4.25.2010

ديارٌ ببيروتٍ... وأخرى ببغدادِ

في وقتِ ما من سبعينيات القرن الماضي إلتقى شخصان قبطيان لا أعرفهما تحديداً ولم يعرفهما أبواي، أستطيع أن أضع مئة فرض على الأقل حول من هما، من أين جاءا وإلى أين سينتهى كل منهما، وكل هذا غير مهم، اليقيني في الأمر أنهم في ليلة ما إلتقيا في فراش –ربما كان دافئاً وربما تولوا مسألة تدفئته بأنفسهم- لينجبا فتى لم أعرفه أيضاً تسبب في تخريب حياتي بعنف.

العالم مترابط بخفة/بثقل لا متناهي، لا شيئ متناقض في العبارة، ولكي أدلل على ذلك أتذكر سمر أنور وأختها، سمر الفتاة المليحة التي إختارتني لتعطيني صورتها –كناية عن عاطفة إستثنائية- قبل أيام من أن أرى أبيها يمسك طفل في الصف الرابع الإبتدائي يرجه بعنف قائلاً له –وقد إحمرت عيناه- (لو قربت لبنتي تاني حموتك يالا)، أبو سمر الباشمهندس أنور مصطفى لم يجد غضاضة في أن يوافق على أن تتزوج إبنته الصغرى من ثري باكستاني تعرفت عليه عبر الشبكة العنكبوتية زواج مسيار.

العالم المترابط هو في الواقع غير مترابط إطلاقاً، لا يمكن الإثبات فيزيائياً عكس كوني ذات الشخص الذي كنته منذ أيام ثلاثة، حتى لو كنت أشعر أن ثقلاً ما قد هوى بقلبي ليصبح نصفه معي ونصفه عليّ، لا شئ يمنع أن تكون أم كلثوم ستة شخصيات مرتبطة بشكل واهٍ لفتاة قروية صغيرة تلبس عقالاً وكوفية وتغني في الموالد.

العالم غير منطقي على الإطلاق، هكذا أجد نفسي أبكي باستمرار على مدى سنة كاملة وفي أغرب الأماكن، في عشاء عائلي، في مصعد العمل، على قهوة في الدقي، ليس رثاءاً لذاتي فقط تدافع عنيف ينتج عنه ماء حار يسيل من عيني.

العالم يتجه إلى نهايته، هكذا قالت الفيزياء، ينص القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية على أن الأشياء تتجه إلى عدم التنظيم أو فقدان الطاقة –بحسب فهمي الأعرج للفيزياء- وهو أمر ليس مهم، لم أكن أحتاج إلى الفيزياء لأدرك أن الأشياء تتجه إلى العشوائية بمرور الوقت، أنا هنا والآن أتجرع ببطء مريع عشوائيته وجنونه.

4.20.2010

سنبكي

أحشد نفسي بالكامل لكي أبكي بكاءاً حاراً، أفكر "سأبكي الآن... سأبكي"، أفكر في أني بمجرد أن يحتشد الدمع ساخناً في عيني سأستريح، سأغتسل من جميع الأشياء الماضية، ثم أعود لأفكر أن التفكير في أشياء إيجابية مثل الراحة سيعطل تدفق الدموع.

أفكر ما الذي قد يساعدني لكي أبكي، أغلق نور غرفتي وبابها، أحذر القاطنين في المنزل من الإقتراب مني، لكني لوهلة أنسى تليفوني المحمول، أحدهم يرسل لي رسالة أن "مرة واحد إتنين تلاتة"، أبتسم من عبثية الموقف ثم أنفجر ضحكاً، ثم أتذكر أني بصدد أن أحتشد للبكاء، أفكر في أن أستعين بشوبان، وبينما أتدحرج بحثاً عن ليلاته أجد يزن الروسان في وجهي مغنياً "بكرة الميّ تجي عالفيّ تراباباتاتايّ"، العالم يتآمر ضدي.

لا يهم، سأبكي أياً كان، أبحث عن صور قد تثير بكائي، فأجد صور مضحكة من سفرتي الأخيرة للفيوم، أبحث عن أشياء كتبتها عنّا فأجد نكتة كتبتها عني أنا وأخي.

لم أبكِ حتى الآن وربما لن أبكي، وفي كل الأحوال سأكون بخير، لكنني لن أغفر للعالم أنه حرمني من لحظة تخفف قد لا تواتيني ثانية بالسهولة ذاتها.

4.14.2010

من وحي أرض اللا-رجل

بعد سنين، كان بيتسكع في باريس بعد ما رجع من البوسنة نص بني آدم، على الأرض هناك ساب مع أشلاء المتحاربين ودم الولايا والعيال والعواجيز وعيه، أصبح شعوره بالمأساة صفر، لو عديت في الحرب وإنت لسة عايش حتفقد إنسانيتك أو على الأقل إهتمامك، إيه يثير إهتمامك في الوجود بعد ما شفت حوامل ورضع ومراهقين وعواجيز فوق السبعين أموات، إيه يثير إهتمامك بعد ما سمحلك ضميرك إنك تعيش وإنت شايل على قلبك ذكريات الحرب المريعة، رجع طلق مراته وأخد أستوديو في الضواحي، إشترى كاميرا وإتعلم الفوتوغرافيا وبقى ياكل منها عيش، مش بذمتك أحسن من الكلاشينكوف والشغلانة السودة، في مونمارتر شافها، مكانش شافها قبلها من ساعة ما إتقابلوا في البوسنة، تجاهل وجودها، بس هي عرفته، سلمت عليه بحرارة بس لاحظت برودته، عرضت عليه يسهروا سوا، مأبداش إعتراض فإفتكرته وافق، أخدته على الطاحونة سكروا ورجعوا على شقته يتطوحوا، أول لما دخل بيته نام، فاق الصبح لقاها بتبصله، حسها بتحاصره، من غير مناسبة قال لها، قال لها إنه سابه يموت باللغم، حيعمل إيه يعني، مفيش حاجة في الأرض كانت تقدر تخلصه، هل كان من الذكاء إنه يقعد جنبه واللغم يفرقع فيهم مع بعض، طب وليه، ماهو ميت ميت، قعد إتهم ودافع وإتهم ودافع لحد ما زهقت، أخدت شنطتها وعلى الباب قالتله:
_أنا مش فاكرة إنت بتتكلم على إيه !

4.11.2010

ونحن لنا

في صباح الغد، سنكون اثنين غيرنا، سأكون ألطف -أعدك- بذقن خفيفة كما تحبينها وشعر قصير، أرتدي تلك الأشياء التي تجعلني أبدو أكبر سناً، تلك الأشياء التي ترفعني إلى جوارك كما ترتقي بكتفك كعوب أحذيتك الطويلة لتحاذي كتفي.

في صباح الغد سنكون اثنين غيرنا، ستكونين ألطف، أهدأ حالاً مما تركتك في مساء البارحة وأرق حاشيةً، ستحتضنيني بشغف، تعاتبيني على غيبتي وتربتين على كتفي متفهمةً أني أدق مزاجاً من أن أكون طوع تقلبات مزاجك، ستحدثيني عن اليومين الفائتين بتلك النبرة التي أحبها، وسنكون أحسن حالاً مما كنا عليه.

في صباح الغد -الذي ربما لن يأتِ أبداً- سنتبين الاحتمالات اللانهائية التي قد يحملها كوننا اثنين غيرنا.

4.07.2010

عن الكتابة

في أوقات كنت فيها أقل نضجاً تصورت أن الكتابة هي نشاط فعلي يتطلب من الإنسان موهبة عميقة للقيام به، تبدو الكتابة في عيني اليوم أقرب للإحتفاء بمعارفنا اليومية التافهة والتي لا نجني منها مالاً، على سبيل المثال لن يستطيع إبراهيم عبد المجيد أن يبيع معرفته بشوارع الأسكندرية، لكنه حتماً يستطيع أن يصوغ معرفته -التافهة- هذه ليكتب بيت الياسمين مثلاً، كما لن يستطيع كونديرا أن يعمل أستاذاً للفلسفة بجامعات براج إستناداً على وجهة نظره في مغزى فكرة العود الأبدي أو رأيه في الخفة والثقل، لكنه يستطيع أن يكتب رواية يسميها "خفة الكائن التي لا تحتمل" يودعها كل تلك الأشياء التافهة والأقرب في الواقع إلى "المحن" أو إنعدام الفاعلية الإنسانية بشئ من الميوعة الأنثوية.

ربما لهذا السبب تحديداً صرح تولستوي يوماً قائلاً أن أي جزمجي أفيد للبشرية من شكسبير، هذا التقديس للعمل الفعلي -اليدوي تحديداً- نابع عن إحتقار حقيقي لكل تلك الأشياء المتوهمة، الموهبة والكتابة واللغة، كل تلك الأشياء التي يتشدق بها العلوق الصغار بوسط البلد متنافسين بها على الصحفيات الأجنبيات والمساحات الخالية في صفحات الثقافة.

4.04.2010

برلم

من بين كل الصفات الجسدية المختلفة وتحديداً المحبب منها فيما إتفق البشر على تسميته بالوسامة، ترك لي قدري تذكارين صغيرين على جانب وجهي، لا أدري تحديداً قيمة أن أمتلك أذن صغيرة تستجلب الإعجاب والسخرية وأحياناً الحسرة -باعتبار أن الإله غالباً ما يعطي الحلق للكائنات التي تسمع من مؤخراتها- لكنه الواقع على كل حال معدوم الدلالة ومطلق السلطة.

في رواية جوجول البديعة "الأنفس الميتة" وصف جوجول حديقة أحد الإقطاعيين الروس مركزاً على تفصيلة محددة، حين أنشأ الإقطاعي محل إقامته كان متأثر بشدة بزيارته لفينيسيا على ما يبدو، أمر مهندسه أن يبني له قناة مائية وأن يجسرها بجسر على غرار تلك الجسور البديعة في فينسيا، حفر الرجل قناة بعرض متر وطول خمسة أمتار وبنى فوقها جسراً، وصّف جوجول المشهد بأنه كان يحمل نوعاً من الجمال الجروتيسكي، الغريب في الأمر هو كيف استطاع الإقطاعي أن يتحمل هذا المنظر الشائه في حديقته، وكيف استطاع جوجول أن يصف المشهد بالجمال وإن كان قد ألحق الوصف بنقيضه حينما أكمل "جروتيسكي".

في حين ترك جوجول الأمر عند هذا الحد، توقف كونديرا كثيراً أمام جمال وغواية القمامة، ربما يرجع هذا الأمر أن الغواية المدينية لم تكن قد أصابت روسيا القيصرية بعنف في الوقت الذي كتب فيه جوجول روايته، أما كونديرا الآتي من عصر يموج بالإيديولوجيا ونقيضها المؤدلج في آن، فمن المحتم أن القمامة المدينية قد استوقفته كثيراً.

أفكر في هذه الأشياء جميعها حينما أرقب إحتفائي الشخصي بالقمامة المدينية المنهالة عبر الوسائط المختلفة، هذه الرغبات العارمة في الاستعراض والشعور القاتل بالرسالية تجعل الحياة قابلة لأن تعاش أكثر، حين تشاهد تلك الأشياء تدرك في الواقع أن ما حسبته استعراضاً منك أمام فلان أو علان حتماً لم يكن بهذا السوء، وأن هذه الأشياء التي كتبتها لم تكن بهذه البشاعة، وعلى الرغم من هذا لا تخلو تلك الأشياء من جمال خاص بها ومنطق يحركها، لا أستطيع أن أنفي أني سعيت أحياناً لأن أشاهد كليبات مصطفى كامل متأملاً بعمق في مدى سوءه للدرجة التي تجعله جميلاً في ذاته ومنقطعاً عن أي سياق، جمال جروتيسكي بالضبط كما وصفه جوجول.

4.01.2010

"... شئ غير اللي إحنا فيه"

تفتكري كنا موجودين... أنا قصدي يعني، حقيقي موجودين، الحقيقة مش بتكلم عاللي فاكراه، إنتِ عارفة الذاكرة خوّانة، زي أول مرة قلتيلي بحبك، حتفتكري، معتقدش، ولو مفتكرتيش حتألفي حاجة ومش حعرف أقول لك "نصابة"، أنا بفكر في إننا كنا فوق سحاب –وإنتِ عارفة السحاب ما يشيلش أجسام تقيلة زينا- والسحاب نازل منه مطر وإحنا بنتفرج مبسوطين، زي عيال بترش ميّة على اللي ماشيين، أنا فاكر إننا كنا دواير، مكتملين، زي تمام القمر وزي السميط، أنا فاكر إيديا في إيدك وإيدك في إيدي صغيرين، بنسبح بحمد الإله اللي هدانا لبعضنا، تفتكري بعد كل دا نكون موجودين منين؟
* العنوان من قصيدة لفؤاد حداد