1.25.2010

تخبط طفيف

التخبط لا يعني بالضرورة عدم المعرفة، قد أكون عليمٌ بطريقي وموقعي من هدفي تحديداً، غير أن منازعة الهوى للنفس قد تميل بها عن ما أرادته لنفسها حين فكرت في أن تتحرك من نقطة معطاة ولتكن (أ) إلى نقطة أخرى ولنفترض أن اسمها (ب).

هكذا قد تعلم يوماً أنك في حاجة لأن تبكي، وتعلم أن أم كلثوم في غرفة مظلمة ومغلقة كفيلة بتحقيق رغبتك، لكنك لسبب ما، لسبب لعين وغير معروف تماماً ستستمع إلى زياد رحباني في غرفة مضاءة بشكل جيد، هكذا سيصل بك هواك/زياد إلى أن تفطس ضحكاً وسط نداءاته الهيستيرية (يا أبو علي) بدلاً من أن تبكي مع أم كلثوم نائحاً (آه من هواك من أول يوم ونظرتك لي بعينيك)*.

هكذا قد يجتذبك هواك تحديداً لأن تتخبط بين مجموعة من الملفات الموسيقية في نفس اللحظة التي قد لا ترغب فيها سوي بالإستماع إلى أم كلثوم، ليس فقط لأن الرغبة فقط لا تكفي لتحقق إرادتنا بالعالم، ليس رغبةً في الاستماع إلى زياد أيضاً، لا توجد أي مبررات منطقية للتخبط، سوى ذلك الحمل الزائد من العواطف الحمقاء التي لا ترغب في شئ تحديداً، لا ترغب سوى في حركة غير موجهة على الإطلاق، قد تتصادف وقد لا تتصادف مع اهدافنا الأساسية، وإن كان يغلب عليها عدم التوافق معها.

*كلام فارغ فشخ

1.22.2010

...

كانت تمشي نصف ذاهلة في الشارع، ربما بنفس المعطف القديم الذي لم تتخل عنه منذ لبست الحجاب، أتذكر أبلة كوثر الأخصائية الإجتماعية في شتاء 96 البعيد كأنه أمس، حينما كلفت خاطرها لتصعد إلى فصلنا لتنفي بعنف شائعة أن من الممكن لفتى في التاسعة أن يدعي أنه يحب زميلته في الفصل، أتذكر السيدة الباسمة دائماً التي لم أدر على وجه الدقة وظيفتها باستثناء أنها كانت تصحبني كشاويش -ربما أكثر لطفاً من أولئك الذين شاهدتهم في التليفزيون- من وإلى مسابقات الوزارة للإلقاء وحفظ القرآن، أتذكر أبلة كوثر بقمصانها الصوفية الثقيلة زاهية الألوان، وشعرها الأصفر الذي سرعان ما غطاه الحجاب، أتذكر شائعة موتها في الأراضي الحجازية، كم بكتها أمي، وكم كانت دهشتي حين رأيتها في المدرسة بعدها بزمن قصير.

كانت تمشي نصف ذاهلة في الشارع، وعلى وجهها مرارة متوسطة العمق، حرصت على ألا أسلم عليها لكيلا تعلم أن هذا الغر ابن البارحة قد اكتشف أن السيدة ضاحكة السن والحازمة، يمكن أن تمشي يوماَ نصف ذاهلة في الشارع.

1.18.2010

آيس كريم في ديسمبر... آيس كريم في جليم


أتذكر مشيتي في الزمالك في صيف 92 ذاهباً إلى دروس البيانو، أيام جمع رائقة عادةً وأنا في يد أمي حاملاً نوتتي وعيني على السماء باستمرار أو على قصص سوبرمان طبعة لبنان عند بائعة الجرائد على أول شارع شجرة الدر.

