قد تم قتلهم أو اختطافهم.

الحل الآن يكمن في استمرار اطلاق الصواريخ يوميا من جانب الفلسطينيين على اسرائيل ، فعلى حماس وجميع القوى الفلسطينية ان تعد العدة من الصواريخ والعمليات الفدائية، ان تعرف ما لديها من صواريخ وتقدر مدة زمنية لاستمرار العمليات الاسرائيلية وتطلق كل يوم عدد من الصواريخ حتى آخر يوم في هذه المدة المقررة حتى لو سيطلق صاروخ واحد فقط كل يوم. الحل ان تتحد جميع الفصائل الفلسطينية للقيام بعمليات عسكرية داخل اسرائيل ، محاربة اسرائيل داخل اسرائيل وليس داخل غزة، تماما كما حدث في لبنان فلو لم تتحد القوى الوطنية في لبنان ما كان للمقاومة أن تنجح في عملياتها، وأيضا لولا إطلاق الصواريخ على داخل إسرائيل لاستمرت العمليات الإسرائيلية لأجل غير معلوم.

الحل يكمن في ان تواجه جميع القوى الفلسطينية داخل غزة أي هجوم بري من جانب اسرائيل حتى لو كانت المواجهة بالحصى ، فيجب مواجهة دبابات اسرائيل وآلياتها حتى لو كانت الوسيلة قيام الفلسطيني بتفجير نفسه تحت الدبابة لتعطب وينتظر آخرون من سيخرج من الاسرائيليين منها ليواجهونهم رجل لرجل، فليكن هناك شخص انتحاري لكل دبابة ومدرعة اسرائيلية.

إن استمرار المقاومة سيعطي مساحة تفاوضية اكبر للمفاوض الفلسطيني في حال جلوسه للتفاوض مع اسرائيل وكلما كانت هناك فرقة بين الفصائل الفلسطينية كلما زادت فرصة اسرائيل في استخدام التعزيز السالب وغيره من الاساليب على الفصائل الفلسطينية الرافضة لتحقيق الفائدة لاسرائيل. لقد اعلنت اسرائيل موافقتها للتفاوض مع العرب على اساس من مشروع الملك عبدالله للسلام وهذا الاعلان لم يأتي من فراغ ولا نتيجة للجهود الدبلوماسية فقط وإنما جاء من إسرائيل عندما أرهقتها المقاومة الفلسطينية مهما حاول الكثيرون أن يقللوا من شأنها. ان قبول اسرائيل بمشروع الملك عبد الله للسلام وهي التي لم تقبله من قبل انما يعني فشل اسرائيل في السيطرة على الوضع بما هو عليه . وباستخدامها لأسلوب التعزيز السالب انما تسعى اسرائيل لأن يقبل العرب بما يمكن لاسرائيل ان تقدمه في حال تفاوضها مع الفلسطينيين . في النهاية علينا ان ندرك ان الصمود وتكاتف القوى الوطنية واستمرار المقاومة هما الوسيلتان الوحيدتان لهزيمة اسرائيل، وهما السبيل الوحيد لافشال مخططاتها في المنطقة.

© 2009 محمود أبو رحاب
المقال منشور بإذن من الكاتب.

ليست هناك تعليقات: