9.27.2009

صفحة من اليوميات: الميتين

قفشت نفسي نايم وأنا ماشي في الشارع، النوم حَبَك معاه يزورني بعد خمس أيام من الأرق، كنت همدان، صايم وما تسحرتش، الشمس فوقي سطيحة، بسّ الجو كان مهوي والنسمة مصحصحة، كمان الشارع كان رايق من العربيات والناس، راسي مالت شمال ولورا كأني مغمى عليّ، وصلت للمستشفى وسألت عليه، طلعوني الدور الخامس، لما دخلت له لاقيته بيغير هدومه، لابس قميص سمنى وبنطلون رمادي وعليهم بدلة صوف من نفس لون البنطلون، أخدني من إيدي من غير ما يسلّم عليَّ.
اتمشينا في الطرقة، أول حاجة قالها لي، "معاك سيجارة ؟"، طلعت علبة وناولته واحدة، جيت أطلع معاها الولاعة، ردّ إيدي، فضل يقلبها بين صوابعه، قلت له "عامل إيه ؟"، اتنهد وقال لي "جعان"، كنت عارف إنه كل مرة ينزل هنا لازم يحس بالجوع، سألته "عامل إيه غير إنك جعان ؟"، سكت شوية وسألني هو "أمك عاملة إيه؟"، قلت له "كويسة"، "إبقى سلم لي عليها"، كان بيسحب رجليه على الأرض، وكل ما يتك على رجله الشمال، يبان على وشه الوجع، حاولت أمسك دراعه عشان أسنده، بس هو فلّتها من إيدي، واصاني أقول لتيتي تعمله أكل، هزيت راسي وقلت "حاضر"، وقف في مكانه ساكت شوية، كانت الطرقة لسه ما خلصتش والنور من العنابر خارج يعاكس في بعضه على الأرض المتلمعة، والممرضات واقفين متبسمين عند نهاية الطرقة بيتفرجوا عليه وهو بيحبي برجلين زي العيّال لما بيتعلموا المشي، لف على رجله اليمين براحه واتسند على كتفي.
وإحنا راجعين خرج دكتور صغير السن من أوضة مضلمة، ماسك في إيده ملفات، سأله "معاك ولاعة ؟"، الدكتور قفلّ حواجبه ورد "التدخين ممنوع هنا"، مفيش دقيقتين كان مجرجره في الكلام، عن نظام المستشفى والزيارات والبيات مع العيانين، لحد ما خدوا على بعض وضحّك معاه، حسيت بالغيظ منهم، وقاله في الآخر "تسمح تولع لي ؟"، فتش الدكتور في جيوبه عن ولاعة مالاقاش، جيت أطلع ولاعتي، رد إيدي، وشدني ومشي بيَّ لحد أوضته.
لما دخلت الأوضة دورت عيني فيها، لاقيت طواجن الأكل في مكانها متغلفة بالألمونيوم، الزر والخضار والكبدة، الصراحة أنا استغربت قوي، وقلت من دهشتي "الله!، ده الأكل زي ما هو اتلمسش!"، ضيق عينيه وزام، "ماليش نفس"، اتهمدت على الكرسي ساكت من غير ما أناقشه، حسيت إني مهدود ومحتاج أنام من كتر التفكير والتعب والمشاوير، قالي "لو عايز تنام .. السرير آهوه"، ما كسرتش كلمته، رفعت ملاية السرير وخشيت تحتها، كان واقف قدام المراية بيمسح دقنه ورقبته الممصوصة، فردت جسمي، صوت العصافير بره كان آخر حاجة وعيت عليها قبل ما أروح في النوم.
لما صحيت، كانت الدنيا مغرب، وقت الأدان بالظبط، أول حاجة اتبينتها إن باب الأوضة مفتوح وإنه ماكانش موجود هنا، أول ما قمت عدلت هدومي ودخلت الحمام شطفت وشي وخدت الطواجن معايا على مطعم المستشفى وقعدت أفطر، شلت الفويل عن الكبدة وغمستها بالفتافيت العيش اللي لاقيتها موجود على الترابيزة ودسيت وشي في قعر أكلي ساكت.
*
