2.24.2010

مسارات صغيرة

تمشي الحياة على مدرج من 0 إلى 100 ولا تبلغ أحدهما مطلقاً لأن طرفا المدرج يجتمعان في سدرة المنتهى، هكذا كانت الأمور دائماً وأفضل الأشياء الأرضية تلك الواقعة على منتصف المدرج، ولأن منتصف المدرج أيضاً مرفوع لسدرة المنتهى، فلنقل إذا أنها ما قارب المنتصف من ناحية المائة أحياناً ومن ناحية الصفر في أحيانٍ أخرى، اصطلح الناس على تسمية القيمة السلبية صفراً والإيجابية مائة.

أما أنا -خيبة لاعب الطاولة الوحيدة- فقد كنت محظوظاً بما يكفي لأن أقع دائماً قرب وجهتي، على مرمى البصر ما أريد،حتى عندما كان بعيداً، كنت محظوظاً بما يكفي لأجد أن ما فاتني في لما يكن بالشيئ المهم، كان ذنبي الوحيد أنني لم أتحايل، لم أسلك طرقاً أكثر خضرة لا لشيئ إلا لأنها لم تكن طرقي، فأنتهى بي الأمر إلى طرق صعيبة.

تأتي الطرق الصعيبة بشيئ وتفقد أشياء، تأتي الطريق الصعيبة بالمعرفة، لا يخرج المرء كما كان من طرق وعر، لا يخرج عادة إلا ببقايا عضات الأفاعي وذكريات مرافقة الكلاب ومصادقة قطاع الطرق، لا يخرج بشيئ طيب عموماً -هذا إن خرج أصلاً، تفقد معرفة تلك الأشياء وألفتها المرء أشياءاً قد يفتقد جمالها لكنه لن يحتاج لوجودها غالباً، فما حاجة المرء لمرآة أو لمحفظة جلدية أنيفة في وسط الصحراء، يفقد المرء الأجزاء الأكثر رهافة من روحه، يفقدها واحدة وراء أخرى حتي يفقد وللأبد شعوره بالفقد ذاته، لكنه يكسب معرفة كيف يعيش، كيف يبقي على نفسه حياً لا لأنه مؤهل للحياة دون غيره، لكن لأنه أساساً يدين لنفسه بذلك.

2.20.2010

ملاحظات بسيطة على مأساة أمير آخر من الدنمارك

لم يكن ليريتيس يكره هاملت، كان فقط محرجاً.

في الواقع كان ليريتيس يدرك تماماً ملابسات موت أباه وأخته، كان يدرك أن هاملت لم يقتل أباه عمداً، كما كان يدرك أنه أحب أوفيليا حقاً، لكنه في الواقع كان يفكر فيما عسى البلاط يفكر لو ترك هاملت ينجو بفعله، كيف سيواجه رجال البلاط وهو يدرك أنهم يسخرون منه في سرهم لأنه ترك ثأره خوفاً من إبن الملك الراحل منزوع النفوذ، كان يؤرقه أن ينظر في عين إمرأته فيرى فيها شفقة هينة عليه في لحظات غضبه (مسكين.. لم يثأر لأباه وأخته، فليقل ما يشاء طفلي المدلل إذاً).

لم يفكر الناس كثيراً في دوافع ليريتيس، لم يكن غادراً بالشكل الذي صوره عليه شكسبير، كان فقط يسعى ليتبوأ مكانه وسط ظروف إستثنائية، وعلى الرغم من مأساة هاملت فإن مأساة ليريتيس كانت أشد عنفاً، كان ليريتيس هو البطل التراجيدي الحق لا هاملت.

كان ليريتيس في حيرة من أمره فيما عساه يفعل حينما هبط كلاوديوس على رأسه من السماء باقتراحه الذهبي.. المبارزة. ولذات السبب –شعوره بالحرج- لم يكن ليريتيس ليرفض، كان يخشى من أن يسعى كلاوديوس بين البلاط قائلاً (أتحت له الفرصة للثأر لكنه لم ينتصف لنفسه، حشرة)، قبل ليريتيس، لكنه تمنى أن يموت، وقد كان، فقط اعتذر قبلها لهاملت، همس في أذنه بمبرره، هز بطل المسرحية الوسيم رأسه متفهماً، أغلق ليريتيس عيناه وراح في نوم عميق.

2.17.2010

كان لطيفاً

أتأمل الكرسي الخالي في منتصف غرفتي وقد تراكمت عليه ملابسي، أفكر في آخر مرة كنتِ هنا، رفعتِ ملابسي المهملة عن الكرسي الجريح، وضعتها في مكان ما لا أتذكره، وجلست، ربما لثانية قبل أن تهبي لتصنعي لنا شاياً، لا شيء ضخم، لا شيء يذكر، فقط تأملتك في المرتين، في جلوسك وقيامك، أثناء شرب الشاي، أثناء المغادرة، سحبتك من يدك برفق وضممتك، كنا سعداء، كان الأمر جيداً، ستتذكرينه يوماً بفائض من حنان لتقولي لابنتك "آه كان يحبني، كان لطيفاً".

2.10.2010

Tristes Tropiques

نشر كلود ليفي شتراوس عام 1955 سيرته الذاتية "مدارات حزينة" لتصبح حجر زاوية في مدرسة غيرت وجه حقل العلوم الإنسانية للأبد، هذا الكتاب الذي كان ببساطة سيرة ذاتية لعالم أنثروبولوجي لم يكن ذا قيمة هامة كسيرة ذاتية -توفي الرجل العام الماضي ولك أن تتتخيل الوقت الذي لم تغطه (سيرته الذاتية) المزعومة- ولكنه ببساطة كان كتاباً محورياً أثر على تكوين جيل من الأكاديميين الفرنسيين كتب منهم من كتب لاحقاً ليؤثر بدوره على جيل من أبناء المستعمرات المحررة -أمثال إدوارد سعيد وهومي بابا- ليكتب كل منهم متأثراً بما أنجز ليصل ما كتبوه لمكتبة أمي ليقع في يدي فيما بعد.

لا أدري تحديداً كيف قد يؤثر كتاب مثل مدارات حزينة -هذا الكتاب الذي لم أقرأه حتى الآن- على حياتي لكني أفترض أنه قد يدفعني يوماً لتطليق زوجتي، كنا نتغدى في مطعم غربي الطابع، أبدت زوجتي إعجابها بلوحة إستشراقية -أتت خطأ من فرع آخر لنفس المطعم يختلف عنه فقط في أنه شرقي الطابع- إتهمتها بالجهل، شعرت بالإهانة، غادرتني، إحتددنا على سماعة الهاتف، طلقتها، هكذا ببساطة وهو وارد الحدوث.

ربما يدفعني إلى أن أسافر -كما حلمت دائماً- باحثاً عن جذوري العائلية، لسبب مجهول كنت أشعر بأني سأكون أكثر إتساقاً مع ذاتي لو وصلت إلى المعنى الحقيقي الذي يربط سيرتي بسيرة أسلافي، سأكون بخير حتماً لو عرفت ما اشتركت فيه مع سيد السويسي وما اختلفنا فيه، سأكون بخير لو نظرت إلى كفي في مقابل كفه لأعرف كم خط في كفي وافقوا خطوط كفه لأصرخ جذلاً "بص يا جدي".

ربما يدفعني لأطارد حلمي في أن أكون مدرساً في الجامعة، أفكر كم أثر شتراوس في طلابه، كم أثر في قرائه، وكم تخرج من تحت أياديه إناسٌ يسعون في الأرض ويتذكرون "قال شتراوس كذا حين تمخط.." "فعل شتراوس كذا حينما كان يخرج بعربته من مكان انتظاره الخاص في الكوليج دو فرانس..".

أفكر فيكِ أحياناً، أفكر ما الذي ستقولينه حينما تقرأين ما أكتب، ما الذي ستفكرين فيه، هل سيخطر لك أني هنا أفكر فيما عساكِ تفعلين في نفس تلك اللحظة المعطاة التي أفكر فيها بكلود ليفي شتراوس.

2.07.2010

Stop him! He's a FUCKIN' KAMIKAZE!

في الميكروباص كانت سيدة إيطالية في أوائل الأربعينات تتحدث بإنجليزية كسيحة في الهاتف وبسرعة شديدة، كان الغريب أن أحدهم لم يلتفت إليها، أنهت السيدة تليفونها ثم بدأت في سؤال الفتاة المحجبة بجوارها حول مدى بعد ميدان رمسيس عن موقعنا الحالي، لم تفهم الفتاة لكنتها فاكتفت بهز رأسها ثم النظر إلى الناحية الأخرى.
عند نزوله من كوبري العباسية، بدأ السائق في قيادة الميكروباص بسرعة جنونية، بدأت السيدة في التبرم بصوت خفيض إرتفع باطراد مع سرعة الميكروباص، توترت السيدة ثم بدأت في الصراخ حينما لاحظت لامبالاة الركاب.
_Oh no, you're bunch of suicidals, and i don't wanna die
ثم خبطت على كتفي
_Stop him, he's surely mad, he can't drive like that, stop him! he's a fuckin' kamikaze
أردت أن أشرح لها أن الأمور على هذا الحال دوماً، أركب ميكروباصات منذ أتيت للدنيا تقريباً، كل سائقي الميكروباص مجانين وكلهم يسوق بسرعة غرائبية عند النزول من كوبري العباسية باتجاه رمسيس، لم أمت حتى الآن، لم يمت أحد من أصدقائي أو معارفي في ميكروباص، وعلى الأرجح لن يحدث ذلك، عفاريت الأسفلت يدركون جيداً ما يمكن عمله.
أردت أن أشرح لها كل هذا لكني لم أجد في نفسي القدرة لذلك، فضحكت.

...

في ميدان رمسيس شعرت بالعطش الشديد دخلت إلى أقرب محل لأشتري صفيحة بيبسي، كان المحل ضيق على الرغم من ذلك كان هناك صبي (إن جاز إطلاق وصف صبي على رجل خمسيني أصلع، أحول، بدين وقصير) ليجلب للناس ما يريدون، ولأني لم أفهم أنه صبي المحل دخلت إلى قلب المحل لآتي لنفسي بالصفيحة، كانت الصفيحة ساخنة ولزجة بشكل مزعج، لكني كنت في غاية العطش فقلت لا بأس، إخترت أقل الصفائح لزوجة وأقلهم حرارة وذهبت بها لصاحب المحل الجالس خلف كاونتر لأدفع.
وضعت في يد الرجل جنيهين فضيين فقال لي دون أن ينظر إلى وجهي، (إتنين ونص يا بيه)، فكرت للحظة في أن أضع في يد الرجل نصف جنيه آخر لكني شعرت أن عطشي زال، وأنه حتى وإن لم يزل فمازال بإمكاني أن أبحث عن صفيحة باردة وغير لزجة وبدون أن أزيد الرجل النصف جنيه الذي أراده، فكرت في كل هذا ثم ناولت الصبي الصفيحة وقلت للرجل (خلاص، شكراً مش عايز).
وقف الرجل مبهوتاً أمام رد فعلي، ويبدو أنه فوجئ بأن أحدهم قد يرفض صفائح البيبسي الساخنة التي يبيعها، سألني
_أمال إنت عايزها بكام؟
_مش عايزها خلاص
_يعني بتشتريها بكام
_بإتنين جنيه
_إنت ساكن فين
_مش فاهم يعني، أنا خلاص يا عم مش عايز (الكان) وعايز فلوسي وماشي
_بس قل لي بس
_في الدقي
_وبيبعوها هناك باتنين جنيه؟
_آه
_شايف العربية اللي هناك دي
_آه
_عربية إيه دي
_عربية أمن مركزي (في الواقع كانت عربة توزيع تابعة لشركة المياة الغازية لكني لم أتبينها جيداً)
_إنت حتهرج (أمسكني من يدي وسحبني باتجاه الكاونتر)
_يا عم حهرج معاك ليه وأنا أعرفك أصلاً؟ أنا عايز فلوسي ومش عايز الكان والموضوع خلص، أنا مش فاهم إحنا بنتكلم فإيه كل دا
نظر لي الرجل مبهوتاً، وضع الجنيهين الفضيين في يدي باستسلام والتفت لصبيه قائلاً (رجع الكان التلاجة يا كرولوس)، وعند خروجي لعن (السلفيين ولاد الوسخة اللي واكلين البلد والعة)، ابتسمت، وضعت الجنيهين في جيبي بانتصار ومضيت باتجاه المترو.

