4.19.2009

قليل من قسوة الأخ الأكبر

كنت نائماً عندما اقتحم غرفتي ومعه إمرأته، قمت فزعاً لكنني شعرت بخدر في ساقيَّ فلم أستطع تحريكهما بتاتاً، أضاءت المرأة المصباح، فرأيتهما يقفان ويبستمان بتشفٍ أصفر اللون، سألته خائفاً "أتريد شيئاً ؟"، فلم يرد، ثم صار يتجول في منتصف الغرفة وهو يتأمل محتوياتها بإمعان شديد، فتح خزانة ملابسي، ثم أخرج كومة منها، وصار يلقي قطعة وراء قطعة خلف ظهره ويقول في ملل "ملابسي.. ملابسي.. ملابسي"، والمرأة خلفه تلتقط قطع الملابس وتضعها في كيس كبير، ثم أخرج قنينة عطر غالية من قلب الخزانة، وأمسى يلعب بها كالكرة حتى سقطت عفواً – أو قصداً – من يده، فقال بصوتٍ آسفٍ زائف "آخ.. متأسف"، ثم عاد يقول "ولما التأسف ؟، هذا عطري"، ضحكت المرأة ساخرة، فسألها "حبيبتي، أتحبي أن تري المزيد ؟"، هزّت رأسها مؤكدة الأمر وهي لا زالت تضحك، سحب موسوعة ضخمة من مكتبتي المجاورة للخزانة، وألقاه على الأرض، وداس فوقها حتى ارتفع قليلاً إلى أعلى، وسحب مجموعة كبيرة من الكتب، وظل يلقي بواحدة تلو الأخرى وهو يقول "هذا كتابي.. وهذا.. وكذلك هذا.. وأيضاً هذا.."، حاولت النهوض مرة أخرى لأرده عن فعله، لكن الخدر الذي أصابني في الساقين جعلني لا أشعر بهما، فخفت أن أفشل في القيام وأسقط على الأرضية أمامه، حتى أخرج بيده اليمنى مدية صغيرة من جيبه الخلفي وطعن بها قلب كتاباً كان يمسكه باليسرى، ثم رفع المدية المغروسة بالكتاب إلى أعلى وظل يتأمل منظرهما للحظة، صرخت "ماذا تريد ؟"، فقال ببرود دون أن يحرك رأسه أو عينه بعيداً عن المدية والكتاب "أريد أشيائي"، وترك المدية تسقط بالكتاب على الأرض، ثم أخرج ألبوم يحمل الصور التي جمعتنا سوياً، وجلس على مقعد في ركن الغرفة المقابل البعيد، وفتح الألبوم وصار يقلب في صفحاته بتمهل، وقال "أنت تعلم يا أخي أنني أحبك، لكنني أريد فراقك، أريدك أن تفارق قلبي، تدعني وشأني"، فقلت له في تعجب "لكنني لم أرك منذ زمنِ بعيد ؟ فكيف أدعك وشأنك وأنا لا مصلحة لي فيكَ ؟"، لم يجب على سؤالي، وأخرج صورة ورفعها إلى مستوى عينيه وظل يتأملها بضعة دقائق حتى تململت المرأة في مكانها، فمزق الصورة إلى نصفين ودسّ النصف الأول في جيب بذلته سريعاً كمن يسرق شيئاً وألقى إليّ بالنصف الآخر لكنه لم يصلني وتدحرج على أرض الغرفة، ونهض إلى الكتب المبعثرة وانتزع مديته من قلب الكتاب، ووقف أمامي مشيراً بالمدية إلى عنقي وقال "أنزع ملابسك"، فتحت فمي لأعترض، فأدار المدية في يده ولمع نصلها الحاد القاطع في عينيَّ، نزعت الجزء الأعلى من الملابس صامتاً، قال "الباقي"، نظرت إلى إمرأته الواقفة عند باب الغرفة نظرة رجاء وقلت في مذلّة "لا أستطيع"، فهوى بلطمة قويّة فوق وجهى، فهويت فوق السرير مغشياً عليَّ.
عندما استيقظت مرة أخرى، كنت أشعر بالصقيع يجثم فوق جسدي ويقرض أطرافي، قمت بنصفي الأعلى ووجدت نفسي عارياً تماماً من كل الملابس والأغطية التي كنت تحتها، حتى الشراشف التي كنت نائم فوقها لم أجدها، تأملت الغرفة في ضوء الفجر الخافت، فلم أجد شيئاً يذكر لم يأخذه معه، الكتب، الملابس، العطور، وحتى السجادة التي كانت تتوسط الغرفة، الغرفة مجردة من كل كل شئ، أحسست بجانب وجهي ساخناً، أثر اللطمة الأحمر فوق وجهي أثبت أنه لم يكن كابوساً قط، شعرت بالبرد قارصاً، فأحطت ذراعي حول صدري العاري طالباً الدفء، حاولت النهوض لأبحث عن قطعة تسترني وتدفئني، فاختل توازني وسقطت من فوق السرير، لم يزل الخدر يشلّ أعضائي السفلى، أحسست نصفي الأسفل كحجر ثقيل بارد، صرت أضحك وأقهقه على أرضية الغرفة حتى ألمتني معدتي، ولم أعرف إن كانت ألمتني من الضحك أم من برودة الأرضية !!

هناك تعليق واحد:

Yasser_best يقول...

كم نقتل أنفسنا بقليل من القسوة!


هذا العدو الذي ينهش في أجسادنا ويلتهم عقولنا، ليس ببساطة سوى نحن أنفسنا

لعل الأرضية الباردة التي تؤلمنا، تدفعنا إلى البحث عن أرض أكثر دفئاً وطمأنينة، كي نقف فوقها بثبات