12.14.2010

شهادة عن محفوظ



لا أتذكر تحديداً الوقت الذي تنبهت فيه لأعمال نجيب محفوظ، كبرت كما كبر أبناء جيلي على الطنطنة الرسمية في الكتب المدرسية على انجاز نوبل والقيمة الأدبية العظمى لمحفوظ، لم أدرك تحديداً ما يتحدث عنه الجميع إلا حينما تابعت بكل شغف مسلسل "حضرة المحترم" المأخوذ عن رواية بذات الاسم لمحفوظ في مرحلتي الإعدادية، أعقبته بقراءة للرواية ذاتها، مازلت أتذكر دهشتي العارمة من الرواية لأنني دهشت حين قرأتها ثانيةً منذ أسابيع بسيطة، كانت المرة الأولى التي أشهد شخصية على هذا القدر من التعقيد متجاوزاً القصص المبسطة عن روايات ديكنز ومسرحيات شكسبير المعدة للناشئة، لم أفهم على وجه الدقة سعي عثمان بيومي النيتشوي وراء الشعلة المقدسة في رحلة يمتزج فيها الغرض الصوفي بالغرض الحسي، لكني شعرت بعالم مترامي الأطراف لا أكاد أحيط به، كنت ومازلت مبهوراً من صنع محفوظ في روايته تلك، ذهنية عالية بعاطفة جياشة.

في ثانوي استوليت على نسخة أمي من أولاد حارتنا، نسخة دار الآداب البيروتية مصفرة الأوراق في ركن مهمل من مكتبة العائلة، كان تعقب التشابه بين فصول الرواية وبين ما أعرفه عن قصص الأنبياء سهلاً، لكن الفصل الأخير تحديداً –فصل عرفة- أربكني، لم أدرك حينها أيضاً –ولم أعد للراوية منذ ذلك الحين لأحدد الآن بدقة- ماذا أراد نجيب محفوظ بعرفة واقترابه من الجبلاوي أكثر ممن سبقوه، هل يمكن القول بأن محفوظ أراد تمثل الديانات الثلاثة الكبرى من خلال شخوصه، أم أرادهم ممثلين لطرائق أساسية في الحل البشري (المادي – الروحاني – الوسط بينهما)، أغلقت الرواية بعدها بانبهار نبع أساساً من تأثري بفكرة "قراءة الرواية الممنوعة" ما لبثت أن نقضته بكون الرواية "مبالغ في تقديرها" وحتى الآن لم أعد لأقرأها بعين في الغالب هي أكثر نضجاً من عين ابن الخامسة عشرة.

انقطعت خمس سنوات عن أعمال محفوظ، ثم عاودت قراءته في العشرين، كانت الحرافيش هي بدايتي الجديدة، وكنت مبهوراً، حينها كان يشغلني بشكل عنيف فكرة كيفية "تأصيل" الرواية، كيفية استيعاب هذا الشكل السردي داخل الثقافة الأدبية العربية التي لم تعرف على وجه الدقة هذا الشكل في السرد قبل احتكاكها بنظيرتها الأوروبية، كانت الحرافيش حلاً، الطريقة التي استخدمها محفوظ في بناء عمله الفذ لم تبد لي أنها قابلة للتطبيق على أعمال أخرى، نوعية القصص والأجواء، لفتات عبقرية لازالت تثير في نفسي شيء من الغيرة لإدراكي أني غالباً لن أدرك ما قد يجريها، كالرجل الذي بنى مأذنة بدون مسجد ليعمر في الأرض، كانت بداية جديدة تماماً كأنني لم أعرف محفوظ من قبل.

لن استطرد في انطباعاتي حول أعمال محفوظ على الرغم من رغبتي العارمة في امتداح اللص والكلاب أو الاستفاضة بخصوص حضرة المحترم أو مجموعة الحب فوق هضبة أو ليالي ألف ليلة أو عصر الحب.. إلخ، لكني سأكتفي بذكر أكثر ما أقدره بشأن محفوظ.

كان محفوظ مجرباً عظيماً، لم يترك بابا لم يطرقه ليدفع قدرته على التعامل معه إلى أقصاها، وفي اعتقادي لم تمر تفصيلة عبثاً في ذهن الرجل، مر بكل ما مر به في حياته ليختزن ما يصنع به فناً عظيماً، وفي رحلته تلك لم يتنصل محفوظ مما كتبه –وكان بعضه في غاية السوء حقاً- قائلاً "أصلي كنت بلعب"، كان محفوظاً "لعيب" بقدر ما كان إنسان، تستهويه الصنعة أحياناً فيصنع ما يرضي رغبته، لكنه أعماله الأعظم ارتبطت بقدرته المهولة على التبصر بروح الناس من حوله، قدرة لا يملكها إلا أولئك البشر الذين يحبون ناسهم حقاً ويحبهم ناسهم.

11.28.2010

حوارات بسيطة في قطار العاشرة

العربة الأولى من المترو - العاشرة مساءاً

سيدة عجوز جالسة بانزعاج بادٍ، لا بأس، شاب قبطي -صليب ذهبي واضح يتدلى من العنق- ومعه خطيبته ينظر حوله بتوجس حذار أن تكون عين أحدهم على صدر فتاته الناهد، فتاتين، إحداهما محجبة والأخرى غير محجبة تتبادلان حديثاً غير مسموع يرجح أنه نميمة اعتدن على تبادلها للتسرية، وآخران يختلسان النظر منهما وقد تنحرف أعينهما إلى صدر فتاة صديقنا القبطي، وفتيان يقفان بجوار الباب، وأنا، مستند برخاوة إلى الباب المقابل.
لا شيء يلفت النظر بالمترو، لا شيء سوى الفتيان، مراهقان كما تكون المراهقة، ملابس رياضية، سلاسل غليظة، شعر مغطى بمواد دهنية لزجة، وصوت الموبايل يشق وحشة المترو بأصوات تزيدني وحشة، لا شيء يلفت النظر قبل أن يتحرك أحدهم فجأة باتجاه الباب، يمسك بطرفيه ويجهد نفسه في فتحه أثناء سير المترو، اقترب منهما لأستمع إلى ما يقولان.
_قلتلك مش حتعرف توقفه
_يا عم حوقفه صدقني، أنا بس أفتح الباب دا والمترو حيقف

أدرك ما يصبو إلى عمله بالتساوي مع مقدار التستوستيرون الصاعد إلى مخه ليقنعه بفعل استعراضي أحمق مثل فعله، أقف مراقباً باستمتاع، منذ سنوات لا أتدخل فيما يحدث في الشارع، للناس إيقاع داخلي لا أدركه، وللصدفة البحتة أسمع عن أحداث الشارع المؤسفة ولا أراها، لا يكفي حماس الناس إلا إلى بضع صرخات محمومة يطلقونها ويذهب كل منهم في طريقه، يتجه الفتى للباب، يحاول مرة ثانية لا يستطيع، يعود لصاحبه..
_ما تساعدني يا عم؟؟
_أساعدك إيه يا عم بلاش مشاكل..
_مشاكل إيه ياض ما تبقاش كس، محدش حيقول حاجة

لم أكن مستفز حتى هذه اللحظة، على الأغلب لن يستطيع الفتى أن يفتح الباب، وحتى لو استطاع سنكون قد وصلنا إلى المحطة القادمة -محطتي- قبلها، لم أكن طرفاً على الإطلاق، لكن شيئاً ما فيما قال أثار استفزازي، ربما الغاؤه وجودي تماماً، أو الشرعية التي أضفاها على خرقه البالغ، لا أدري على وجه التحديد، تجمدت في مكاني حتى تحركا.
_هو أنتوا بتعملوا إيه بالظبط؟؟
تجمدا، لم يكن أحدهما ليتوقع أن يتدخل أحد فيما يفعلان، ليس بهذا الشكل السافر على أية حال، وقفا بارتباك قبل أن يجيب أحدهما..
_ لا مفيش..
_ مفيش إزاي يعني، أنا سامعكم عايزين تفتحوا الباب
_ كنا حنجرب..
_ طيب إبقى جرب بعد ما أنزل، عشان أنا مش حسيبك تفتحه

يبدو على أحدهما التراجع، قبل أن يجيب الآخر
_ يعني إنت خلاص شايفنا حنفتحه يعني
_ لا أنا شايفك بتقول محدش حيتكلم، أنا بقول لك ما تفتحش الباب
_ خلاص يا أيمن، سيب الباب لحسن عمو مستعجل
_ متشكر قوي يا حبيبي

يعودان إلى مكانيهما مخذولين، لا شيء أسوأ من خذلان دفعة كاملة من حمق المراهقة في طريقها للفعل، يبدوان على قدر من الغيظ بينما أنعم بصوت عبد المطلب في ذهني يغني ودّع هواك.
لم يلتفت إلينا أحد، لا أحد راغب في الدخول إلى جدلٍ ليليّ مع مراهقين لمّا يتما الثامنة عشرة، أنظر حولي بلطف ساخر، كل هؤلاء البشر وأنا بينهم، لا نهتم لأن نحرق أحياء، لا نهتم إن بتنا في بيوتنا فانهالت علينا الأسقف في مزاح أقرب إلى روايات ألبير قصيري منه إلى الواقع، لا نهتم لفتح باب المترو بينما هو يتحرك ليتوقف في نفق لا يدري أحدهم أي الطرق فيه تؤدي إلى أين، لا نهتم كثيراً.
يقترب أعرضهما حاملاً علبة مفتوحة من عصير البرتقال
_ اتفضل معانا
_ إنت اسمك إيه؟

يبدو مصعوقاً، في الثقافة الشعبية يبدو السؤال عن الإسم موحي بالنفوذ، لا يحب الناس ترك أسماءهم في الشجار، يعتمدون كليةً على مجهوليتهم التي يتساوون فيها، لكن إن سئلوا فيجب أن يجيبوا عما سئلوا لئلا يظن الآخرون أن بهم ضعفاً أو رهبة، تمنعهم عن الإجابة، الأذكى هو من بادر.
_ مهيب
_ منين يا مهيب؟
_ من الدقي
_ وصاحبك من الدقي برضه؟
_ آه
_ ساكنين فين؟
_ عند مترو
_ اللي في إيران
_ اللي في المساحة
_ أنا محمد من سليمان جوهر

يبدو عليهما القلق، سليمان جوهر ليس سيئاً للدرجة، لكن سمعته سيئة بما يكفي، يطلب منه صديقه أن يسألني عن محمد النجار
_ بيقول إيه صاحبك؟؟
_ تعرف محمد النجار؟؟
_ إنت عندك كام سنة؟
_ 17
_ آه لأ أنا معرفش حد من سنك، لو تعرف الناس الكبار، بعجر ومحمد عبد الله فدول اصحابي

كنت أكذب، ليس لي أي أصدقاء في الحيّ لكن سطوتي المزعومة اقتضت أن أدعمها بالأسماء التي سمعت عنها حينما كنت في مثل سنهما.
_ لا معرفهمش
_ معلش بقى لما تكبر، يالا أنا نازل هنا، إبقى تعالى كدا، وما تبقاش تفتح الباب تاني

أتركه مربتاً على كتفه في حركة أبوية محضة، بينما أشعر بنظرته المنزعجة تخترق ظهري.

9.19.2010

العاشرة من صباح اليوم

كنت في التاسعة من عمري حينما بدأت أَمَل الدراسة مللاً عميقاً، كان موقعي في الفصل حينها يقع بجوار نافذة تطل على الشارع، بعد الحصة الأولى وعند لحظة معطاة لا قبلها ولا بعدها كنت أتململ من الجلوس وأنظر إلى الشارع مراقباً المارة، أو أعلق بصري على قمة برج القاهرة الجلي على امتداد البصر مفكراً فيمن عساه يكون على قمته في تلك اللحظة، كان هذا هو منتهى أملي أن أترك كل الأشياء ورائي، قميصي الصوفي الثقيل وحقيبتي الملأى بروايات أدهم صبري، مصحفي الأزرق وكتبي الدراسية، كرتي البلاستيكية ومقلمتي -الأكبر على الإطلاق في المدرسة-، كراس رسمي وطعامي، المدرسين والطلبة، السبورة والطباشير، المدير والفناء وشبكة الكرة الطائرة، كل شيء كل شيء، لأتلاشى مع المارة في الشارع الطويل المؤدي إلى وزارة الزراعة في العاشرة من صباح اليوم.. فقط في العاشرة من صباح اليوم.

9.09.2010

هامش على مسألة العيد

في الواقع معنديش أسباب فعلية لأني أحب الأعياد، هي أيام زي بقية أيام ربنا مقدرش أقدرها زيادة لأني بعمل فيها نفس اللي بعمله في الأيام التانية "ولا حاجة"، إضف إلى دا بقى إنها أيام زحمة دايماً، العيال فيها بتهيص بصفة مستمرة، أعتقد أي بني آدم طبيعي في ظل المعطيات دي لازم يكره الأعياد.