لا أدري تحديداً لماذا ألتصق ملصق دعائي لمحل سلطانة للآيس كريم ليحل محل أفيش فيلم أيس كريم في جليم، ملصق سلطانة الشهير بقرطاسه المقلوب الذي تعلوه ثلاث كرات من القشدة المثلجة مبتسماً بسذاجة، وأفيش آيس كريم في جليم الذي لا أتذكره على الإطلاق.



لم أشاهد الفيلم حينها، لكني شاهدته بعدها على شريط فيديو مستأجر من نادٍ للفيديو غير نشاطه فيما بعد ليصبح حلاقاً، ذهب للرجل صاحب المحل -وكان صديقاً لابن عمتي قبل أن يختلفا على نقود أعطاها الأول للثاني أو العكس- طالباً منه أن يرشح لي فيلماً كوميدياً للسهرة فأعطاني آيس كريم في جليم.

لا أتذكر الكثير من مشاهدتي الأولى للفيلم، ربما باستثناء مشهد هي دي النهاية يا زرياب -لم أتأثر كثيراً لأنني لم أفهم ما معنى (الشيوعي الجميل) لكنني تعجبت من إمكانية أن يصرخ أحدهم في الشارع بهذا الشكل- وجملة من أغنية تقول (والله مانا فاهم حاجة نقطني يابني شوية سكات) وقول سيف -عمرو دياب- لبدرية -سيمون- "إنتِ عارفة إنتِ إيه .. إنتِ أقدم مهنة في التاريخ".

وكما لم أفهم الشيوعي الجميل، سببت لي "أقدم مهنة في التاريخ" إرتباكاً عظيماً، حين سمعت العبارة لأول مرة تذكرت مدرس الدراسات الإجتماعية الذي كان يذكرنا دوماً بأن المصريين هم أول فلاحين في التاريخ، وأن الفلاحة هي أقدم مهنة في التاريخ، وبالتالي فالمصريين هم أول من مارس أي مهنة في التاريخ! لذلك إعتقدت لفترة طويلة من حياتي أن عمرو دياب كان يشير إلى سيمون بوصفها فلاحة وهو على نقيض منها شاب "كوول" يغني ويلبس الجينز ويأكل من محلات البرجر ويركب دراجة نارية ويعرف (شيوعيين) في غاية الجمال على ما يبدو.

قبل شهرين من هذه اللحظة قابلت سيدة في أواخر الثلاثينات ربما في المصعد، إبتسمت في وجهها بلطف وصعدت إلى مكتبي في الدور الخامس، وحين دلفت إلى عند مغادرتي وجدتها بانتظاري، فكرت للحظة في أن أبلع ملحوظة ما عن الصدف السعيدة لكن الأمر لم يبد لي سيئاً للدرجة، قلت لها إنني قد قابلتها في الصباح حين وصلت وإنه من الغرابة أن أرحل في نفس اللحظة التي قررت فيها الذهاب إلى أياً كان، للأسف لم ترد السيدة الأنيقة عوضاً عن ذلك أخبرتني أن "مساء الخير" قبل أن تغادر المصعد.

لا يواتيني شعور أنني أعيش فيلماً كثيراً، بغض النظر عن شعوري الدائم بأنني كنت قد عشات حياتي قبلاً، فإني على سبيل القطع لم يتملكني شعور أنني قد (شاهدت حياتي) كأي متفرج في دار عرض رخيصة بوسط البلد من قبل، غير أني عندما شاهدت مقاطع من آيس كريم في جليم شعرت أن حياتي ما هي إلا تقليد غير اعتيادي للفيلم.

1.13.2010

بعدنا طيبين .. قولوا انشالله

في العام القادم سألحق بمخملباف وسبزيان لنتنزه ثلاثتنا بدراجة بخارية مستأجرة في شوارع طهران


أفكر يومياً في نهاية طريقي، كل مرة أخطو فيها خارج باب منزلي أفكر في الخطوات الألف ونيف من سريري وحتى مكتبي، أفكر كيف يمكن أن أقطعها دون أن أتعثر، دون أن تقابلني في الطريق سيارة يتصادف أن سائقها أعمى، أو إصيص زرع قرر أن يقع في لحظة معطاة هي ذاتها اللحظة التي مررت فيها تحته.