2.03.2010

أمك يا فرويد

حدثني أحد معارفي في سنتي الأولى في الكلية يوماً عن كيف تكشف أخطاء القراءة ما يدور حقاً في قلب الفرد، قال أنه قرأ عن أحد التجارب النفسية لأحد علماء النفس الهايتيين -أولئك الذين يعانون من آثار الزلزال حالياً- تقتضي عرض مجموعة من الكلمات المكتوبة أمام الشخص ومعرفة أخطاء القراءة وإعادة تفسيرها، ولكي يبرهن على ذلك قام بكتابة مجموعة من الكلمات على قصاصات ورقية متفرقة وقام بعرضها عليّ بسرعة ظن أنها سريعة للغاية.
أخذت في قراءة الكلمات في ملل حتى وصلت لكلمة (عبت) فظننته نسى النقطة الثالثة فوق الثاء فقلت له (عبث)، رمى الورق منتصراً وقال
_شفت
_شفت إيه؟
_آديك قلتها غلط أهو
_أمال هي إيه؟
_عبط
_لأ إنت مش فاهم، أنا ما قريتهاش غلط، أنا بس كنت متصور إنك بتعرف تكتب
_مانا بعرف أكتب
_عبط بالطه
_مممم، صحيح؟! طول عمري كنت بتلخبط فيها مش مشكلة، بس هو يعني إيه عبث؟
...
على الناحية الأخرى من الغرفة كان فرويد يضحك بعنف ، كنت أدرك أنه يعرف أني كنت أميل لأن تكون الكلمة عبث، كنت أعلم فكرته عن إن ما يدور في العقل الباطن يتجلى في تلك الأشياء غير المقصودة، الأسوأ أني كنت قد حكيت له قبلاً عن ذلك الإعلان لشركة الأثاث فوق كوبري 6 أكتوبر (ميديكور) والذي أقرأه كل مرة بذات الطريقة وأتعجب للحظات أن هناك شركة أثاث تريد أن تسوق منتجاتها حقاً تسمي نفسها (ميديوكر)!


تباً لفرويد على كل حال

2.01.2010

ملاحظة عن الصور




"...

والصورة هي واقع مجتزء ومشوه، وقيل بل هي نقيض الواقع، لأنه -وعلى عكس الخيال- لا يمكن إجتزائه، وكونه واقعاً يحتم أن يكون ممتداً.

والصورة خيال، طيف لا يمكن مساءلة جديته، وهي إمتلاك لجانب من حياة ووضعه تحت عين المشاهدة العنيفة، تلك المشاهدة الني تنزع عنه أهم ما فيه -إستمراريته- لتحوله إلى أشلاء منقطعة الصلة وإن كانت متعاقبة قد توحي بمعنى في النهاية وإن كانت في الأغلب الأعم.. لا توحي.

والمصورون قوم مستهترون عموماً، لا تمثل لهم الحياة أكثر من كونها صورة لطيفة، لا يهم مدى صدقها أو ثقلها بقدر ما يهم مدى الحرفية في إجتزائها من سياق أعم، وكم قد تبدو جميلة إن رفعت -وحدها وبمعزل عن الأشياء المجاورة لها-. لتقترب من مصدر الضوء أو أقصيت عنه.

..."