بالنسبة لي كمان الموضوع أعقد، الأعياد بتمثل بصفة أساسية حفاوة بالترابط العائلي وهو ترابط أنا بفتقده بشدة، سواء على مستوى عيلتي الصغيرة، أو حتى عيلتي الواسعة بفروعها، السئيل في الموضوع هو إن اللي بيترابط فعلاً في الأعياد فروع عائلية أنا مبحبهاش قوي، وبالتالي وجودها بيشكل إنتهاك صريح لمجالي الحيوي، حيث الأسئلة العبقرية زي "حتتجوز إمتى يا حمادة" أو دعوات من عينة "يا رب تكبر وأشوفك ظابط"، دا غير ولاد عماتي وهما بيعبثوا في كل شبر من أوضتي، على مستوى تاني أنا كنت وأنا صغير بعاني من وحدة شديدة في الأعياد لأني مكانش ليّ أصحاب تقريباً، وبالتالي العيد اللي بتصحبه حتميات من عينة "لازم تنبسط مع أهلك" أو "لازم تخرج مع أصحابك" مكانتش بتتحقق، وبالتالي كنت بحس بالغربة في الأعياد أكتر من أي وقت تاني حيث مش لازم بالظبط تبقى مع أصحابك في وقت محدد.

يعني الناس بتستغرب إني بكره الأعياد، بس أعتقد إني عندي أسباب كافية جداً لأني أكرهها.

8.23.2010

الله لا يكره الحبيبة الصغار

هل يكرهنا الله حقاً، هل يكره الله الحبيّبة الصغار؟

هل يرى وقوفنا على كوبري قصر النيل أو 6 أكتوبر؟ هل ينظر بغضب من عليائه على أيدينا المرتجفة على أكتاف أولئك البنات -الصغيرات أيضاً- اللائي يشاركننا آمالنا التافهة في أن نُحب إن أمكن؟، هل يعتقد الله أننا مذنبون، وأننا نستهين بمقامه العليّ حين نختلس لمسات الأيدي؟ هل يحتقر الله اتكاءنا المختلج على حظنا وتخفينا من رجال الأمن في الجنائن وعلى الأرصفة وفوق الجسور المتناثرة؟

هل نسى الله الشرور؟ هل نسى الكذابين والمرتشين وأمناء الشرطة وتجار الأسلحة؟ هل نسى الحروب ورجال الدين الفاسدين؟ هل نسى الله شريعته والقلوب التي زرعها في صدورنا؟ هل نسى سنته في الأرض؟

أراه الآن كالتالي: ينظر الله من عليائه فيراني، يبتسم -إبتسامة علوية-، يربت -ربما إكراماً لخاطري وربما إكراماً لخاطر النبي- بيدِ خفية على رؤوس الحبيبة المتأخرين عن بيوتهم... المحاصرين بالعداء، يخفيهم عن عيون الناس أو يلقي محبتهم في قلوبهم، يقدر لمن شاء منهم الخير في زوجه أو يقدر له البين، وربما يمحو قضاءً أسوداً عن كاهل إثنين أو ثلاثة منهم.

في النهاية، ما الذي قد يدفع الله حقاً لكراهية الحبيّبة الصغار؟

8.11.2010

رؤيا ليلية

في عقلي أرى الأمر هكذا، حينما كانت أمك حبلى بطفلتها الأولى، وبينما كانت تتجول في أسواق القدس القديمة باحثة عن حلق من الفضة لتضعه في أذنك، شاهدت رجلٌ حاد الملامح، مدبب اللحية، يلبس ثياباً أنيقة وإن بدا عليها بعض القدم، يقف في منتصف السوق يلقي شعراً بلغة بدا أنها الفارسية، لم ينتبه له أحد من المارة، في الواقع مر الناس من حوله كأنه فراغ، مجاز مطلق، اقتربت أمك من رجلنا الفارسي حاد الملامح وانتظرت حتى أنهى قوله ثم ألقت في كفه نصف المفتوحة حفنةٌ من لوز كانت تتسلى بأكله بينما تتمشى في السوق.. اشرق وجه الرجل بالابتسام وفتح كفه الأخرى فإذا بها حلق فضي لم تشهد أمك في مثل روعته شيئاً، حملت أمك غنيمتها وتمنت على الله أن تكون ابتسامتك كابتسامة الفارسي الغريب.

هكذا رأيت الأمر، أما ما حدث حقاً فلا يهم، لا يهم أنه حلمٌ رأته أمك في الهزيع الأخير من الليل، لا يهم أن الفارسي ميت من مئات السنين، لا شيء يهم سوى أن أجد تفسيراً -ولو كان متوهم- لأن تضيء ابتسامتك الطريق من القدس للقاهرة.

أما للغد فأقول لتكن الشمس في رقة ابتسامك، ذلك الذي أورثك إياه الحظ حين ألقى بالفارسي الميت أمام أمك الحبلى في السوق القديم.

8.05.2010

الخامسة وثلاثة عشرة دقيقة

منذ أشهر أحادثك يومياً، قبل نومي وحين استيقاظي، منذ أسبوعين أشعر بجذر سعيد يتمدد داخل روحي، وأقول ربما.. تلك الأشياء تحدث، يحدث أن نكون غريبين في مدينتين بعيدتين، يحدث أن نلتقي في زمان مجرد من المكان، أو في مكانٍ مختلق ابتدعناه من عدم وأرحنا خاطرنا بوجوده.

أقول أني أحب حين ألهم أول القصيد، أقول أن مرارتي زالت وشهيتي جيدة، أقول أني أطل في منامي على بياض مكاننا الطيب، أقول كل ما أريد قوله ببساطة ولا أخشى الدهر، لا لأني غالبه إن تنازعنا عليك.. بل لأن الأشياء تتساوي في جمالها بحضورك.

اليوم رفعت نظري إلى المنبه الخرب على رف المكتبة، المنبه الذي لم يقربه أحد منذ سجلت إحداهن صورته واقف بعقاربه الخضراء عند الرابعة، اليوم رفعت نظري حينما مر بي حنين عابر لأجد عقاربه واقفة بثقة عند الخامسة وثلاثة عشرة دقيقة، الوقت يمر، عنوة، حتى الأجهزة الخربة، حتى المنبه المصنوع في برلين الشرقية والذي قذف به أبي مرتين باتجاه الحائط ليرتد سليماً، حتى ذلك المنبه الذي توقف يوماً حزناً على فراق أمي أبنائها، حتى ذلك المنبه يذعن لمرور الوقت بمرور الوقت.


أما أنا، فأعد المارّة، أعد الأحرف والنوطات الموسيقية والخواطر -السارة والمحزنة في آن- أعدها بدقة وأسجل أوزانها وأطوالها وألوان شعرها وعيونها وملابسها وانبعاجات أضراسها وكل شيء، منتظراً إياك لألقيها في حجرك وألقي بنفسي وراءها حتى أنام.

أنا بخير.. وأتوق للدار البيضاء

8.02.2010

صباحُ الخير

أتوسد قلبي وأنام لأراكِ ثانيةً في المنام، أقرب قليلاً مما تركتك عليه، وتلك الحمرة المحببة في خدودك وصوت ضحكتك، أشياء صاخبة.. أشياء هادئة تجري بالقرب منا بينما نحن جلوس أمام البحر -كما تمنيت دائماً- نتبادل حديثاً عطر الرائحة.

لا شيء يقلقني مطلقاً.. سأكون بخيرٍ غدا.

7.26.2010

ولكن ..

حياة البشر أثمن من أن تكون وقود لمحرقة تقيمها إرادة عبثية لفرد مجنون، غير أن حياة البشر تكتسب قيمتها في الأصل من خلال مقاومة إرادة الأفراد المجانين العبثية.

7.21.2010

مَسّاك في حقل الشوفان


"عارفة الأغنية اللي هيّ (لو جسم يخبط جسم طالع من غيط الشوفان)؟ أهو أنا بقى نفسي..."
"لأ دي (لو جسم يقابل جسم طالع من غيط الشوفان) دي قصيدة أصلاً لروبرت بيرنز"
"مانا عارف إنها قصيدة لروبرت بيرنز"
كانت محقة.. لكنّي لم أكن أعلم حينها.
"أنا بس كنت فاكر إنها.. ما علينا.. أنا بقعد أتخيل كل العيال الصغيرين دول بيلعبوا لعبة كدا في غيط الشوفان، آلاف العيال الصغيرين ومفيش حد حواليهم -مفيش حد كبير يعني- غيري. وأنا واقف على حافة جرف مجنون. اللي المفروض أعمله إني أمسكهم لو بدأوا يروحوا ناحية الجرف، قصدي يعني لو قاعدين يجروا ومش شايفين هما رايحين فين أنا لازم أطلع من أي حتة وأمسكهم، دا اللي أنا حعمله طول اليوم، حبقى مجرد مَسّاك في غيط الشوفان وبس. أنا عارف إنه جنوني بس دي الحاجة الوحيدة اللي أحب فعلاً إني أعملها. أنا عارف إنه جنوني"

ترجمة مرتجلة لمقطع من "مَسّاك في حقل الشوفان" لـ"جي.دي.سالينجر"

7.17.2010

موود

هل أتغير أم هل تغيرت الأشياء؟، كل الأشياء التي أحببتها يوماً تتلاشى بصمت ولا شئ يبقى سوى أحد سميعة أم كلثوم المتحمسين يصفق بعنف "الله يا ست"، كان خالي يحتقر أم كلثوم لأنه رأى أحدهم يركع تحت قدميها في صورة ما، خالي –السلفي حينها ونصف المجنون الآن- لم يستطع أن يفهم قصور اللغة، لم يفهم أن هذا الشخص قصر لسانه عن إيفاء الست حقها فركع، لا لأنه يعبدها، لكنه لا يجد ما يشير به لحاله سوى أن يضع جبهته على الأرض أمامها، أما أنا فلست بوضوح الرجل مع ذاته، أستغرقت أعواماً لأكتشف عدم جدوى الكلام، أعوام قضيتها متكلماً على قهاوي المهندسين ووسط البلد وعلى طول الطريق من الدقي للحسين وعلى غرف الدردشة وعلى المراسيل الألكترونية، اليوم نفد كلامي لا يوجد ما أقوله ولا رغبة لي في أن أحكي لك قصة حياتي أو أياً كان ما تريد سماعه.

تغيرت آلاف الأشياء في ذاتي، منذ أعوام ثلاثة وأنا أصحو يومياً لأجد نفسي شخص غير الذي رقد على سريري البارحة، تراكمت التغيرات اليومية لأجد الفرق بيني وبين ذاتي قبل ثلاثة أعوام هو ذات الفرق بينك وبين والدرافيل، فائض غضبي تراكم حتى فاض، اليوم أنا وجع فعلي في المؤخرة لكل من يعرفني حق المعرفة، وأحياناً مؤذي بعنف، أتقدم في العمر لأجد نفسي قريب من بداية الدائرة وبمعدل تقدم يزيد قليلاً عن معدلات أقراني وحتى أولئك المتقدمين عني، يوماً ما سأجد نفسي شيخاً في الثلاثين لا يجد ما يفعله سوى أن يلوك سنته الماضية بوصفها تاريخاً، أنا الآن طفل يعرف القليل عن بعض الأشياء ويجيد بعض الأشياء ولا يجيد بعضها الآخر، بتقلبات مزاجية حادة ورغبات طارئة لا تحتمل سوى التنفيذ، ولذلك لا أحتمل سواي من الأطفال، قد أستمتع أحياناً بمزايا رفقتهم لكني حتماً لا أرغب في تكاليفها، طفل محض، أفعل ما أرغب فيه حالماً أريد، إن لم تستطع أن تتعامل مع تقلبات مزاجي ومع غضبي فابتعد عني لأني –نسيت أن أذكر لك- أكره أن ألام.

7.15.2010

مزايا نسبية

لست ألطف خلق الله، لست أحبهم إليه لست أحبهم إلى خلقه، لست أوسمهم لست أذكاهم، لست أسرعهم لست أصدقهم، لست أفضلهم لست أقواهم، لست أعلمهم لست أشجعهم.

لست ألطف خلق الله، وأذني ليست أصغر الآذان على وجه الأرض ولا أكبرها، وطولي وسط وأظافري تقص كل أسبوعين، ليس لي رائحة ظاهرة ولا كرامة ظاهرة، لست ماهراً في الطبخ ولا أعزف آلة وترية.

لست ألطف خلق الله، يقابلني الناس فيجالسونني، يكرهني من يكرهني ويحبني من يحبني ولا أخدع أحداً عن حقيقتي.. لست ألطف خلق الله ولا أنوي أن أكون.

لست ألطف خلق الله، لكني أكثر خلقه إخلاصاً في حب ما أحب وكراهة ما أكره.

7.10.2010

ريثما يجفّ الماء على وجهها

في أيامنا السيئة -أعني تلك الأكثر سوءاً- نقابل أناساً نتيه بحبهم على الدنيا ليذكروننا بالحقيقة الرياضية الأبسط،: قاع المنحني ليس بالضرورةِ صفراً ولا ما هو أدني، فقط هو النقطة الأكثر إنخفاضاً فيما مضى من مساره، فامتن لنجاتك وتذكر أن الصعود بسيط.

