5.13.2010

هبني نسياناً

بينما كنت أفطر اليوم، أخذت أفكر في الأسبوعين الأخيرين من حياتي، كل العنف المجاني الذي ارتكب بحقي، كل العنف الذي ارتكبته، الهيستيريا وناظم الغزالي، بَكريّة وعمرو عزت، كل الأشياء التي حدثت وكان يجب ألّا تحدث، كل الأشياء التي لم تحدث وكان ينبغي أن تحدث، كل الأشياء، وتعجبت من قدرتي على الجلوس هادئاً لآكل في صمت الأومليت على طريقة تريز دو كوان بينما أشاهد فيلم عربي رخيص.

الحياة بالفعل معجزة.

5.11.2010

لا تهلكْ أسىً وتجمّل

في اليوم الأول شعرت بالألم.

خلعت ملابسي ووقفت عارياً أمام مرآة، قلبت ببصري في صورتي لم ألحظ شيئاً مختلفاً أطفأت النور ونمت.

في اليوم الثاني شعرت بدنو الموت، خلعت ملابسي ووقفت عارياً أمام مرآة، قلبت ببصري في صورتي ولاحظت دملاً في خن فخذي، قلت "هو طاعون"، أطفأت نور غرفتي وكتبت عدة خطابات وملاحظات، واستمعت لليليات شوبان حتى نمت.

في اليوم الثالث شعرت بالوجع، خلعت ملابسي ووقفت عارياً أمام مرآة، قلبت ببصري في صورتي فوجدت دمل الطاعون قد اختفى وظهر مكانه دملين، أحدهما في ربلة ساقي والآخر في زندي، قلت لا بأس، وشرعت في بكاء محموم أعقبه نوم عميق.

في اليوم الرابع قلت سأنجو، حزمت أمري واتجهت إلى بركة شرقية، نزلت لأستحم فوجدت دملي ربلة الساق والزند قد اختفيا، نظرت إلى وجهي فوجدته وقد تراكمت عليه تجمعات دموية صغيرة، مددت إصبعي وتحسست أحدهم فانفجر تاركاً وراءه ثقب ينفذ إلى عظام فكي، خرجت مهموماً، غلفت وجهي بقطن وشاش لكيلا يراني أحد، وعلى الضفة نمت.

في المنام وجدتك، بين إحدى عشرة زهرة في فناء فسيح وجدتك، أقعدتني على الأرض ونزعتِ عن وجهي حجابه، وانهلتِ على وجهي بالقبلات، ثلاثمئة ونيف قبلة، وبعد أن انتهيت رأيت وجهي في عينك، كنت جميلاً، كان كل شيء على ما يرام، هممتِ بالرحيل فاستوقفتك، تعللتِ بانتهاء الحلم فقٌمتْ.

في اليوم الخامس قلت سأضحك، نزعت عن وجهي القطن والشاش وأطللت على وجهي في البركة فألفيته ممزقاً من أثر تفجر الثآليل الدموية الصغيرة.

ومنذ ذلك الحين لم أكف عن الضحك.

5.09.2010

يحبني العجائز

يحبني العجائز... يلقونني في الباصات باسمين، ينظرون تجاهي بفضول فأرفع رأسي عن كتابي لأهز رأسي برقة -وأحياناً بجلافة- أقوم في هدوء –وأحياناً لا أقوم-، أجلسهم مكاني لنتحدث عن الطقس، عن الطريق، عن الأبناء السيئين، عن أي شيء ممكن فقط نتحدث.

يحبني العجائز... يلقونني في القطارات، يخرجون صور الأبناء المهاجرين إلى كندا أو أستراليا، يبتسمون بأسى "أنظر كم كان ابن الكلب جميلاً حينما كان في الخامسة... أنظر إلى ابنه" أصمت لأني أعلم أن لا شيء يمكن أن أقوله سيخفف عنه وحشة السفر وحيداً في قطار، يفتح الله عليّ بنكتة فألقيها، ينظر إلى في صمت دون أن يضحك "أتعرف.. جميعهم أولاد كلب".

يحبني العجائز... يستقبلونني في بيوتهم يحكون لي عن حيواتهم الماضية، عمن أحبوهم ومن أخطأوا في حقهم، تدمع أعينهم أحياناً ويضحكون أحياناً، وتدمع عيني أحياناً وأضحك أحياناً، في كل الأحوال... العجائز يحبونني.

