7.28.2009

النوم تحت العتب

- وما يخلصش الوقف وراه-

... بأستريح أكتر لما أنزل قدام العتبة وأخبط وأستنى قدام الباب، النور لما يتسّحب ويخرج، الصوت اللى بره لما يقلّ وينيّم، خبطة واحدة، خبطتين، الصوت اللى من جوه عالى بسّ مكتوم، ممكن بيسأل "مين ؟"، يمكن بيقول "إدخل"، يمكن بيصرخ "إمشى"، يمكن مش سامع أو مش عايز يسمع الخبط على بابه، سرسوب النور من عقب الباب لما بيرّعش البدن وأنت محجوز وراه. كل اللى سافروا وغابوا ورجعوا ووقفوا ما كانش فيه حد فيهم زيي، يقدروا يفتكروا ساعة ما الحبايب أخدوهم بالأحضان، وساعة ما سابوا دموعم في قصمانهم، وواحد اتفأجوا بوجوده، أو إن كل حاجة فضلت في مكانها زي ما سابوها، فى نفس المطرح تمام، صور كتيرة في الخيال مزحومة بتفاصيل أكتر، فيها شماعة وفوطة وحنفية ميّة وأكل على السفرة، وأنا كل بأفكر فيه عتب مقفول أو مفتوح، وراه اللي وراه ..
حصل إنى شلت بلاط البيت الأصفر وحجر العتبة الأبيض وعبّيته في الشنطة ومشيت، كل اللي ضاع في مسافة سكة ما غبت ما كانش مهم، أو ماكناش مهم قد اللحظادي، -مع إنى رضيت "قبل" ورضيت باللى عرفته عن "بعد"، يمكن الرضا كان هو الأجدر لى بالكلام عنه-، من أول الشارع بأهدى في مشيتي وأتأمل أفعال الوقت وألعابه في غيابي، في الأسلفت، في البيوت، في البلكونات، مين علي، مين وطي، مين قبّ ومين غار، وأخبّط على باب فوقانى من باب الإحترام والأدب، أوطى راسى من باب الخضوع والإعتراف، وأنزل سلمتين في الضلمة كأني بأنزل ميت سلمة، أخد نفس عالى أخير متشبع بريحة التراب الناعم والنور الدافى، وأمسح رجلي في العتبة وأدق على شقة فاضية مهجورة وما استناش حد يفتح لى

*الصورة من كوم الدكة للفنان أسامة مهران

7.01.2009

ياسين

قال الراوي:
.. سار ياسين -يا سادة- طوال الحارة الضيقة التي تتوسط ضفة المصرف الزراعي الداكن وشريط السكة الحديدية اللامع، منتصباً كشمس الظهرية التي يسير تحتها، بهيّة الخائفة تنادي في الريح "يا بن عمى، يا بن عمي"، لكن هناك مزماراً يصم آذانه عن كل شئ، صرخت بهيّة "يا بن عمااااااااااااااااي". ليس هناك من يحتمل هذا القيظ، الشمس مثبتة عمودياً فوق الأرض تلفح وجهه بلهيبٍ حارق، صورة البلدة الشوهاء المنعكسة فوق سطح الترعة الغائم تبدو أجمل مائة مرة، والمزامير النائحة تهيج الدموع في عينيّ ياسين.
..
قالت بهيّة أنه لم يعد يسعى وراء حبّها، لكنهم حذروه قائلين "لا تتعتع من مكانك"، وخلخال بهيّة الأحلام لا يزال ماثلاً أمام عينيه، يرن بجرسٍ يثير حواسه جميعها، تناديه أصداؤه ضد العيون والفوهات الراصدة، وتتردد في رأسه الصلب أطياف بهيّة أخرى. وفي المسافة بين فسحة الدار وبابها وقف وأخذ نفساً عميقاً، الظلّة والنور، السكون والحركة، الحلم والتهور، الموت والنجاة، لم يتردد كثيراً، أخرج الزفير حارقاً من صدره وخرج مخلفاً وراءه داره وبهيّة والبلدة كلها.
..
كان يسير بلا هدى، ووجهته قدماه ناحية المحطة القديمة، هناك عند مبنى المحطة القديم وتبة تعلوها شجرة توت عجوز وحيدة، طويلة البال، رائقة المزاج، تنثر أزهارها عبيراً بلا بخل كلما هز صفير الرياح أغصانها، لطالما أسمعه حفيفها في الليل قصائد تتلوها الشجرة همساً، حتى جاءه ملثم صاحب عيون صقرية مكحلة، ترزح فوقها عمامة كبيرة، وتجاورها عصفورتان موشومتان فوق صدغيه، كسر نايّه الحزين فوق ركبته، واختطفه إلى الدار. لحظتها رأي ياسين وهو مساق البلدة من أعلى التبّة تقع وتغرق في فيضان نيلي عظيم، والقمر يغادرها بلا رجعة، والنجوم لا تخالط سماءها مرة أخرى، والغيلان تتقافز في أراضيها، سالت دمعاته في قنواتها صابرة صامتة.
..
عندما عوى كل شئ في أذنه فجأة، رصاص البنادق، نواح المزامير، نداء بهيّة، "يا بن عماااااااااااااااااي"، دق صدرها، نحيب المواويل، لم يتردد بتاتاً هذه المرة وتهاوى الجلباب الفارع النحيل فوق السكة وحيداً كالشمس المستقرة في كبد السماء فوقه.
..
رشف الراوي رشفة هادئة من شايّه، وختم قائلاً:
وقال الرب "من الآن، لا تسكتوا صوت المزامير العالي في آذان البلدة".