7.08.2010

حدث غير مكتمل

يقسم شارع سليمان جوهر الجزء الشرقي من حي الدقي إلى قسمين غير متساويين، أصغرهما -الغربي منهما- يمثل إمتداد طفيف للأحياء البلدية بالدقي -العزبة وداير الناحية-، أما أكبرهما -الشرقي- فيمتد بإتجاه النيل ليحاذي العجوزة، كم التناقضات المجتمعة في الشارع يصعب أن تجتمع في مكان واحد، فمن محلات الخضر والفاكهة، لعربات الكارو بطول الشارع، ومن العربات الفاخرة ذات اللوحات الخضراء التي تخص السفارات على مرمى حجر من الشارع إلى الماكينات، ومن الروس والألمان الذين يغص بهم الشارع، إلى الوجوه البائسة لمهاجري الصعيد وأهالي العزبة، تلك الحساسيات الحادة التي تنفجر بين حين وآخر بين أحد أهالي الشق الغربي وأحد أهالي الشق الشرقي والتي تنتهي عادة بعلقة ساخنة لأبناء الشق الشرقي، لذلك لم يكن غريباً علينا في مدرستنا التجريبية بالدقي أن نتلقى نصيب أسبوعي من الضرب من أبناء مدرسة أهالي الشق الغربي غير التجريبية، نصيب إستطعت تفاديه بكل ما آتاني الله به من حيلة. منذ تخرجي من المدرسة وبعد مواجهات على درجة عالية من القرب -داخل المدرسة وخارجها- حاولت تفادي المواجهات بقدر الإمكان حفاظاً على هالة خاصة بي في الأماكن التي أرتادها على الجانبين، في السايبر، في محال الألعاب الأكترونية، في مطاعم الكشري، لا أتكلم ولا أسلم حيث حللت، فقط أتخذ موقعي بهدوء متحفزاً لأي تحرش محتمل. يظل الأمر محكوماً ما دمت في الحي، حيث هناك قواعد صارمة للعب يلتزم بها أغلب من ينتمون للمكان، تلك قواعد تتهاوي بمنتهي السرعة عند الخروج من الحي، حيث يمكن تصفية خلافاتنا التافهة الصغيرة بعنف ونظافة بدون تدخل من الكبار، الخائفين دائماً من الأذى أو من تدخل السلطة في غير صالح أبناؤهم.
كل تلك المقدمات لا يمكن أن تخطر ببالك حين تسأل أحدهم أن يفسح لك طريقاً للنزول في المترو، لا أدري لم يفضل الناس بشكل عام الوقوف بجانب أبواب المترو، ربما هو خوف فطري من البقاء في وسيلة المواصلات الكابوسية هذه للأبد، يكره الناس المترو في حين يحبون الترام، ربما يتعلق الأمر بالظلمة الإجبارية والنور الإصطناعي المرهق للأعصاب، في حين يغرق الترام دائماً بنور الشارع، يبدو المترو مصمتاً بشكل قاسي، أبواب محكمة الإغلاق وزجاج مضاد للكسر، قبر متحرك عظيم الشبه بالثعابين إنسيابية الشكل، في حين يبدو الترام بتعاريجه وهشاشته وإهتزازاته المضحكة أقرب لحيوان أليف يحب اللعب، حيوان لا يغلق أبوابه دون أحد ويمكن الإفلات منه بسهولة في حالة إصراره على ممارسة غباوات غير متعمدة، على ناحية أخرى يبدو سائقو الترام عجائز طيبين يرحمون الناس، في حين ينظر سائقو المترو للناس بإحتقار، يفتحون الأبواب لثوانِ محسوبة قبل أن يغلقوه مطلقين ضحكات شريرة مستمتعين بمنظر المتكدسين الخائفين على جوانب الأبواب، كل تلك الأشياء -بدون جزم- قد تبرر وقوف الناس قرب الأبواب، لكنها قد لا تكفي لتبرير أصرار أحدهم على الوقوف أمام الباب ساداً أمامك الطريق.
نادراً ما أركب المترو، ليس تعالياً ولكني أنفر بطبعي من الأماكن التي لا أستطيع فيها الحفاظ على هالة من الفراغ حولي، غير أني في ذلك اليوم من أيام الأسبوع الماضي رفعت ساعتي إلى عيني ناسياً أني دائماً ما أقدمها ربع ساعة حتى أحافظ على مواعيدي لأجد أن قد تأخرت ربع ساعة كاملة!! حينها لم أجد بداً من ركوب المترو إلى المعادي، نزلت إلى الأنفاق لأقضي دقائق بجانب موظف شباك التذاكر حتى تجتمع لديه فكة كافية لأن (أفندي يشبه حضرتي تمام جه قبلي وأخد كل الفكة)، أخذت التذكرة وإتجهت للرصيف، على الرصيف وجدت العديد من أبناء المنطقة، أحدهم كان ينتظر مع فتاة نصف محجبة أمام ذات الباب الذي وقفت أنتظر أمامه، دخلت المترو بصعوبة بعدما إنتظرت خروج الناس ودخول الولد وفتاته وإصرارهم على الوقوف بجوار الباب، مرت المحطة الأولى وحلت محطتي بعدها، قبل حلولها بثوانِ سألت الولد "نازل" أجابني بهزة خفيفة من رأسه في حين نظرت فتاته بإتجاهي شزراً، حينما دخل القطار المحطة هالني عدد الواقفين بإنتظار دخول الباب، فكررت السؤال للواقف "نازل" فنظر بغضب "يا عم حنزلك، حنزلك، إيه مفيش صبر" فقلت بهدوء"في بس السؤال مش إذا كنت حتنزلني، السؤال لو كنت نازل، أو مش نازل فتوسعلي"، سكت للحظة ثم قال "طيب يا عم أنا مش نازل ومش حوسعلك، وحتقف تستناني أعديك أو إخبط راسك في الحيط" سكت حتى فتح السائق الباب ثم دفعته بشدة ليقع على ظهره بعنف، جررته بعنف يليق بمثيل جو بيشي في الرفاق الطيبون، ثم أخذت أدفع برأسه بعنف في سن إحدى كراسي المحطة، أو... كنت أتمنى بالضبط أن أفعل ذلك غير أن موازنات القوة كانت في صالح الولد، فقلت له بأدب بعد دخول الناس للمترو "دلوقت ممكن تعديني"، فمررني غير أنه لم ينس أن (يعلم عليّ) قبل غلق الباب قائلاً "عشان تعرف إن الأدب فضلوه عن العلم يا بن الوسخة".

6.23.2010

والمحصلة دائماً صفر

أفتح صفحة جديدة، أجلس امامها للحظات أغلقها ثم أفتحها ثانيةً بعد دقائق. في النهاية ما الذي يمكن أن يقال؟

يمر البشر يومياً بتلك الحالات من الشعور بانعدام الوزن وإنعدام المعنى، ما الذي يميز شعوري بتلك الأشياء ليجعله جديراً بأن يحكى أو حتى يكتب في صفحة مهملة في مجاهل الإنترنت سوى كونه ذلك الشعور ملكي في لحظة معطاة؟!

أحدق في السقف ساعات يومياً، لا حباً مني في الصفرة الزاحفة عليه ولا تأملاً، لا شئ من ذلك حقاً أو ربما لا شئ من أي شئ على الإطلاق.

لا يمكنني أن أتذمر دون أن أنال -من نفسي قبل أي أحد- جانباً من السخرية، ولم أتذمر من الأصل؟ لا معاناة حقيقية في حياتي وربما تلك هي المأساة، لا يتوقف الناس في غزة أو في العراق أو لماذا نفترض تلك الأشياء البعيدة دعنا نقل لا يفكر الناس في بولاق الدكرور في معنى الوجود، فقط أطفال المدارس التجريبية المدللين يفكرون في تلك الأشياء معدومة المعنى، الفن والكتابة، تحقيق الذات وما إلى ذلك من الخراء البرجوازي، لو عاينت حقاً تلك الأشياء (الحقيقية) و(الواقعية) التي يعاينها ناس ربما كنت لأكون أكثر قدرة على الحمد، أما أنا الآن ففي "مقام العبث" أفكر في هواجسي القديمة والحاضرة لأستحق بالضبط الكدر الذي أعيشه، لا أكثر لا أقل.

6.18.2010

قاهرة

أفكر: هل حبي للقاهرة يغنيني عن حب ذاتي؟

أتعرض يومياً لآلاف المضايقات، المباشرة وغير المباشر، القاهرة العجوز تنوء بالحمل الزائد يومياً من المهاجرين من أقطار البلد لقلبها، ونحن هنا نتجرع حثيثاً فوضاها المرهقة.

أفكر في حبي للقاهرة، أليس عبثياً أن أحب هذا المكان على ما شهدته فيه، إحتكاكات طائفية يومية، تحرشات جنسية، عنف مجاني، القاهرة تستنزف طاقتي لمجرد الخطوة أخطوها على أسفلت شوارعها.

أفكر: هل أريد حقاً أن يتربي أبنائي هنا؟، مكروهين وممزقين بين ما يرون أنه صواب، وبين الخيارات الجمعية المحصورة في أن نذهب إلى نهرنا المترع بالجنون لننهل منه؟

هل آمن على نفسي هنا، إلا كما أمن آلاف الأموات من ضحايا حوادث الطرق، وقتلى العراك في الضواحي حول القاهرة، والبنات في وسائل المواصلات العامة، والأقباط في أحياء ذات أغلبية مسلمة، والبهائيين، ورواد الجناين من المحبين الصغار، وبائعي الورد في إشارات المرور على أنفسهم وأقواتهم قبلي؟

أفكر في خيارات رحيلي، هل أغادر إن وجدت الفرصة، هل أبقى في ساحرتي العجوز، هل أتحمل النظر إلى وجوه لا تتكلم لغة أعرفها ولا تعبر كما أريد، هل أتحمل النظر في الوجوه العدائية المحيطة باختلافي؟

أنا فقط لا أريد أن أرحل، لا أريد أن أكره يوماً ذات الأماكن التي أحببتها لأنها شهدت بعضاً مني، البعض الذي أفقده يومياً ببقائي، والذي سأفقده حتماً يوم أغادر.

6.15.2010

يا وحدي

صديقي الساذج، الذي أحتل مقعده بجواري في الباص في طريقنا الإمتحان، هذا الذي قضى معي الليل منكفئ على البيرة وصوت أم كلثوم، لم تختلف معطياتنا للحظة، كنا متعادلين كخيول السبق، حتى صعدت السيدة العجوز، فوزعت الأذكار وأشارت إلى ساعتي فأعرضت عنها، ثم أشارت إلى ندبة قديمة على ظاهر يده فخلعها عن طيب خاطر وضم يده بها فأخذتها ممتنة، لم تختلف معطياتنا حتى ظهرت النتائج فوجدته ناجحاً، أولئك الناس الذين دعت لهم السيدة بالستر والصحة وطول العمر، حظوا بكل ما أرادت السيدة من ستر وصحة وطول العمر، وبقيت أنا وحدي.

فيا وحدي.

أما الفتاة التي قابلتها في المصعد، ولمحت في يدها روايتي المفضلة فسألتها عنها، لم ألحظ لوهلة الضيق في عينيها، لم ألحظ أنها ما أرادت إلا أن تسمعني أمتدح وجهها أو الخال على عنقها، لم ألحظ أنها ما أرادت كلاماً عن الوجود والعدم، لم ترد أن أكلمها عن الشعر بل أرادت أن تكون القصيدة، بهذه البساطة، فلما إمتنعت، جاء بعدي من إمتدح الخال، والبريق في عينيها عند إمتداح الخال فرحلت معه وبقيت أنا وحدي.

فيا وحدي.

6.12.2010

ممممم

وأنا اثنان.. أحدهما على حافة الماء ينظر هل غير الدهر وجهه أم توهم أنه صار أجمل.. والآخر في قلبه يطفو كخشبة، بلا ذكريات قريبة أو بعيدة.
وأنا اثنان.. رفيقان متجاوران على مقعدٍ في باص متجه إلى حافة الدنيا يقول أحدهما للآخر "وددت لو جلست بعيداً عنك لكيلا أراني" فيرد صاحبه "وددت لو قتلتك لأخفف عنك عبئك".
وأنا اثنان.. أحدهما يحبه العجائز والضالين عن السبيل.. والآخر يلهو بقذف قشر الفستق على المارة فيبصق رجل على وجهه "يا ابن القحبة.. أفسدت هندامي".

6.09.2010

7

إهداء:
إلى صديقتي الأعز، مجاز المجازات، روليت الموهبة الروسي والكائن الوحيد الذي لا أخجل من خيانة نفسي أمامه.
الكتابة.. سحر الاحتمال الكامن في توالي أحرف وراء أحرف لتُكَوِّن كلمات وراء كلمات لتَكوْن جملاً يشكل مجموعها نصاً، جميل أو قبيح... صاخب أو خافت، منطقي أو عاطفي، في كل الأحوال هو أنا وقد تجليت في صورة أكثر صفاءاً.

-1-
قال لي خلّي:
"أنظر الأمر بسيط" قالها وتمدد فجأة على الأرض "متر في متر و79 سنتيمتر لا أكثر، جميع الأمور محلولة".
"لا أكره الموت"، قلت، "أحب حياتي ولا أكره الموت".
قال "فما تكره؟"، قلت "طول الأمل"، سألني "فما أصابك منه؟"، قلت "الانتظار".
قال "انتظارك قربانك، فلا تبذله واجعله عليك عزيزا".

-2-
ألعاب الطبيعة:
شفتاي الضخمتان -شأن شفاه كل الزنوج- لا يواريهما في وجهي سوى لحيتي الكثيفة.
لحيتي الكثيفة لا تروق الكثيرون، لكن فيم عساهم يفكروا إن إكتشفوا يوماً -حينما أحلق ذقني- أن شفتاي ضخمتان؟

-3-
بقعة زرقاء باهتة:
لا أعزو فقدان شهيتي لحزني على البيّن، بل أعزوه إلى رغبة طارئة -انتابتني حينما بلل الماء أطراف أصابعي- في المشي خفيفاً، رغبة بدأت بفقداني الأشياء عنوة... وانتهت بإرادة في التخلي عن كل ما يثقل خطوي.

-4-
مسّ ظاهر الأيدي:
كان انبلاج أطراف قواطعك من وراء قطعتي كرزك -المعروفتان خطئاً بأنهما شفتيك- هو ألطف ما منحني إياه آن من بين كل الآونة الماضية من عمري.

-5-
أضغاث أحلام:
قال لي ملاكي الحارس مربتاً على رأسي "أسعد الله أيامك يا فتايّ الطيب".. أنفض عن رأسي النوم والأمنيات الطيبة "يكفيني للآن ألّا آسى على ما مضى".

-6-
أنا:
منذ أسبوع أحلم بنفسي باكياً، منذ سنوات لا أذكر عددها أبكي أثناء نومي كلما شعرت بالضيق.
منذ أسبوع أستيقظ شاعراً بخدي رطباً، منذ أسبوع لا أرفع يدي إلى وجهي حينما أصحو صافعاً نفسي كما أفعل منذ سنوات خشية أن أتأكد من أني كنت أبكي نائماً.

-7-
صديق:
كان أحد أصدقائي يروي لي منتشياً في الأيام الخوالي أن صاحبته ترفع يدها إلى فمه حينما يتثاءب لأنه ينسى عادةً، فيطبق شفتيه عليها مازحاً قبل أن يطلقها ليعيدا الكرة مرات ومرات.
منذ فترة ألاحظ أن عينيه تدمعان كلما تثاءب.

6.05.2010

فاهدأ الآن

خلال دقائق لن يكون هناك شيء، فراغ أبيض مريح -أو هكذا أتوقع- خالٍ من الأطياف، أنا وحدي هناك، هامش على هامش، لا شيء مهم، لا شيء أعلى أو أدنى، لا شيء على الإطلاق.

خلال دقائق سأستريح، بوابات تلو بوابات، أجتاز أحدها فأتخفف من جسدي، أجتاز أخرى فأتخفف من ألمي، أجتاز تاليتها فأتخفف من علمي، هكذا... حتى أصير روحاً ترى عبرها أنوار جنانٍ علوية، أنهار وعيون، وفاكهةٌ وأرائك، وأنا هناك ولا شيء.

خلال دقائق لن يكون هناك أنا، وهذا المتحدث الآن سيصمت أبداً حتى يدركه نومه، فيوقظه صاحبه "إنهض، آن أن نعود".

6.02.2010

أغانينا القديمة

في البدء كان زياد سحاب، الجو المتقلب في شتاء عجيب ونحن نسعى، هنا... هناك، لا فارق ضخم، تماس عابر للأيدي، أي لحظة كانت تلك يا ترى التي دفعت كرة الثلج من أعلى المنحدر؟ التفاتة خفيفة؟ يدك ترتفع لتزيح شيئاً ما عن كتفي؟ انتباهي لشعرة نافرة نبتت -كعشب صحراوي- في منتصف رقبتك؟ لا أدري.

هنا... على أكتوبر كان ليونارد كوين، لحظات متوترة تعقب الأخرى، هناك شيء ما، حتماً هناك شيء ما لا يعلمه أحدنا عن الآخر. تتحرك الأحداث في اليوم مثل حركة الشمس، صباحات لطيفة، ظهر مشتعل، وانطفاء عنيف في الليل، أكان يمكن أن نتجاوز؟ لا أدري.

في مكتبي القديم كانت توري آموس، كنا قد ابتعدنا لفترة، كنت أستمع إليها مقلباً كفي، وعيني على خطوط ظهرت فجأة في السقف، ولا شيء إلاكِ، في الإفطار، في الاستراحة، في المكتبة، لا شيء... لا شيء على الإطلاق إلا ابتسامتك تتبدى، تطل من أعلى فيضيء وجهي تارةً ويظلم تارة.

في الزمالك كانت أم كلثوم تحدثنا قليلاً عن الأمل، لمَ لمْ أكن منتبهاً حينها؟ هل كنت مشغولاً بتأمل كفك؟ خطوط وجهك الممتدة كأنما تتجه إلى أبدية ما؟ هل كنت لأعلم كيف أنجو لو كنت قد وعيت درسي جيداً حينها؟ لا أحد يعلم.

في غرفتي القديمة -أنام في الصالة الآن- كان دافيندرا بانهارت، تهويم غير واضح، وأنا مستسلم لانخفاض الأرض وعلوها حيثما أسير، ولكل الأشياء معنىً مختلف، قمصاني، كتبي، المنبه القديم، كل ما لمسته صار ذهباً، كل ما لمسته لا استطيع أن أقربه الآن.

5.13.2010

هبني نسياناً

بينما كنت أفطر اليوم، أخذت أفكر في الأسبوعين الأخيرين من حياتي، كل العنف المجاني الذي ارتكب بحقي، كل العنف الذي ارتكبته، الهيستيريا وناظم الغزالي، بَكريّة وعمرو عزت، كل الأشياء التي حدثت وكان يجب ألّا تحدث، كل الأشياء التي لم تحدث وكان ينبغي أن تحدث، كل الأشياء، وتعجبت من قدرتي على الجلوس هادئاً لآكل في صمت الأومليت على طريقة تريز دو كوان بينما أشاهد فيلم عربي رخيص.

الحياة بالفعل معجزة.

5.11.2010

لا تهلكْ أسىً وتجمّل

في اليوم الأول شعرت بالألم.

خلعت ملابسي ووقفت عارياً أمام مرآة، قلبت ببصري في صورتي لم ألحظ شيئاً مختلفاً أطفأت النور ونمت.

في اليوم الثاني شعرت بدنو الموت، خلعت ملابسي ووقفت عارياً أمام مرآة، قلبت ببصري في صورتي ولاحظت دملاً في خن فخذي، قلت "هو طاعون"، أطفأت نور غرفتي وكتبت عدة خطابات وملاحظات، واستمعت لليليات شوبان حتى نمت.

في اليوم الثالث شعرت بالوجع، خلعت ملابسي ووقفت عارياً أمام مرآة، قلبت ببصري في صورتي فوجدت دمل الطاعون قد اختفى وظهر مكانه دملين، أحدهما في ربلة ساقي والآخر في زندي، قلت لا بأس، وشرعت في بكاء محموم أعقبه نوم عميق.

في اليوم الرابع قلت سأنجو، حزمت أمري واتجهت إلى بركة شرقية، نزلت لأستحم فوجدت دملي ربلة الساق والزند قد اختفيا، نظرت إلى وجهي فوجدته وقد تراكمت عليه تجمعات دموية صغيرة، مددت إصبعي وتحسست أحدهم فانفجر تاركاً وراءه ثقب ينفذ إلى عظام فكي، خرجت مهموماً، غلفت وجهي بقطن وشاش لكيلا يراني أحد، وعلى الضفة نمت.

في المنام وجدتك، بين إحدى عشرة زهرة في فناء فسيح وجدتك، أقعدتني على الأرض ونزعتِ عن وجهي حجابه، وانهلتِ على وجهي بالقبلات، ثلاثمئة ونيف قبلة، وبعد أن انتهيت رأيت وجهي في عينك، كنت جميلاً، كان كل شيء على ما يرام، هممتِ بالرحيل فاستوقفتك، تعللتِ بانتهاء الحلم فقٌمتْ.

في اليوم الخامس قلت سأضحك، نزعت عن وجهي القطن والشاش وأطللت على وجهي في البركة فألفيته ممزقاً من أثر تفجر الثآليل الدموية الصغيرة.

ومنذ ذلك الحين لم أكف عن الضحك.

5.09.2010

يحبني العجائز

يحبني العجائز... يلقونني في الباصات باسمين، ينظرون تجاهي بفضول فأرفع رأسي عن كتابي لأهز رأسي برقة -وأحياناً بجلافة- أقوم في هدوء –وأحياناً لا أقوم-، أجلسهم مكاني لنتحدث عن الطقس، عن الطريق، عن الأبناء السيئين، عن أي شيء ممكن فقط نتحدث.

يحبني العجائز... يلقونني في القطارات، يخرجون صور الأبناء المهاجرين إلى كندا أو أستراليا، يبتسمون بأسى "أنظر كم كان ابن الكلب جميلاً حينما كان في الخامسة... أنظر إلى ابنه" أصمت لأني أعلم أن لا شيء يمكن أن أقوله سيخفف عنه وحشة السفر وحيداً في قطار، يفتح الله عليّ بنكتة فألقيها، ينظر إلى في صمت دون أن يضحك "أتعرف.. جميعهم أولاد كلب".

يحبني العجائز... يستقبلونني في بيوتهم يحكون لي عن حيواتهم الماضية، عمن أحبوهم ومن أخطأوا في حقهم، تدمع أعينهم أحياناً ويضحكون أحياناً، وتدمع عيني أحياناً وأضحك أحياناً، في كل الأحوال... العجائز يحبونني.

أيام مع سونة

_بتحبيني يا سونة؟
_لأ
_ليه؟
_عشان شرموط
_طيب
.....
_بتحبيني يا سونة؟
_آه
_ليه؟
_عشان شرموط
_وأنا كمان بحبك يا سونة..
*
في المساء تضع عزيزتي "إحسان" كونشرتو البيانو الأول لشوبان، محتملةً شرخ الأسطوانة السخيف الذي يقف بالكونشيرتو عند الحركة الثانية، من بين التماثيل الهندية والأيقونات البولندية في غرفة السفرة تخرج سونة بورتريهات عشاقها الخمسة، تنادي عليّ لتشير إلى أحدهم:
_شايف يا خول.. كان أحسن منك ومن اللي جابتك، كان شاعر، دا شنبه لوحده يوزنك يا متناك
_ما طبعاً لازم حتقوليلي كدا، ماهو كان حيشغلك في مجلس تحرير الحرية*
_يا عم لا اشتغلت ولا نيلة، أهو إتقبض عليهم قبل ما ننزل بصفحة حتى
_كنت حتتاخدي ت.ث.** يا سونة
_والله يابني ولا كنت أعرف ت.ث. من ح.خ. ..
...
عزيزتي إحسان.. سلامٌ عليكِ


* مطبوعة لتنظيم شيوعي في السبعينيات
** تيار ثوري

5.06.2010

تمزيق نياط القلب



في إحدى جولاته في العاصمة بغداد، سمع ناظم الغزالي صوته صادراً من راديو قريب، تتبع الصوت حتى وصل إلى بيت متواضع في شارع جانبي، فإذا بسيدة عجوز مقعية على الأرض أمام باب المنزل واضعة جبهتها على رسغها تنهنه في صمت، وقف ناظم أمامها متسمراً واستمع معها إلى نفسه يغني "أي شيء في العيد أهدي إليك" كأنما يستمع إلى صوته لأول مرة حتى إذا وصل إلى "أخموراً؟.. وليس في الأرض خمر كالتي تسكبين من عينيك" فإذا بعينيه تفيضان بالدموع، انتبهت السيدة العجوز فرفعت رأسها ونظرت إلى وجهه، التقت عيناهما للحظة ولمع فيهما تفهم لحظي، قبل أن تعود السيدة لتضع جبهتها على رسغها، ويعود ناظم ليسعى في طريقه.

5.05.2010

روتين

استيقظ يومياً على نفس الصوت، ديانا كرال تغني أغنية العظيمة سيزاريا إيفورا "بيسامي موتشو"، أقوم أقف أمام المرآة صافعاً نفسي ثلاث صفعات قبل أن أدفس رأسي تحت الماء.
أمشي يومياً في ذات الطريق، خروجاً من سليمان جوهر إلى نوال يميناً ثم مروراً من أمام قسم العجوزة حتى مطلع كوبري ستة أكتوبر.
أركب يومياً نفس الحافلة 167، أنزل أمام قاعة المؤتمرات ثم أستقل ميكروباص حتى رابعة العدوية.
أجلس على نفس المكتب.. أدخل جزء من الصحيقة حتى يتمرن مدخلو البيانات الجدد على إدخال البيانات.. أشرب النسكافية في ذات الكوب، آكل نفس ساندوتش الأومليت الأسباني، ألقي نفس النكات، أنهي ما أفعل عند الرابعة.
أنزل في نفس الميعاد، أقف في ذات المكان منتظراً ذات الأوتوبيس الذاهب إلى رمسيس، أنزل أمام نفس الرجل، أرد على طلبه مني باعطاءه نصف جنيه بذات الـ"لا" اليومية.
أستقل نفس عربة المترو من نفس الباب، أنزل أمام السلم الكهربائي، أقطع سليمان جوهر من جهته المقابلة، أخرج مفاتيحي من جيبي أمام نفس المحل، أدخلها ثانية حينما ألج إلى الشقة.

اليوم يكسر غضبي العنيف إيقاعي للمرة الأولى منذ أسبوعين.

5.01.2010

Pas Vraiment

بينما كنت أمشي في وسط البلد لفت نظري صرصور أحمر يسعى على الأرض، لسبب من الأسباب -لا يمت بصلة في الغالب لرغبة طارئة في إنهاء الحياة- تعثر الصرصور عند درجة سلم ووقع على ظهره، وللحظة خطر لي أن أدهسه، لكني بعدها شعرت بالرثاء لحالي، آدمي لم يوفق في أن يجد حذاء يناسبه بعد سعي طويل فقرر أن يدهس صرصوراً بدلاً من ذلك، عدلت عن دهسه وعدت لمساري.

في أيام أخرى كنت أتعجب من السلحفاة، كنت أستيقظ في منتصف الليل على صوتها وهي تصطدم بالجدار فأخرج لأجدها مقلوبةٌ على ظهرهاً -الأمر الكفيل بموتها مخنوقة- فأعيدها على أقدامها لأجدها تكررها بعد أسبوع، لماذا قد تسعى سلحفاة للإنتحار، ربما كانت رفقتي شنيعة لدرجة لا تقوى حتى السلاحف على إحتمالها، ربما أدركت أخيراً أني وعلى الرغم من سنوات اللهو الطويلة كنت أتمنى أن تأتي لي أمي بقطة بدلاً منها، غير أني مع تكرر الأمر تركتها يوماً لتفعل ما أرادت لأستيقظ بعدها فأجدها ثاويةً على أقدامها الأربعة تمضغ الخس في تباطؤ.. كانت سلحفاتي اللطيفة تلعب ولا شيء آخر.

وكما أخفت عني السلحفاة لشهور أن إنقلابها على ظهرها كان وسيلة لتزجية الليل الممل على ما يبدو، لم أخبرك أنا أيضاً عن منار. كانت منار إحدى ألطف فتيات مدارس وسط الجيزة، ذقن محددة وشعر منسدل، ملامح دقيقة وبقعة بنية في بياض العين اليمنى، كانت فاتنة، قابلتها منذ أشهر في واحد من تلك الأسابيع الرديئة التي مررنا بها، صادفتها بدايةً في المكتبة أسفل مقر عملي القديم ثم تقابلنا خمس مرات في أسبوعين، في اليوم الأول تكلمنا عن نيتشة وأشعيا برلين ومحاولات التنظير لنظرية سياسية إسلامية ومستقبل حركات المقاومة في المنطقة، في المرة الثانية تحدثنا عن ليرمونتوف وتأثيره الملحوظ على كونديرا وتأثر كونديرا العنيف بدوستويفسكي، في المرة الثالثة تحدثنا عن الموسيقى الكلاسيكية، في الرابعة تحدثت عنكِ، في الخامسة قررت أني لن أراها ثانيةً، كانت منار لطيفة كما كانت دائماً، كانت لطيفة وقد زال عنها تعاليها القديم وصقلتها دراستها وحب مفاجئ إنتابها في الجامعة لقراءة الأدب، كنت أيامها أفكر أني أستمتع بالفعل برؤية منار لكننا محض أصدقاء، لكني عندما علمت أني على وشك أن أختار ذهبت لما أردته منذ البداية، ذهبت إليك.

هذه المعضلات الوجودية لا تختلف إطلاقاً عما يعانيه أحمد نظيف، يصحو أحمد نظيف منذ سفر رئيسه للعلاج ويقف أمام المرآة ليحلق ذقنه ويفكر، لا يفكر نظيف بأزمات الزبالة، لا يفكر بالسولار، لا يفكر في زوجته الراحلة ولا حتى في كونه قد إختار إمرأة لعوباً ليتزوجها، يفكر نظيف في شيء واحدِ فقط "لمَ لا أغير الدستور"، السلطة مغرية، لكن الأمر في تلك اللحظات التي يقف فيها أمام المرآة لا يعدو كونه لعبة، حركة بسيطة كحركة الصرصور قد تنقلب بعدها الأشياء ربما للأبد.

4.25.2010

ديارٌ ببيروتٍ... وأخرى ببغدادِ

في وقتِ ما من سبعينيات القرن الماضي إلتقى شخصان قبطيان لا أعرفهما تحديداً ولم يعرفهما أبواي، أستطيع أن أضع مئة فرض على الأقل حول من هما، من أين جاءا وإلى أين سينتهى كل منهما، وكل هذا غير مهم، اليقيني في الأمر أنهم في ليلة ما إلتقيا في فراش –ربما كان دافئاً وربما تولوا مسألة تدفئته بأنفسهم- لينجبا فتى لم أعرفه أيضاً تسبب في تخريب حياتي بعنف.

العالم مترابط بخفة/بثقل لا متناهي، لا شيئ متناقض في العبارة، ولكي أدلل على ذلك أتذكر سمر أنور وأختها، سمر الفتاة المليحة التي إختارتني لتعطيني صورتها –كناية عن عاطفة إستثنائية- قبل أيام من أن أرى أبيها يمسك طفل في الصف الرابع الإبتدائي يرجه بعنف قائلاً له –وقد إحمرت عيناه- (لو قربت لبنتي تاني حموتك يالا)، أبو سمر الباشمهندس أنور مصطفى لم يجد غضاضة في أن يوافق على أن تتزوج إبنته الصغرى من ثري باكستاني تعرفت عليه عبر الشبكة العنكبوتية زواج مسيار.

العالم المترابط هو في الواقع غير مترابط إطلاقاً، لا يمكن الإثبات فيزيائياً عكس كوني ذات الشخص الذي كنته منذ أيام ثلاثة، حتى لو كنت أشعر أن ثقلاً ما قد هوى بقلبي ليصبح نصفه معي ونصفه عليّ، لا شئ يمنع أن تكون أم كلثوم ستة شخصيات مرتبطة بشكل واهٍ لفتاة قروية صغيرة تلبس عقالاً وكوفية وتغني في الموالد.

العالم غير منطقي على الإطلاق، هكذا أجد نفسي أبكي باستمرار على مدى سنة كاملة وفي أغرب الأماكن، في عشاء عائلي، في مصعد العمل، على قهوة في الدقي، ليس رثاءاً لذاتي فقط تدافع عنيف ينتج عنه ماء حار يسيل من عيني.

العالم يتجه إلى نهايته، هكذا قالت الفيزياء، ينص القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية على أن الأشياء تتجه إلى عدم التنظيم أو فقدان الطاقة –بحسب فهمي الأعرج للفيزياء- وهو أمر ليس مهم، لم أكن أحتاج إلى الفيزياء لأدرك أن الأشياء تتجه إلى العشوائية بمرور الوقت، أنا هنا والآن أتجرع ببطء مريع عشوائيته وجنونه.

4.20.2010

سنبكي

أحشد نفسي بالكامل لكي أبكي بكاءاً حاراً، أفكر "سأبكي الآن... سأبكي"، أفكر في أني بمجرد أن يحتشد الدمع ساخناً في عيني سأستريح، سأغتسل من جميع الأشياء الماضية، ثم أعود لأفكر أن التفكير في أشياء إيجابية مثل الراحة سيعطل تدفق الدموع.

أفكر ما الذي قد يساعدني لكي أبكي، أغلق نور غرفتي وبابها، أحذر القاطنين في المنزل من الإقتراب مني، لكني لوهلة أنسى تليفوني المحمول، أحدهم يرسل لي رسالة أن "مرة واحد إتنين تلاتة"، أبتسم من عبثية الموقف ثم أنفجر ضحكاً، ثم أتذكر أني بصدد أن أحتشد للبكاء، أفكر في أن أستعين بشوبان، وبينما أتدحرج بحثاً عن ليلاته أجد يزن الروسان في وجهي مغنياً "بكرة الميّ تجي عالفيّ تراباباتاتايّ"، العالم يتآمر ضدي.

لا يهم، سأبكي أياً كان، أبحث عن صور قد تثير بكائي، فأجد صور مضحكة من سفرتي الأخيرة للفيوم، أبحث عن أشياء كتبتها عنّا فأجد نكتة كتبتها عني أنا وأخي.

لم أبكِ حتى الآن وربما لن أبكي، وفي كل الأحوال سأكون بخير، لكنني لن أغفر للعالم أنه حرمني من لحظة تخفف قد لا تواتيني ثانية بالسهولة ذاتها.

4.14.2010

من وحي أرض اللا-رجل

بعد سنين، كان بيتسكع في باريس بعد ما رجع من البوسنة نص بني آدم، على الأرض هناك ساب مع أشلاء المتحاربين ودم الولايا والعيال والعواجيز وعيه، أصبح شعوره بالمأساة صفر، لو عديت في الحرب وإنت لسة عايش حتفقد إنسانيتك أو على الأقل إهتمامك، إيه يثير إهتمامك في الوجود بعد ما شفت حوامل ورضع ومراهقين وعواجيز فوق السبعين أموات، إيه يثير إهتمامك بعد ما سمحلك ضميرك إنك تعيش وإنت شايل على قلبك ذكريات الحرب المريعة، رجع طلق مراته وأخد أستوديو في الضواحي، إشترى كاميرا وإتعلم الفوتوغرافيا وبقى ياكل منها عيش، مش بذمتك أحسن من الكلاشينكوف والشغلانة السودة، في مونمارتر شافها، مكانش شافها قبلها من ساعة ما إتقابلوا في البوسنة، تجاهل وجودها، بس هي عرفته، سلمت عليه بحرارة بس لاحظت برودته، عرضت عليه يسهروا سوا، مأبداش إعتراض فإفتكرته وافق، أخدته على الطاحونة سكروا ورجعوا على شقته يتطوحوا، أول لما دخل بيته نام، فاق الصبح لقاها بتبصله، حسها بتحاصره، من غير مناسبة قال لها، قال لها إنه سابه يموت باللغم، حيعمل إيه يعني، مفيش حاجة في الأرض كانت تقدر تخلصه، هل كان من الذكاء إنه يقعد جنبه واللغم يفرقع فيهم مع بعض، طب وليه، ماهو ميت ميت، قعد إتهم ودافع وإتهم ودافع لحد ما زهقت، أخدت شنطتها وعلى الباب قالتله:
_أنا مش فاكرة إنت بتتكلم على إيه !

4.11.2010

ونحن لنا

في صباح الغد، سنكون اثنين غيرنا، سأكون ألطف -أعدك- بذقن خفيفة كما تحبينها وشعر قصير، أرتدي تلك الأشياء التي تجعلني أبدو أكبر سناً، تلك الأشياء التي ترفعني إلى جوارك كما ترتقي بكتفك كعوب أحذيتك الطويلة لتحاذي كتفي.

في صباح الغد سنكون اثنين غيرنا، ستكونين ألطف، أهدأ حالاً مما تركتك في مساء البارحة وأرق حاشيةً، ستحتضنيني بشغف، تعاتبيني على غيبتي وتربتين على كتفي متفهمةً أني أدق مزاجاً من أن أكون طوع تقلبات مزاجك، ستحدثيني عن اليومين الفائتين بتلك النبرة التي أحبها، وسنكون أحسن حالاً مما كنا عليه.

في صباح الغد -الذي ربما لن يأتِ أبداً- سنتبين الاحتمالات اللانهائية التي قد يحملها كوننا اثنين غيرنا.

4.07.2010

عن الكتابة

في أوقات كنت فيها أقل نضجاً تصورت أن الكتابة هي نشاط فعلي يتطلب من الإنسان موهبة عميقة للقيام به، تبدو الكتابة في عيني اليوم أقرب للإحتفاء بمعارفنا اليومية التافهة والتي لا نجني منها مالاً، على سبيل المثال لن يستطيع إبراهيم عبد المجيد أن يبيع معرفته بشوارع الأسكندرية، لكنه حتماً يستطيع أن يصوغ معرفته -التافهة- هذه ليكتب بيت الياسمين مثلاً، كما لن يستطيع كونديرا أن يعمل أستاذاً للفلسفة بجامعات براج إستناداً على وجهة نظره في مغزى فكرة العود الأبدي أو رأيه في الخفة والثقل، لكنه يستطيع أن يكتب رواية يسميها "خفة الكائن التي لا تحتمل" يودعها كل تلك الأشياء التافهة والأقرب في الواقع إلى "المحن" أو إنعدام الفاعلية الإنسانية بشئ من الميوعة الأنثوية.

ربما لهذا السبب تحديداً صرح تولستوي يوماً قائلاً أن أي جزمجي أفيد للبشرية من شكسبير، هذا التقديس للعمل الفعلي -اليدوي تحديداً- نابع عن إحتقار حقيقي لكل تلك الأشياء المتوهمة، الموهبة والكتابة واللغة، كل تلك الأشياء التي يتشدق بها العلوق الصغار بوسط البلد متنافسين بها على الصحفيات الأجنبيات والمساحات الخالية في صفحات الثقافة.

4.04.2010

برلم

من بين كل الصفات الجسدية المختلفة وتحديداً المحبب منها فيما إتفق البشر على تسميته بالوسامة، ترك لي قدري تذكارين صغيرين على جانب وجهي، لا أدري تحديداً قيمة أن أمتلك أذن صغيرة تستجلب الإعجاب والسخرية وأحياناً الحسرة -باعتبار أن الإله غالباً ما يعطي الحلق للكائنات التي تسمع من مؤخراتها- لكنه الواقع على كل حال معدوم الدلالة ومطلق السلطة.

في رواية جوجول البديعة "الأنفس الميتة" وصف جوجول حديقة أحد الإقطاعيين الروس مركزاً على تفصيلة محددة، حين أنشأ الإقطاعي محل إقامته كان متأثر بشدة بزيارته لفينيسيا على ما يبدو، أمر مهندسه أن يبني له قناة مائية وأن يجسرها بجسر على غرار تلك الجسور البديعة في فينسيا، حفر الرجل قناة بعرض متر وطول خمسة أمتار وبنى فوقها جسراً، وصّف جوجول المشهد بأنه كان يحمل نوعاً من الجمال الجروتيسكي، الغريب في الأمر هو كيف استطاع الإقطاعي أن يتحمل هذا المنظر الشائه في حديقته، وكيف استطاع جوجول أن يصف المشهد بالجمال وإن كان قد ألحق الوصف بنقيضه حينما أكمل "جروتيسكي".

في حين ترك جوجول الأمر عند هذا الحد، توقف كونديرا كثيراً أمام جمال وغواية القمامة، ربما يرجع هذا الأمر أن الغواية المدينية لم تكن قد أصابت روسيا القيصرية بعنف في الوقت الذي كتب فيه جوجول روايته، أما كونديرا الآتي من عصر يموج بالإيديولوجيا ونقيضها المؤدلج في آن، فمن المحتم أن القمامة المدينية قد استوقفته كثيراً.

أفكر في هذه الأشياء جميعها حينما أرقب إحتفائي الشخصي بالقمامة المدينية المنهالة عبر الوسائط المختلفة، هذه الرغبات العارمة في الاستعراض والشعور القاتل بالرسالية تجعل الحياة قابلة لأن تعاش أكثر، حين تشاهد تلك الأشياء تدرك في الواقع أن ما حسبته استعراضاً منك أمام فلان أو علان حتماً لم يكن بهذا السوء، وأن هذه الأشياء التي كتبتها لم تكن بهذه البشاعة، وعلى الرغم من هذا لا تخلو تلك الأشياء من جمال خاص بها ومنطق يحركها، لا أستطيع أن أنفي أني سعيت أحياناً لأن أشاهد كليبات مصطفى كامل متأملاً بعمق في مدى سوءه للدرجة التي تجعله جميلاً في ذاته ومنقطعاً عن أي سياق، جمال جروتيسكي بالضبط كما وصفه جوجول.

4.01.2010

"... شئ غير اللي إحنا فيه"

تفتكري كنا موجودين... أنا قصدي يعني، حقيقي موجودين، الحقيقة مش بتكلم عاللي فاكراه، إنتِ عارفة الذاكرة خوّانة، زي أول مرة قلتيلي بحبك، حتفتكري، معتقدش، ولو مفتكرتيش حتألفي حاجة ومش حعرف أقول لك "نصابة"، أنا بفكر في إننا كنا فوق سحاب –وإنتِ عارفة السحاب ما يشيلش أجسام تقيلة زينا- والسحاب نازل منه مطر وإحنا بنتفرج مبسوطين، زي عيال بترش ميّة على اللي ماشيين، أنا فاكر إننا كنا دواير، مكتملين، زي تمام القمر وزي السميط، أنا فاكر إيديا في إيدك وإيدك في إيدي صغيرين، بنسبح بحمد الإله اللي هدانا لبعضنا، تفتكري بعد كل دا نكون موجودين منين؟
* العنوان من قصيدة لفؤاد حداد

3.27.2010

إمتنان

لو كنت هناك، وحدي بدونك، هل كنت لأفكر في أن الوجود قد يكون أحياناً أدنى للكمال، هل كانت العوامات المتناثرة على ضفة النيل ناحية الكيت كات لتقنعني بأن من الممكن أن أكون كائناً سعيداً.

تلك اللحظات التي قضيتها في تأمل أصابعك الطويلة المشحونة بالإيقاع، قبل أن تغوص في شعري، ذلك الزمن الموزون بيننا، هل كان ليكون حياً وحاراً كما كان لو لم تكن تفاصيلك تكتنف المشهد.

وأنا، وشعوري بالإمتنان، وتلك الخفة التي تجتاح أعصابي المرهقة، كأنها بَرَد يهوي على نار، وكل تلك الأشياء التي تبدو الآن مريحة، غرفتي حين أحادثك، رائحة التبغ في كفي، الشارع والمارة، إشارات المرور والشحاذين، ذلك الوجود الذي تدخلت يد الإيقاع -الإيقاع نفسه الكامن في أطراف أصابعك- لتبطئ سيره قليلاً، كيف كنت سأعيشه الآن وهنا؟

أنا فقط ممتن، لكل الأشياء المرهونة باصطدام كتفينا أثناء مشينا المتعثر، لكل الأشياء التي لم نقلها لكنها كانت هناك حاضرة في الإبتسامات الخفية ونظرات الأعين المختلسة، وللوجود الذي لم يكن من الممكن أن يبدو أدنى للكمال لولا وجودك.

3.20.2010

وليتلطف

في المسجد داس أحدهم على إصبعي برفق وقال (آسف). قالها كأنما يشير إلى كل تلك الأشياء التي حدثت، الأشياء الفائتة واللاحقة، الأشياء العنيفة، كل الأشياء. نظرت إليه والتقت عينانا ففهمت أنه ما تعثر ولا داس على إصبعي عفواً إنما فعلها قاصداً فقط ليخبرني أنه آسف.

3.14.2010

في حب المليك

كنت أهون عليك من أن أقال، أو أن تأمر فأكون، لكني كنت، لأنك رأيتني مرة خاطراً طيباً فقلتها (كن) فكنت، أو مددت أصابعاً علوية، وخلطت تراب الأرض بمائها وسويتني وتركتني قرب شمس صغيرة، شمس من تلك التي تتمدد في ارتباك عنيف تحت عرشك، فاستويت على مهلٍ، حتى أتى وقتي فقمت أسعى.

كنت أهون عليك من بعوضة، كنت أهون من أن أذكر، من أن تحبني، لكنك أحببتني، فأحبني عبيدك، أولئك الذين كانوا بجواري بجوار شموسك الصغيرة، كنت أهون من أن تحرسني كائناتك النورانية، لكنها كانت هناك، حينما مرضت، حينما دهمني موتي مرتين أو ثلاثة، حينما فكرت لحظة أنك ربما لست جميلاً كما أوحيت لي في نومي، لست أهلاً لحبي، فما علمت سوى أني لست أهلاً لحبك، لست أهلاً لأن أكون عبدك أو ظلاً لعبيدك المخلصين.

3.13.2010

حُبْ

تلك الفتاة في حلم البارحة كانت أنت، بذقن منمقة يظهر طابع الحسن فيها عند الملل والسرور على حدٍ سواء، وإشارات متناثرة بالكف وضحكات عشوائية وبضعة أشياء أخرى لا أتذكرها عادةً لأني لا أتذكر أحلامي، لكنها على ما يبدو كانت أنت.

تلك الفتاة على غلاف الكتاب وفي صفحاته الداخلية كانت أنت، اسم بسيط، أربع أحرف أولهم حرف همس، أربع أحرف وأنا في أعقابهم لاهث لا أريد سوى أن أكون -هنا والآن- خامسهم السعيد.

تلك الفتاة في افتتاح الصبح، شموس صغيرة وظلال، وأواني هشة من زجاج ترويني حين أنوء بعطشي القديم. حتى تلك الفتاة أيضاً كانت أنت.

والخلفيات على سطح مكتبي وتكات الأزرار، رائحة الشاي، وبضعة أغاني وملابس رأيتني بها، وبضعة أغاني وملابس رأيتك بها، كل تلك الأشياء، كل تلك الأشياء الهشة الصغيرة ورائعة الجمال كلها كلها كانت أنت.

3.07.2010

الحب وستة أكتوبر


أعتقد إن لما واحد يقول لواحدة إن حبه ليها أكبر من كوبري ستة أكتوبر دا معناه إنه بيحبها جداً
...
في النهاية كوبري ستة أكتوبر فعلاً كبير


*الصورة لصديقتنا أمل كعوش صاحبة ميرون

3.04.2010

فكرة عابرة


سأكون نرجساً برياً في حبك يا حبيبي، سأكون كما ترغب.. كما يرضيك، سأكون نرجساً برياً حتى تعجبك زهوة إصفراري، حتى تشفق علي جسدي النحيل.
سأكون نرجساً برياً في حبك يا حبيبي، لا حباً فيك بل حباً في ذاتي، ذاتي التي هي بعضُ من روحك.
سأكون نرجساً برياً في حبك يا حبيبي، راسخ في الأرض بقدر ما تسمح لي الرياح الطيبة.
سأكون نرجساً برياً في حبك يا حبيبي، سأكون نرجساً برياً لو كنت مرآتي، لو كنت خِلاً رفيق بهشاشتي -هشاشة نرجس بري-، لو كنت فقط.. حبيبي


3.01.2010

على مهلٍ وبخفة مطلقة

رويداً رويداً تتسللين، إلى روحي، إلى رائحة ملابسي، إلى طعم العدس الساخن في فمي، وإلى الدفء في عروقي.

هكذا علي مهل تتغير الألوان، تتغير الفصول والأشياء، كأنما هبطت عليها عصا ساحر، كأنها لم تملك قط من سلطة الواقع سوى شكله، كأنما هي أنا، وقد إزددت طولاً ووسامة.

لا تحتاج الدنيا لأكثر من ذلك، تسلل بطئ أو ما هو أدنى إلى ذلك الإيقاع الهادئ الذي يرقص عليه قلبي، لا تحتاج لأقل من ابتسامتك أو صخبك، لا تحتاج ما يختلف عنك، لتستقيم للحظات هي كافية لأكون بخير، لأكون أنا.

2.24.2010

مسارات صغيرة

تمشي الحياة على مدرج من 0 إلى 100 ولا تبلغ أحدهما مطلقاً لأن طرفا المدرج يجتمعان في سدرة المنتهى، هكذا كانت الأمور دائماً وأفضل الأشياء الأرضية تلك الواقعة على منتصف المدرج، ولأن منتصف المدرج أيضاً مرفوع لسدرة المنتهى، فلنقل إذا أنها ما قارب المنتصف من ناحية المائة أحياناً ومن ناحية الصفر في أحيانٍ أخرى، اصطلح الناس على تسمية القيمة السلبية صفراً والإيجابية مائة.

أما أنا -خيبة لاعب الطاولة الوحيدة- فقد كنت محظوظاً بما يكفي لأن أقع دائماً قرب وجهتي، على مرمى البصر ما أريد،حتى عندما كان بعيداً، كنت محظوظاً بما يكفي لأجد أن ما فاتني في لما يكن بالشيئ المهم، كان ذنبي الوحيد أنني لم أتحايل، لم أسلك طرقاً أكثر خضرة لا لشيئ إلا لأنها لم تكن طرقي، فأنتهى بي الأمر إلى طرق صعيبة.

تأتي الطرق الصعيبة بشيئ وتفقد أشياء، تأتي الطريق الصعيبة بالمعرفة، لا يخرج المرء كما كان من طرق وعر، لا يخرج عادة إلا ببقايا عضات الأفاعي وذكريات مرافقة الكلاب ومصادقة قطاع الطرق، لا يخرج بشيئ طيب عموماً -هذا إن خرج أصلاً، تفقد معرفة تلك الأشياء وألفتها المرء أشياءاً قد يفتقد جمالها لكنه لن يحتاج لوجودها غالباً، فما حاجة المرء لمرآة أو لمحفظة جلدية أنيفة في وسط الصحراء، يفقد المرء الأجزاء الأكثر رهافة من روحه، يفقدها واحدة وراء أخرى حتي يفقد وللأبد شعوره بالفقد ذاته، لكنه يكسب معرفة كيف يعيش، كيف يبقي على نفسه حياً لا لأنه مؤهل للحياة دون غيره، لكن لأنه أساساً يدين لنفسه بذلك.

2.20.2010

ملاحظات بسيطة على مأساة أمير آخر من الدنمارك

لم يكن ليريتيس يكره هاملت، كان فقط محرجاً.

في الواقع كان ليريتيس يدرك تماماً ملابسات موت أباه وأخته، كان يدرك أن هاملت لم يقتل أباه عمداً، كما كان يدرك أنه أحب أوفيليا حقاً، لكنه في الواقع كان يفكر فيما عسى البلاط يفكر لو ترك هاملت ينجو بفعله، كيف سيواجه رجال البلاط وهو يدرك أنهم يسخرون منه في سرهم لأنه ترك ثأره خوفاً من إبن الملك الراحل منزوع النفوذ، كان يؤرقه أن ينظر في عين إمرأته فيرى فيها شفقة هينة عليه في لحظات غضبه (مسكين.. لم يثأر لأباه وأخته، فليقل ما يشاء طفلي المدلل إذاً).

لم يفكر الناس كثيراً في دوافع ليريتيس، لم يكن غادراً بالشكل الذي صوره عليه شكسبير، كان فقط يسعى ليتبوأ مكانه وسط ظروف إستثنائية، وعلى الرغم من مأساة هاملت فإن مأساة ليريتيس كانت أشد عنفاً، كان ليريتيس هو البطل التراجيدي الحق لا هاملت.

كان ليريتيس في حيرة من أمره فيما عساه يفعل حينما هبط كلاوديوس على رأسه من السماء باقتراحه الذهبي.. المبارزة. ولذات السبب –شعوره بالحرج- لم يكن ليريتيس ليرفض، كان يخشى من أن يسعى كلاوديوس بين البلاط قائلاً (أتحت له الفرصة للثأر لكنه لم ينتصف لنفسه، حشرة)، قبل ليريتيس، لكنه تمنى أن يموت، وقد كان، فقط اعتذر قبلها لهاملت، همس في أذنه بمبرره، هز بطل المسرحية الوسيم رأسه متفهماً، أغلق ليريتيس عيناه وراح في نوم عميق.

