1.01.2010

هامش عن القيمة

في سيرته الذاتية الرائعة "خارج المكان" يؤكد إدوارد سعيد طوال صفحات الكتاب على عنوانه، ذلك الفتى فلسطيني الأب والأم الذي تربي في القاهرة وسط مجتمع كامل من الأنجلو-فون لم يعرف من فلسطين سوى زيارات العطلة الصيفية ولم يعرف من القاهرة سوى الزمالك، وعلى الرغم من جنسيته الأمريكية فهو حتماً ليس أمريكياً، ويشير سعيد مرات إلى أن إختياره لهويته كان مسألة خيار، في الواقع... كانت أمام سعيد فرص متعددة للإندماج في مجتمع قائم على التعدد العرقي مثل المجتمع الأمريكي ليكون أحد الخواجات الذين يتكلمون عن أبناء جدتهم عن قضاياهم بطريقة لا تختلف كثيراً عن تلك الطريقة التي أتكلم بها عن الصراصير، لكن سعيد "إختار" أن ينتمي إلى قضية، إختار تماماً.. القيمة.
أيضاً يحدثنا المسيري في سيرته "غير الذاتية غير الموضوعية" عن فكرته بشأن المجتمعات الحديثة وأسباب تحللها والإنهيارات التي تعانيها من داخلها مركزاً على فكرة الخلو من القيمة، ويرفق المسيري اللاحقة خالي من القيمة Value free بالعديد من الأشياء كان أهمها في نظري هي المتعة، ويستفيض المسيري شارحاً في معنى أن تكون المتعة خالية من القيمة هو التطرف في البحث عنها، ومادامت لا يحدها معنى فكل الطرق في البحث عنها مشروعة بحيث تصبح المتعة هي محور إرتكاز حياة الإنسان الحديث.
وبشكل عام تبدو "القيم" و"المعنى" كلمات شديدة الوطء، "ثقيلة" لو أردنا إستخدام المصطلح الكونديري، في الواقع تلك الأشياء المثقلة بالقيمة أقل إمتاعاً بمراحل من تلك الخالية منها، مثلاً الإنصياع للقانون في مقابل عصيانه، آندي فارهول في مقابل فان جوخ، كوينتن تارانتينو في مقابل كيشلوفسكي.
وبشكل من الأشكال تمر حياة الإنسان بالصراعات ذاتها، الخفة المطلقة في الطفولة والمراهقة، ثقل مواجهة الواقع في الشباب، ثقل العيش بالتزامات مراعاة الآخرين عند الزواج، في مقابل العلاقات المفتوحة والخالية من الإلتزامات، وبشكل عام تمر كل التفاصيل الإنسانية من خلال هذين المعنيين الحديين وبدرجات مختلفة.
هذه المقدمة كانت ضرورية لأعلن أني أفضل المعنى والقيمة على المتعة، وأن هذه الأشياء هي محاور الإرتكاز الأساسية التي تقوم عليها حياتي، وإني قد أخاطر بأن أبدو ثقيل الدم وممل حين أتحدث عن أم كلثوم بوصفها (ممثلة لتقاليد غنائية عريقة) عن أعلن حبي لمغني تافه وإمعة مثل عمرو دياب، حتى وإن كان عمرو دياب أكثر شعبية بما لا يقاس من الفقيدة الممثلة.

ليست هناك تعليقات: