2.01.2009

عزيزي شوبان




عزيزي شوبان؛

تحية طيبة وبعد
أعرف أنه من الغرابة بمكان أن أكتب لك، كنت قد قابلت ألفريد دي موسيه من فترة بإستراند، بدا بائساً بشدة بعد أن هجرته جورج صاند لأجلك، واسيته وأبديت إستعدادي لأن أدعوه على زجاجة من البيرة في الإكسلسيور لعله يسترخي أكثر، الأمر الذي دفعه لمزيد من البكاء الهيستيري، لم ينقذني منه سوى رؤيتي لأحد الأصدقاء القدامى ماراً من أمام المقهى، بعد رحيلي لاحظت ورقة غريبة في جيبي، فتذكرت أنه كان قد أعطاني بطاقته قبل مغادرتي، حين قلبتها وجدت عنوان جورج بشجرة الدر في الزمالك، قبالة قويدر، إستغربت بشدة لأني لم أرها هناك قبلاً لكني تجاوزت الأمر ملقياً البطلقة في جيب معطفي. بعد أيام صعد معطفي من التنظيف في يد البواب وعليه بعض الأوراق التي كنت نسيتها في المعطف في كيس بلاستيكي، تناولت الكيس ثم أفرغته على المنضدة، وعلى الرغم من تأثير الحشيش فكرت في أن عنوانك غالباً هو نفس عنوان جورج، وها أنا ذا أكتب لك.
ترددت كثيراً قبل أن أكتب لك، في النهاية لا شئ يبرر لأحد أن يكتب للاعب موسيقاه المفضلة خطاباً إلا أن تكون فتاةً مراهقة، على الرغم من ذلك فقد أصررت على أن أكتب خطابي هذا، كثيرون يعتبرون هوسي بك مرضي، بل وتجرأ أحدهم على مقارنتك بفولفجانج، جهال، أين يقع منك هذا الأبله، ماذا يعرف موزار في النهاية عن النساء، أو المرض، أو الدم أو الجنون، أو كل تلك الأشياء التي تصنع موسيقاك يا صديقي، لا بأس على أية حال، فسيدرك الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
لا أدري إن كان مناسباً أن أحدثك عن نفسي أول خطاباتنا المتبادلة، لكن لا بأس فأنا لا أتوقع من عبقري مثلك أن يقرأ خطابي كاملاً، غالباً ستتوقف بعد أول فقرتين، مغطياً فمك بظهر كفك اليسرى مغمغماً "آآه كم هو لطيف"، ولكي أكون صريحاً معك فذلك يشعرني براحةِ ما، فكرة أن تبوح بأدق أشياؤك في حضور شخص أصم، هي حتماً تجمع الحسنيين، البوح والمجهولية. عم كنت أنوي التحدث على أية حال... آآه الفتاة.

أتدري قبل أن أبدأ ربما قد يكون من الأوفق أن أصف لكَ اليوم، أتعرف جيم موريسون ؟؟ لا يهم، هناك غلاف لألبوم لفرقة روك أمريكية يسمى "الأيام الغريبة"، يسود الغلاف جو من الزرقة الموحية، في حضور مجموعة من الأشياء الغرائبية، قزم ورجل ضخم وأشياء أخرى لا أتذكرها الآن، إنطبع الجو العام للغلاف في مؤخرة ذهني كرمز للأيام الغرائبية، كيوم وفاة جدي لأبي، لم أشعر بأي شئ، فقط غرائبية ما تغلف طقوس دفنه، بطرف عيني عند زاوية القبر لمحت القزم والرجل الضخم يلوحان لي، إبتسمت وأشرت لهما بود قبل أن تنهرني أمي، كان يومي أحد تلك الأيام، في مدينتنا هذه من النادر أن ترى كلباً يعبر ميدان التحرير متأنياً وغير مهتم بالأبواق حوله، حينها عبرت مستظلاً بظل الكلب، متأملاً في الزرقة الداكنة من حولي، ومتحسباً لظهور القزم على ناصية طلعت حرب، وصلت المقهى الذى إعتدت ملاقاتها عليه وإنتظرت، لم تتأخر كثيراً، جلست قبالتي وأشعلت سيجارة، قدمت لي واحدة فإعتذرت.

_بطلت
_من إمتى ؟
_من ساعتين شربت آخر سيجارة ليّ
_ممممم، طيب
"صمت"
_أنا شايفة إننا لازم نسيب بعض
_ليه ؟؟
_حاسّاك مش مرتاح ودا مش مريحني
_بس أنا كويس
_بس أنا مش عارفة أمحي شعوري
_مممممممم
كنت قد بدأت أرى القزم يتجسد على الناحية الأخرى من الطريق، ظل ينظر لي في ثبات، ثم أخذ في عبور الطريق في ذات اللحظة التي داهمته فيها عربة زرقاء يقودها الرجل الضخم وبجواره شخص يرتدي قبعة وعلى وجهة تفاحة خضراء.
لطالما كان إستقبالي للموت عجيباً، حتى موتي الشخصي، رأيته بأم عيني مرتين، الأولى حينما نسيت أن الشضارع الذي أعبره إتجاهين، في ذات اللحظة التي قرر فيها إبن وزير ما بعربته البورش أن يجرب إلى أي مدى قد يصل مؤشر عداد سرعته إن دهس دواسة الوقود بأقصى ما يملك من قوة، ولحسن حظي إستحقت العربة كل مليم دفع فيها، فقد توقفت –على الرغم من سرعتها الهائلة- على بعد سنتيمترات مني، فيما بعد أخبرني سائق سيارة الأجرة التي أقلتني بعد الحادث، أنه لم يبد على وجهي أي تعبير، فقط وقفت مواجهاً للعربة واضعاً يدي أمامي داعياً إياه للتوقف، إستغرب صمتي التام قائلاً "أنا لو مكانك كنت عملت مناحة"، الثانية حين كنت أمسك لأبي بمنشاره الكهربائي الجديد مجربين إياه، وضعته قبالة صدري غير منتبهاً في حين وضع أبي الفيشة في القابس، ثم نظر إلي متعجباً أن لماذا لم يعمل، قبل أن يصيح محذراً "شيل البتاع من على صدرك يا غبي"، ساعتها فقط إنتبهت لأني أضع منشار كهربائي أمام صدري، وللآن أتعجب كيف لم أمت حينها، لم يمثل لي الموت كماً مخيفاً في أي لحظة من لحظات حياتي، لطالما راوغت فكرة وجوده، لم أصدقه، وبالتالي لم أتأثر لمرأى الرجل يموت على يد رفيقه القديم.
_سرحت فإيه ؟
_القزم
_أنهي قزم ؟؟
_ما علينا، كنتِ بتقولي ...
_إنتَ بقيت غريب قوي وأنا مش مرتاحة
_وبعدين ؟
_أنا ماشية
_سلام
تركتها تنفلت هكذا، دون أن أحرك إصبعاً، ربما لم تكن تعنيني بأكثر مما بذلت من جهد لإستبقائها –وهو معدوم على أية حال-، ربما كنت قد مللت من موت علاقتنا البطئ، ربما شعرت بخفة مفقودة، آلاف الإحتمالات لكن لا مجال لذكرها هنا يا عزيزي شوبان، ربما في خطابي القادم..
تحياتي لك وللعزيزة جورج.
صديقك المخلص؛
.....

هناك تعليق واحد:

عمرو عزت يقول...

أكيد كان شوبان هاينبسط جدا برسائلك يا زنجي.
لو منّك كنت أكمّل وأقول له كل اللي في نفسي