2.17.2010

كان لطيفاً

أتأمل الكرسي الخالي في منتصف غرفتي وقد تراكمت عليه ملابسي، أفكر في آخر مرة كنتِ هنا، رفعتِ ملابسي المهملة عن الكرسي الجريح، وضعتها في مكان ما لا أتذكره، وجلست، ربما لثانية قبل أن تهبي لتصنعي لنا شاياً، لا شيء ضخم، لا شيء يذكر، فقط تأملتك في المرتين، في جلوسك وقيامك، أثناء شرب الشاي، أثناء المغادرة، سحبتك من يدك برفق وضممتك، كنا سعداء، كان الأمر جيداً، ستتذكرينه يوماً بفائض من حنان لتقولي لابنتك "آه كان يحبني، كان لطيفاً".

2.10.2010

Tristes Tropiques

نشر كلود ليفي شتراوس عام 1955 سيرته الذاتية "مدارات حزينة" لتصبح حجر زاوية في مدرسة غيرت وجه حقل العلوم الإنسانية للأبد، هذا الكتاب الذي كان ببساطة سيرة ذاتية لعالم أنثروبولوجي لم يكن ذا قيمة هامة كسيرة ذاتية -توفي الرجل العام الماضي ولك أن تتتخيل الوقت الذي لم تغطه (سيرته الذاتية) المزعومة- ولكنه ببساطة كان كتاباً محورياً أثر على تكوين جيل من الأكاديميين الفرنسيين كتب منهم من كتب لاحقاً ليؤثر بدوره على جيل من أبناء المستعمرات المحررة -أمثال إدوارد سعيد وهومي بابا- ليكتب كل منهم متأثراً بما أنجز ليصل ما كتبوه لمكتبة أمي ليقع في يدي فيما بعد.

لا أدري تحديداً كيف قد يؤثر كتاب مثل مدارات حزينة -هذا الكتاب الذي لم أقرأه حتى الآن- على حياتي لكني أفترض أنه قد يدفعني يوماً لتطليق زوجتي، كنا نتغدى في مطعم غربي الطابع، أبدت زوجتي إعجابها بلوحة إستشراقية -أتت خطأ من فرع آخر لنفس المطعم يختلف عنه فقط في أنه شرقي الطابع- إتهمتها بالجهل، شعرت بالإهانة، غادرتني، إحتددنا على سماعة الهاتف، طلقتها، هكذا ببساطة وهو وارد الحدوث.

ربما يدفعني إلى أن أسافر -كما حلمت دائماً- باحثاً عن جذوري العائلية، لسبب مجهول كنت أشعر بأني سأكون أكثر إتساقاً مع ذاتي لو وصلت إلى المعنى الحقيقي الذي يربط سيرتي بسيرة أسلافي، سأكون بخير حتماً لو عرفت ما اشتركت فيه مع سيد السويسي وما اختلفنا فيه، سأكون بخير لو نظرت إلى كفي في مقابل كفه لأعرف كم خط في كفي وافقوا خطوط كفه لأصرخ جذلاً "بص يا جدي".

ربما يدفعني لأطارد حلمي في أن أكون مدرساً في الجامعة، أفكر كم أثر شتراوس في طلابه، كم أثر في قرائه، وكم تخرج من تحت أياديه إناسٌ يسعون في الأرض ويتذكرون "قال شتراوس كذا حين تمخط.." "فعل شتراوس كذا حينما كان يخرج بعربته من مكان انتظاره الخاص في الكوليج دو فرانس..".

أفكر فيكِ أحياناً، أفكر ما الذي ستقولينه حينما تقرأين ما أكتب، ما الذي ستفكرين فيه، هل سيخطر لك أني هنا أفكر فيما عساكِ تفعلين في نفس تلك اللحظة المعطاة التي أفكر فيها بكلود ليفي شتراوس.

2.07.2010

Stop him! He's a FUCKIN' KAMIKAZE!

في الميكروباص كانت سيدة إيطالية في أوائل الأربعينات تتحدث بإنجليزية كسيحة في الهاتف وبسرعة شديدة، كان الغريب أن أحدهم لم يلتفت إليها، أنهت السيدة تليفونها ثم بدأت في سؤال الفتاة المحجبة بجوارها حول مدى بعد ميدان رمسيس عن موقعنا الحالي، لم تفهم الفتاة لكنتها فاكتفت بهز رأسها ثم النظر إلى الناحية الأخرى.
عند نزوله من كوبري العباسية، بدأ السائق في قيادة الميكروباص بسرعة جنونية، بدأت السيدة في التبرم بصوت خفيض إرتفع باطراد مع سرعة الميكروباص، توترت السيدة ثم بدأت في الصراخ حينما لاحظت لامبالاة الركاب.
_Oh no, you're bunch of suicidals, and i don't wanna die
ثم خبطت على كتفي
_Stop him, he's surely mad, he can't drive like that, stop him! he's a fuckin' kamikaze
أردت أن أشرح لها أن الأمور على هذا الحال دوماً، أركب ميكروباصات منذ أتيت للدنيا تقريباً، كل سائقي الميكروباص مجانين وكلهم يسوق بسرعة غرائبية عند النزول من كوبري العباسية باتجاه رمسيس، لم أمت حتى الآن، لم يمت أحد من أصدقائي أو معارفي في ميكروباص، وعلى الأرجح لن يحدث ذلك، عفاريت الأسفلت يدركون جيداً ما يمكن عمله.
أردت أن أشرح لها كل هذا لكني لم أجد في نفسي القدرة لذلك، فضحكت.

...

في ميدان رمسيس شعرت بالعطش الشديد دخلت إلى أقرب محل لأشتري صفيحة بيبسي، كان المحل ضيق على الرغم من ذلك كان هناك صبي (إن جاز إطلاق وصف صبي على رجل خمسيني أصلع، أحول، بدين وقصير) ليجلب للناس ما يريدون، ولأني لم أفهم أنه صبي المحل دخلت إلى قلب المحل لآتي لنفسي بالصفيحة، كانت الصفيحة ساخنة ولزجة بشكل مزعج، لكني كنت في غاية العطش فقلت لا بأس، إخترت أقل الصفائح لزوجة وأقلهم حرارة وذهبت بها لصاحب المحل الجالس خلف كاونتر لأدفع.
وضعت في يد الرجل جنيهين فضيين فقال لي دون أن ينظر إلى وجهي، (إتنين ونص يا بيه)، فكرت للحظة في أن أضع في يد الرجل نصف جنيه آخر لكني شعرت أن عطشي زال، وأنه حتى وإن لم يزل فمازال بإمكاني أن أبحث عن صفيحة باردة وغير لزجة وبدون أن أزيد الرجل النصف جنيه الذي أراده، فكرت في كل هذا ثم ناولت الصبي الصفيحة وقلت للرجل (خلاص، شكراً مش عايز).
وقف الرجل مبهوتاً أمام رد فعلي، ويبدو أنه فوجئ بأن أحدهم قد يرفض صفائح البيبسي الساخنة التي يبيعها، سألني
_أمال إنت عايزها بكام؟
_مش عايزها خلاص
_يعني بتشتريها بكام
_بإتنين جنيه
_إنت ساكن فين
_مش فاهم يعني، أنا خلاص يا عم مش عايز (الكان) وعايز فلوسي وماشي
_بس قل لي بس
_في الدقي
_وبيبعوها هناك باتنين جنيه؟
_آه
_شايف العربية اللي هناك دي
_آه
_عربية إيه دي
_عربية أمن مركزي (في الواقع كانت عربة توزيع تابعة لشركة المياة الغازية لكني لم أتبينها جيداً)
_إنت حتهرج (أمسكني من يدي وسحبني باتجاه الكاونتر)
_يا عم حهرج معاك ليه وأنا أعرفك أصلاً؟ أنا عايز فلوسي ومش عايز الكان والموضوع خلص، أنا مش فاهم إحنا بنتكلم فإيه كل دا
نظر لي الرجل مبهوتاً، وضع الجنيهين الفضيين في يدي باستسلام والتفت لصبيه قائلاً (رجع الكان التلاجة يا كرولوس)، وعند خروجي لعن (السلفيين ولاد الوسخة اللي واكلين البلد والعة)، ابتسمت، وضعت الجنيهين في جيبي بانتصار ومضيت باتجاه المترو.

2.03.2010

أمك يا فرويد

حدثني أحد معارفي في سنتي الأولى في الكلية يوماً عن كيف تكشف أخطاء القراءة ما يدور حقاً في قلب الفرد، قال أنه قرأ عن أحد التجارب النفسية لأحد علماء النفس الهايتيين -أولئك الذين يعانون من آثار الزلزال حالياً- تقتضي عرض مجموعة من الكلمات المكتوبة أمام الشخص ومعرفة أخطاء القراءة وإعادة تفسيرها، ولكي يبرهن على ذلك قام بكتابة مجموعة من الكلمات على قصاصات ورقية متفرقة وقام بعرضها عليّ بسرعة ظن أنها سريعة للغاية.
أخذت في قراءة الكلمات في ملل حتى وصلت لكلمة (عبت) فظننته نسى النقطة الثالثة فوق الثاء فقلت له (عبث)، رمى الورق منتصراً وقال
_شفت
_شفت إيه؟
_آديك قلتها غلط أهو
_أمال هي إيه؟
_عبط
_لأ إنت مش فاهم، أنا ما قريتهاش غلط، أنا بس كنت متصور إنك بتعرف تكتب
_مانا بعرف أكتب
_عبط بالطه
_مممم، صحيح؟! طول عمري كنت بتلخبط فيها مش مشكلة، بس هو يعني إيه عبث؟
...
على الناحية الأخرى من الغرفة كان فرويد يضحك بعنف ، كنت أدرك أنه يعرف أني كنت أميل لأن تكون الكلمة عبث، كنت أعلم فكرته عن إن ما يدور في العقل الباطن يتجلى في تلك الأشياء غير المقصودة، الأسوأ أني كنت قد حكيت له قبلاً عن ذلك الإعلان لشركة الأثاث فوق كوبري 6 أكتوبر (ميديكور) والذي أقرأه كل مرة بذات الطريقة وأتعجب للحظات أن هناك شركة أثاث تريد أن تسوق منتجاتها حقاً تسمي نفسها (ميديوكر)!


تباً لفرويد على كل حال

2.01.2010

ملاحظة عن الصور




"...

والصورة هي واقع مجتزء ومشوه، وقيل بل هي نقيض الواقع، لأنه -وعلى عكس الخيال- لا يمكن إجتزائه، وكونه واقعاً يحتم أن يكون ممتداً.

والصورة خيال، طيف لا يمكن مساءلة جديته، وهي إمتلاك لجانب من حياة ووضعه تحت عين المشاهدة العنيفة، تلك المشاهدة الني تنزع عنه أهم ما فيه -إستمراريته- لتحوله إلى أشلاء منقطعة الصلة وإن كانت متعاقبة قد توحي بمعنى في النهاية وإن كانت في الأغلب الأعم.. لا توحي.

والمصورون قوم مستهترون عموماً، لا تمثل لهم الحياة أكثر من كونها صورة لطيفة، لا يهم مدى صدقها أو ثقلها بقدر ما يهم مدى الحرفية في إجتزائها من سياق أعم، وكم قد تبدو جميلة إن رفعت -وحدها وبمعزل عن الأشياء المجاورة لها-. لتقترب من مصدر الضوء أو أقصيت عنه.

..."

1.25.2010

تخبط طفيف

التخبط لا يعني بالضرورة عدم المعرفة، قد أكون عليمٌ بطريقي وموقعي من هدفي تحديداً، غير أن منازعة الهوى للنفس قد تميل بها عن ما أرادته لنفسها حين فكرت في أن تتحرك من نقطة معطاة ولتكن (أ) إلى نقطة أخرى ولنفترض أن اسمها (ب).

هكذا قد تعلم يوماً أنك في حاجة لأن تبكي، وتعلم أن أم كلثوم في غرفة مظلمة ومغلقة كفيلة بتحقيق رغبتك، لكنك لسبب ما، لسبب لعين وغير معروف تماماً ستستمع إلى زياد رحباني في غرفة مضاءة بشكل جيد، هكذا سيصل بك هواك/زياد إلى أن تفطس ضحكاً وسط نداءاته الهيستيرية (يا أبو علي) بدلاً من أن تبكي مع أم كلثوم نائحاً (آه من هواك من أول يوم ونظرتك لي بعينيك)*.

هكذا قد يجتذبك هواك تحديداً لأن تتخبط بين مجموعة من الملفات الموسيقية في نفس اللحظة التي قد لا ترغب فيها سوي بالإستماع إلى أم كلثوم، ليس فقط لأن الرغبة فقط لا تكفي لتحقق إرادتنا بالعالم، ليس رغبةً في الاستماع إلى زياد أيضاً، لا توجد أي مبررات منطقية للتخبط، سوى ذلك الحمل الزائد من العواطف الحمقاء التي لا ترغب في شئ تحديداً، لا ترغب سوى في حركة غير موجهة على الإطلاق، قد تتصادف وقد لا تتصادف مع اهدافنا الأساسية، وإن كان يغلب عليها عدم التوافق معها.

*كلام فارغ فشخ

1.22.2010

...