إيه يا سيد يا سويسى؟، رحت فين؟، لساك بتضحك زى عادتك فى أحلامى، كنت بقميص صيفى خفيف مقلّم ولا كان سادة؟، وشنطة قديمة مقلًمة أخضر فى أحمر مش ظاهرة فى صورة خيالاتي لكنها بتحكى عن كل تغريبة وسفرية وكوفيتك الشتوية وشرايط صوتك، الدقى بتحلف بضحكتك، وعزبة ولاد علاّم والعجوزة القديمة، الشمس اللي بتحبها لساها بتيجى لحد النهاردة حتى لو مش على طول، وتنوّر الدقى من تانى بألوانها الطبيعية المسروقة، يا أبو طارق.. يا للي عملتنى قيمة الضحك فى وش نعمة الدنيا.. بس قولي ليه بتختفي وتوه عني ؟.. أنا أنا نفس الولد اللي كان بيجي لك لسه بأجي لك..
افتكرت وفكرت وسرحت وأنا راكب رايح القطامية، زي اللى بأنتقل من ليل لليل، مش باين تحته غير عواميد وعربيات أسفلت الطريق اللى شق الصحرا والمقابر الخرسا، مديت نظري في الضلمة وغبت عشان أنسى خوفي من وحدتي.
*
عديت في الحارات الضيقة ما بين البلوكات اللى مجاري الصرف نحلت ضهورها ونشرت صنانتها، وضلّها القطراني طابق على ضلوع صدري، الناس اللى رايحة وجاية بتتستر في ضلمتها، كأنهم أشباح بتعدي ويّا الهوا في السرّ.
لما وصلت البيت لاقيت كل شبابيكه مفتّحة على آخرها، صقفت بإيدي وأنا داخل وقلت "ياللي هنا"، البيت كان فاضي من كل العفش إلا كنبة وحصيرة وقلة مية، والحيطان كانت على المحارة، جاوبني صدى الصقفة وشخشخة صدره بالكحه، خرج عليّ بيشد رجله التقيلة في الطرقة، كان بيتمم وسمعت كلمة واحدة، "خش"، لكني ما اتقدمتش ولا خطوة، لما وصل لي شدني من إيدي، وسألني "إيه اللى جابك هنا ؟.. اقعد اقعد"، قعدنا على الحصير متربعين، سند ضهره على رجل الكنبة، سحب من تحت مسند الكنبة علبة سجاير، طلع منها ورق بفرة وسيجارة وفصّ ملفوف بسلوفانة، قالي وهو بيلحس جنب السيجارة، "قوم إعمل شاي لروحك قبل الأدان وأنت راجع هات الشرموطة معاك".
لما خرجت شايل كوباية الشاي السخنة بالخرقة سمعت صوت البط والفراخ ماشي بيتدألج ورايا، سألته بصوت عالي "هو مين اللى بييجي يشوف الفراخ ؟" وما ردش، لما قعدت قال، "ستك أم طارق بتنزل كل يومين تشقر عليه"، بصيت من الأرض على الدنيا بره البلكونة الدنيا ما كانتش نهار ولا كانت ضلمة، غيوم شتا حبست الشمس عن شروقها في السماوات.
قطع سرحاني لما سألني فجأة "وإيه كمان ؟"، "إيه ؟"، وأنت عامل إيه في دراستك ؟"، عيني راحت في الأرض وقلت متضايق "بأسقط"، هزّ راسه هزة خفيفة وسكت من غير ولا كلمة، طبطب على فخدي وقال "قوم بص على تعريشة العنب اللى هناك ديّه"، لما قمت لها افتكرتها، نفس التعريشة بنفس التفاصيل، بس ورقها كان دبلان وناشف، هاش في إيدي، قالي من مطرحه بثقة متناهية "كلها شهر وتلاقي عنبها طرح"، كنت مستغرب إزاي بس صدقت كلمته، لما رجعت له قام اتسند على إيدي، "أنا داخل أنام"، واتاوب ببق مفتوح، "لأه... قول ليحيي إني عايزه حالاً"،"حاضر، تصبح على خير".
ضهره المحني وهو راجع على أوضته ثبتني مكاني، اتخضيت من نفسي لما لاقيت روحي رايحة معاه، وإن مفيش حاجة من التاريخ عليها، وإن إسمي وأصلي وفصلي اتسمح في لحظة واحدة، قفلت محبس المية، وهيشت أصوات الفراخ والبط على العشة، شديت أكباس الكهربا، وقفلت باب البيت بالمفتاح، ورحت الدقي عشان ألحقه هناك.

هناك تعليقان (2):

ماشى الطريق يقول...

ولد :)

The_B يقول...

لا ولد صحيح يخربيتك