أفكر في حياتي، أفكر كم كان صعباً أن أحتفظ بنفسي حياً، وخالياً من الكدر في أحيانِ كثير، لولا عناق أخي لي حين أعود من شغلي، لولا رفقة ال(عصابة)، لولا حب أمي، لولا العطف الذي أحاطني به ملاكي الحارس، لولا بقية من عناد قديم ورثته عن جدتي تركية الأصل.

أفكر في كل من أحاطني بحبه حين لم أحتج سوى لفائض من محبة ينعش ما تبقى حياً من وهج قلبي، وبقدر إمتناني بقدر إدراكي لأني أدين لكل من قدم لي جزءاً من روحه خوفاً علي من الأسى بأن أبقى حياً... وسعيداً.

*الصورة من فيلم (كلوز-آب)

1.09.2010

محاولة ساذجة للتعزية

ل(م.ج)

كنت في الأسكندرية في اليوم الذي وقعت فيه أحداث محرم بيك، صليت يومها الجمعة في المرسي أبو العباس وحينما سمعت عن الأحداث بعد عودتي للقاهرة لم أستغرب كثيراً.

في القاهرة كانت الأمور أكثر غرائبية، وقف أحدهم صبيحة السبت في منتصف سليمان جوهر وبدأ في الصراخ (يا مسلمين يا ولاد الوسخة، عملولكم إيه عشان تقتلوهم، عملوا إيه، يلعن دين أبوكم كلكم)، وقف المارة متسمرين في البداية، قبل أن يتجه بعضهم باتجاهه، لكن صاحب المطعم الواقع أسفل منزلي كان قد سبقهم، لطم الرجل -المهيب والمعروف بقدمه في الحي- أخينا برفق على وجهه قبل أن يسحبه داخل المطعم ويمنع عنه الناس، ثم يرسله إلى منزله بعدها بساعة في رفقة إثنين من العاملين معه.

أحياناً ينسى الناس، أحياناً ينسى الناس أشياء مهمة كالعقل والمنطق، ينسون أن الدم مسألة أعمق وأكبر من أن تسفك لأسباب واهية كخلاف على رؤية الخالق، أو طبيعة الميتافيزيقا الواجبة التصديق بحسب العقيدة، أحياناً ينسى الناس أن هناك أشياء مهمة وجديرة بالاعتبار قد تُنسي بسهولة الأشياء السالف ذكرها، ينسى الناس على الناحيتين أن الناحيتين في مفرمة حادة، وأن النجاة مرهونة بالتضامن ولا شئ غيره.

في حياتي لم أكن متأكداً من شئ قط، كل ما جزمت به يوماً تكشف دائماً عن أشياء مختلفة سلباً وإيجاباً، إيماني الوحيد والذي حملته معي من عمر الشعر الساذج هو (بكرة أحسن من النهاردة) لا شقاء يدوم ولا نعيم لا يزول، كل الأشياء السيئة ستمحى يوماً وسيعمر الأرض من جديد أولئك الذين يستحقون أن يعيشوا ليروا طيبها، أما نحن، أطراف الأزمنة الطيبة المهشمة فما لنا سوى أن ننتظر، وأن نعد أبناءنا للزمن القادم.

1.04.2010

ظلٌ على جدار كهف

ربما لن يعرف كونديرا يوماً أنه في العام الذي صدرت فيه روايته "خفة الكائن التي لا تحتمل" سيولد طفل يحمل تفاصيل علاقاتها المرتبكة في سيره اليومي، أما إدوارد سعيد الذي قرأت سيرته الذاتية في الشهور التي أعقبت وفاته فقد نلتقي يوماً في دار الآخرة لأحكيه عن التشابه بين والدينا.

كنت أفكر يومياً وأنا بعد في العاشرة من عمري قبل أن أنام أن حياتي مجرد حلم لرجل عجوز، وأنني حينما أصل إلى عمره سأنام لأحلم بطفل يبعث شبابي من جديد، فقط خمس دقائق من النعاس ستبدو لي عمراً.

حياتي اللطيفة تلك، محض ظل على جدار كهف، لا شئ فيها أكثر واقعية من خيالات السكارى، لا تحتمل المزيد من الجدية أو المرارة، وإن كانت لا تحتمل فرط الرخاوة أيضاً، لا تتحمل أن أرهق نفسي بحمل ذكريات، لا تحتمل سوى أن تعاش وكفى.

1.01.2010

هامش عن القيمة

في سيرته الذاتية الرائعة "خارج المكان" يؤكد إدوارد سعيد طوال صفحات الكتاب على عنوانه، ذلك الفتى فلسطيني الأب والأم الذي تربي في القاهرة وسط مجتمع كامل من الأنجلو-فون لم يعرف من فلسطين سوى زيارات العطلة الصيفية ولم يعرف من القاهرة سوى الزمالك، وعلى الرغم من جنسيته الأمريكية فهو حتماً ليس أمريكياً، ويشير سعيد مرات إلى أن إختياره لهويته كان مسألة خيار، في الواقع... كانت أمام سعيد فرص متعددة للإندماج في مجتمع قائم على التعدد العرقي مثل المجتمع الأمريكي ليكون أحد الخواجات الذين يتكلمون عن أبناء جدتهم عن قضاياهم بطريقة لا تختلف كثيراً عن تلك الطريقة التي أتكلم بها عن الصراصير، لكن سعيد "إختار" أن ينتمي إلى قضية، إختار تماماً.. القيمة.
أيضاً يحدثنا المسيري في سيرته "غير الذاتية غير الموضوعية" عن فكرته بشأن المجتمعات الحديثة وأسباب تحللها والإنهيارات التي تعانيها من داخلها مركزاً على فكرة الخلو من القيمة، ويرفق المسيري اللاحقة خالي من القيمة Value free بالعديد من الأشياء كان أهمها في نظري هي المتعة، ويستفيض المسيري شارحاً في معنى أن تكون المتعة خالية من القيمة هو التطرف في البحث عنها، ومادامت لا يحدها معنى فكل الطرق في البحث عنها مشروعة بحيث تصبح المتعة هي محور إرتكاز حياة الإنسان الحديث.
وبشكل عام تبدو "القيم" و"المعنى" كلمات شديدة الوطء، "ثقيلة" لو أردنا إستخدام المصطلح الكونديري، في الواقع تلك الأشياء المثقلة بالقيمة أقل إمتاعاً بمراحل من تلك الخالية منها، مثلاً الإنصياع للقانون في مقابل عصيانه، آندي فارهول في مقابل فان جوخ، كوينتن تارانتينو في مقابل كيشلوفسكي.
وبشكل من الأشكال تمر حياة الإنسان بالصراعات ذاتها، الخفة المطلقة في الطفولة والمراهقة، ثقل مواجهة الواقع في الشباب، ثقل العيش بالتزامات مراعاة الآخرين عند الزواج، في مقابل العلاقات المفتوحة والخالية من الإلتزامات، وبشكل عام تمر كل التفاصيل الإنسانية من خلال هذين المعنيين الحديين وبدرجات مختلفة.
هذه المقدمة كانت ضرورية لأعلن أني أفضل المعنى والقيمة على المتعة، وأن هذه الأشياء هي محاور الإرتكاز الأساسية التي تقوم عليها حياتي، وإني قد أخاطر بأن أبدو ثقيل الدم وممل حين أتحدث عن أم كلثوم بوصفها (ممثلة لتقاليد غنائية عريقة) عن أعلن حبي لمغني تافه وإمعة مثل عمرو دياب، حتى وإن كان عمرو دياب أكثر شعبية بما لا يقاس من الفقيدة الممثلة.