كانت تمشي نصف ذاهلة في الشارع، ربما بنفس المعطف القديم الذي لم تتخل عنه منذ لبست الحجاب، أتذكر أبلة كوثر الأخصائية الإجتماعية في شتاء 96 البعيد كأنه أمس، حينما كلفت خاطرها لتصعد إلى فصلنا لتنفي بعنف شائعة أن من الممكن لفتى في التاسعة أن يدعي أنه يحب زميلته في الفصل، أتذكر السيدة الباسمة دائماً التي لم أدر على وجه الدقة وظيفتها باستثناء أنها كانت تصحبني كشاويش -ربما أكثر لطفاً من أولئك الذين شاهدتهم في التليفزيون- من وإلى مسابقات الوزارة للإلقاء وحفظ القرآن، أتذكر أبلة كوثر بقمصانها الصوفية الثقيلة زاهية الألوان، وشعرها الأصفر الذي سرعان ما غطاه الحجاب، أتذكر شائعة موتها في الأراضي الحجازية، كم بكتها أمي، وكم كانت دهشتي حين رأيتها في المدرسة بعدها بزمن قصير.

كانت تمشي نصف ذاهلة في الشارع، وعلى وجهها مرارة متوسطة العمق، حرصت على ألا أسلم عليها لكيلا تعلم أن هذا الغر ابن البارحة قد اكتشف أن السيدة ضاحكة السن والحازمة، يمكن أن تمشي يوماَ نصف ذاهلة في الشارع.

1.18.2010

آيس كريم في ديسمبر... آيس كريم في جليم


أتذكر مشيتي في الزمالك في صيف 92 ذاهباً إلى دروس البيانو، أيام جمع رائقة عادةً وأنا في يد أمي حاملاً نوتتي وعيني على السماء باستمرار أو على قصص سوبرمان طبعة لبنان عند بائعة الجرائد على أول شارع شجرة الدر.

لا أدري تحديداً لماذا ألتصق ملصق دعائي لمحل سلطانة للآيس كريم ليحل محل أفيش فيلم أيس كريم في جليم، ملصق سلطانة الشهير بقرطاسه المقلوب الذي تعلوه ثلاث كرات من القشدة المثلجة مبتسماً بسذاجة، وأفيش آيس كريم في جليم الذي لا أتذكره على الإطلاق.



لم أشاهد الفيلم حينها، لكني شاهدته بعدها على شريط فيديو مستأجر من نادٍ للفيديو غير نشاطه فيما بعد ليصبح حلاقاً، ذهب للرجل صاحب المحل -وكان صديقاً لابن عمتي قبل أن يختلفا على نقود أعطاها الأول للثاني أو العكس- طالباً منه أن يرشح لي فيلماً كوميدياً للسهرة فأعطاني آيس كريم في جليم.

لا أتذكر الكثير من مشاهدتي الأولى للفيلم، ربما باستثناء مشهد هي دي النهاية يا زرياب -لم أتأثر كثيراً لأنني لم أفهم ما معنى (الشيوعي الجميل) لكنني تعجبت من إمكانية أن يصرخ أحدهم في الشارع بهذا الشكل- وجملة من أغنية تقول (والله مانا فاهم حاجة نقطني يابني شوية سكات) وقول سيف -عمرو دياب- لبدرية -سيمون- "إنتِ عارفة إنتِ إيه .. إنتِ أقدم مهنة في التاريخ".

وكما لم أفهم الشيوعي الجميل، سببت لي "أقدم مهنة في التاريخ" إرتباكاً عظيماً، حين سمعت العبارة لأول مرة تذكرت مدرس الدراسات الإجتماعية الذي كان يذكرنا دوماً بأن المصريين هم أول فلاحين في التاريخ، وأن الفلاحة هي أقدم مهنة في التاريخ، وبالتالي فالمصريين هم أول من مارس أي مهنة في التاريخ! لذلك إعتقدت لفترة طويلة من حياتي أن عمرو دياب كان يشير إلى سيمون بوصفها فلاحة وهو على نقيض منها شاب "كوول" يغني ويلبس الجينز ويأكل من محلات البرجر ويركب دراجة نارية ويعرف (شيوعيين) في غاية الجمال على ما يبدو.

قبل شهرين من هذه اللحظة قابلت سيدة في أواخر الثلاثينات ربما في المصعد، إبتسمت في وجهها بلطف وصعدت إلى مكتبي في الدور الخامس، وحين دلفت إلى عند مغادرتي وجدتها بانتظاري، فكرت للحظة في أن أبلع ملحوظة ما عن الصدف السعيدة لكن الأمر لم يبد لي سيئاً للدرجة، قلت لها إنني قد قابلتها في الصباح حين وصلت وإنه من الغرابة أن أرحل في نفس اللحظة التي قررت فيها الذهاب إلى أياً كان، للأسف لم ترد السيدة الأنيقة عوضاً عن ذلك أخبرتني أن "مساء الخير" قبل أن تغادر المصعد.

لا يواتيني شعور أنني أعيش فيلماً كثيراً، بغض النظر عن شعوري الدائم بأنني كنت قد عشات حياتي قبلاً، فإني على سبيل القطع لم يتملكني شعور أنني قد (شاهدت حياتي) كأي متفرج في دار عرض رخيصة بوسط البلد من قبل، غير أني عندما شاهدت مقاطع من آيس كريم في جليم شعرت أن حياتي ما هي إلا تقليد غير اعتيادي للفيلم.

1.13.2010

بعدنا طيبين .. قولوا انشالله

في العام القادم سألحق بمخملباف وسبزيان لنتنزه ثلاثتنا بدراجة بخارية مستأجرة في شوارع طهران


أفكر يومياً في نهاية طريقي، كل مرة أخطو فيها خارج باب منزلي أفكر في الخطوات الألف ونيف من سريري وحتى مكتبي، أفكر كيف يمكن أن أقطعها دون أن أتعثر، دون أن تقابلني في الطريق سيارة يتصادف أن سائقها أعمى، أو إصيص زرع قرر أن يقع في لحظة معطاة هي ذاتها اللحظة التي مررت فيها تحته.

أفكر في حياتي، أفكر كم كان صعباً أن أحتفظ بنفسي حياً، وخالياً من الكدر في أحيانِ كثير، لولا عناق أخي لي حين أعود من شغلي، لولا رفقة ال(عصابة)، لولا حب أمي، لولا العطف الذي أحاطني به ملاكي الحارس، لولا بقية من عناد قديم ورثته عن جدتي تركية الأصل.

أفكر في كل من أحاطني بحبه حين لم أحتج سوى لفائض من محبة ينعش ما تبقى حياً من وهج قلبي، وبقدر إمتناني بقدر إدراكي لأني أدين لكل من قدم لي جزءاً من روحه خوفاً علي من الأسى بأن أبقى حياً... وسعيداً.

*الصورة من فيلم (كلوز-آب)

1.09.2010

محاولة ساذجة للتعزية

ل(م.ج)

كنت في الأسكندرية في اليوم الذي وقعت فيه أحداث محرم بيك، صليت يومها الجمعة في المرسي أبو العباس وحينما سمعت عن الأحداث بعد عودتي للقاهرة لم أستغرب كثيراً.

في القاهرة كانت الأمور أكثر غرائبية، وقف أحدهم صبيحة السبت في منتصف سليمان جوهر وبدأ في الصراخ (يا مسلمين يا ولاد الوسخة، عملولكم إيه عشان تقتلوهم، عملوا إيه، يلعن دين أبوكم كلكم)، وقف المارة متسمرين في البداية، قبل أن يتجه بعضهم باتجاهه، لكن صاحب المطعم الواقع أسفل منزلي كان قد سبقهم، لطم الرجل -المهيب والمعروف بقدمه في الحي- أخينا برفق على وجهه قبل أن يسحبه داخل المطعم ويمنع عنه الناس، ثم يرسله إلى منزله بعدها بساعة في رفقة إثنين من العاملين معه.

أحياناً ينسى الناس، أحياناً ينسى الناس أشياء مهمة كالعقل والمنطق، ينسون أن الدم مسألة أعمق وأكبر من أن تسفك لأسباب واهية كخلاف على رؤية الخالق، أو طبيعة الميتافيزيقا الواجبة التصديق بحسب العقيدة، أحياناً ينسى الناس أن هناك أشياء مهمة وجديرة بالاعتبار قد تُنسي بسهولة الأشياء السالف ذكرها، ينسى الناس على الناحيتين أن الناحيتين في مفرمة حادة، وأن النجاة مرهونة بالتضامن ولا شئ غيره.

في حياتي لم أكن متأكداً من شئ قط، كل ما جزمت به يوماً تكشف دائماً عن أشياء مختلفة سلباً وإيجاباً، إيماني الوحيد والذي حملته معي من عمر الشعر الساذج هو (بكرة أحسن من النهاردة) لا شقاء يدوم ولا نعيم لا يزول، كل الأشياء السيئة ستمحى يوماً وسيعمر الأرض من جديد أولئك الذين يستحقون أن يعيشوا ليروا طيبها، أما نحن، أطراف الأزمنة الطيبة المهشمة فما لنا سوى أن ننتظر، وأن نعد أبناءنا للزمن القادم.

1.04.2010

ظلٌ على جدار كهف

ربما لن يعرف كونديرا يوماً أنه في العام الذي صدرت فيه روايته "خفة الكائن التي لا تحتمل" سيولد طفل يحمل تفاصيل علاقاتها المرتبكة في سيره اليومي، أما إدوارد سعيد الذي قرأت سيرته الذاتية في الشهور التي أعقبت وفاته فقد نلتقي يوماً في دار الآخرة لأحكيه عن التشابه بين والدينا.

كنت أفكر يومياً وأنا بعد في العاشرة من عمري قبل أن أنام أن حياتي مجرد حلم لرجل عجوز، وأنني حينما أصل إلى عمره سأنام لأحلم بطفل يبعث شبابي من جديد، فقط خمس دقائق من النعاس ستبدو لي عمراً.

حياتي اللطيفة تلك، محض ظل على جدار كهف، لا شئ فيها أكثر واقعية من خيالات السكارى، لا تحتمل المزيد من الجدية أو المرارة، وإن كانت لا تحتمل فرط الرخاوة أيضاً، لا تتحمل أن أرهق نفسي بحمل ذكريات، لا تحتمل سوى أن تعاش وكفى.

1.01.2010

هامش عن القيمة

في سيرته الذاتية الرائعة "خارج المكان" يؤكد إدوارد سعيد طوال صفحات الكتاب على عنوانه، ذلك الفتى فلسطيني الأب والأم الذي تربي في القاهرة وسط مجتمع كامل من الأنجلو-فون لم يعرف من فلسطين سوى زيارات العطلة الصيفية ولم يعرف من القاهرة سوى الزمالك، وعلى الرغم من جنسيته الأمريكية فهو حتماً ليس أمريكياً، ويشير سعيد مرات إلى أن إختياره لهويته كان مسألة خيار، في الواقع... كانت أمام سعيد فرص متعددة للإندماج في مجتمع قائم على التعدد العرقي مثل المجتمع الأمريكي ليكون أحد الخواجات الذين يتكلمون عن أبناء جدتهم عن قضاياهم بطريقة لا تختلف كثيراً عن تلك الطريقة التي أتكلم بها عن الصراصير، لكن سعيد "إختار" أن ينتمي إلى قضية، إختار تماماً.. القيمة.
أيضاً يحدثنا المسيري في سيرته "غير الذاتية غير الموضوعية" عن فكرته بشأن المجتمعات الحديثة وأسباب تحللها والإنهيارات التي تعانيها من داخلها مركزاً على فكرة الخلو من القيمة، ويرفق المسيري اللاحقة خالي من القيمة Value free بالعديد من الأشياء كان أهمها في نظري هي المتعة، ويستفيض المسيري شارحاً في معنى أن تكون المتعة خالية من القيمة هو التطرف في البحث عنها، ومادامت لا يحدها معنى فكل الطرق في البحث عنها مشروعة بحيث تصبح المتعة هي محور إرتكاز حياة الإنسان الحديث.
وبشكل عام تبدو "القيم" و"المعنى" كلمات شديدة الوطء، "ثقيلة" لو أردنا إستخدام المصطلح الكونديري، في الواقع تلك الأشياء المثقلة بالقيمة أقل إمتاعاً بمراحل من تلك الخالية منها، مثلاً الإنصياع للقانون في مقابل عصيانه، آندي فارهول في مقابل فان جوخ، كوينتن تارانتينو في مقابل كيشلوفسكي.
وبشكل من الأشكال تمر حياة الإنسان بالصراعات ذاتها، الخفة المطلقة في الطفولة والمراهقة، ثقل مواجهة الواقع في الشباب، ثقل العيش بالتزامات مراعاة الآخرين عند الزواج، في مقابل العلاقات المفتوحة والخالية من الإلتزامات، وبشكل عام تمر كل التفاصيل الإنسانية من خلال هذين المعنيين الحديين وبدرجات مختلفة.
هذه المقدمة كانت ضرورية لأعلن أني أفضل المعنى والقيمة على المتعة، وأن هذه الأشياء هي محاور الإرتكاز الأساسية التي تقوم عليها حياتي، وإني قد أخاطر بأن أبدو ثقيل الدم وممل حين أتحدث عن أم كلثوم بوصفها (ممثلة لتقاليد غنائية عريقة) عن أعلن حبي لمغني تافه وإمعة مثل عمرو دياب، حتى وإن كان عمرو دياب أكثر شعبية بما لا يقاس من الفقيدة الممثلة.