أيام مع سونة

_بتحبيني يا سونة؟
_لأ
_ليه؟
_عشان شرموط
_طيب
.....
_بتحبيني يا سونة؟
_آه
_ليه؟
_عشان شرموط
_وأنا كمان بحبك يا سونة..
*
في المساء تضع عزيزتي "إحسان" كونشرتو البيانو الأول لشوبان، محتملةً شرخ الأسطوانة السخيف الذي يقف بالكونشيرتو عند الحركة الثانية، من بين التماثيل الهندية والأيقونات البولندية في غرفة السفرة تخرج سونة بورتريهات عشاقها الخمسة، تنادي عليّ لتشير إلى أحدهم:
_شايف يا خول.. كان أحسن منك ومن اللي جابتك، كان شاعر، دا شنبه لوحده يوزنك يا متناك
_ما طبعاً لازم حتقوليلي كدا، ماهو كان حيشغلك في مجلس تحرير الحرية*
_يا عم لا اشتغلت ولا نيلة، أهو إتقبض عليهم قبل ما ننزل بصفحة حتى
_كنت حتتاخدي ت.ث.** يا سونة
_والله يابني ولا كنت أعرف ت.ث. من ح.خ. ..
...
عزيزتي إحسان.. سلامٌ عليكِ


* مطبوعة لتنظيم شيوعي في السبعينيات
** تيار ثوري

5.06.2010

تمزيق نياط القلب



في إحدى جولاته في العاصمة بغداد، سمع ناظم الغزالي صوته صادراً من راديو قريب، تتبع الصوت حتى وصل إلى بيت متواضع في شارع جانبي، فإذا بسيدة عجوز مقعية على الأرض أمام باب المنزل واضعة جبهتها على رسغها تنهنه في صمت، وقف ناظم أمامها متسمراً واستمع معها إلى نفسه يغني "أي شيء في العيد أهدي إليك" كأنما يستمع إلى صوته لأول مرة حتى إذا وصل إلى "أخموراً؟.. وليس في الأرض خمر كالتي تسكبين من عينيك" فإذا بعينيه تفيضان بالدموع، انتبهت السيدة العجوز فرفعت رأسها ونظرت إلى وجهه، التقت عيناهما للحظة ولمع فيهما تفهم لحظي، قبل أن تعود السيدة لتضع جبهتها على رسغها، ويعود ناظم ليسعى في طريقه.

5.05.2010

روتين

استيقظ يومياً على نفس الصوت، ديانا كرال تغني أغنية العظيمة سيزاريا إيفورا "بيسامي موتشو"، أقوم أقف أمام المرآة صافعاً نفسي ثلاث صفعات قبل أن أدفس رأسي تحت الماء.
أمشي يومياً في ذات الطريق، خروجاً من سليمان جوهر إلى نوال يميناً ثم مروراً من أمام قسم العجوزة حتى مطلع كوبري ستة أكتوبر.
أركب يومياً نفس الحافلة 167، أنزل أمام قاعة المؤتمرات ثم أستقل ميكروباص حتى رابعة العدوية.
أجلس على نفس المكتب.. أدخل جزء من الصحيقة حتى يتمرن مدخلو البيانات الجدد على إدخال البيانات.. أشرب النسكافية في ذات الكوب، آكل نفس ساندوتش الأومليت الأسباني، ألقي نفس النكات، أنهي ما أفعل عند الرابعة.
أنزل في نفس الميعاد، أقف في ذات المكان منتظراً ذات الأوتوبيس الذاهب إلى رمسيس، أنزل أمام نفس الرجل، أرد على طلبه مني باعطاءه نصف جنيه بذات الـ"لا" اليومية.
أستقل نفس عربة المترو من نفس الباب، أنزل أمام السلم الكهربائي، أقطع سليمان جوهر من جهته المقابلة، أخرج مفاتيحي من جيبي أمام نفس المحل، أدخلها ثانية حينما ألج إلى الشقة.

اليوم يكسر غضبي العنيف إيقاعي للمرة الأولى منذ أسبوعين.

5.01.2010

Pas Vraiment

بينما كنت أمشي في وسط البلد لفت نظري صرصور أحمر يسعى على الأرض، لسبب من الأسباب -لا يمت بصلة في الغالب لرغبة طارئة في إنهاء الحياة- تعثر الصرصور عند درجة سلم ووقع على ظهره، وللحظة خطر لي أن أدهسه، لكني بعدها شعرت بالرثاء لحالي، آدمي لم يوفق في أن يجد حذاء يناسبه بعد سعي طويل فقرر أن يدهس صرصوراً بدلاً من ذلك، عدلت عن دهسه وعدت لمساري.

في أيام أخرى كنت أتعجب من السلحفاة، كنت أستيقظ في منتصف الليل على صوتها وهي تصطدم بالجدار فأخرج لأجدها مقلوبةٌ على ظهرهاً -الأمر الكفيل بموتها مخنوقة- فأعيدها على أقدامها لأجدها تكررها بعد أسبوع، لماذا قد تسعى سلحفاة للإنتحار، ربما كانت رفقتي شنيعة لدرجة لا تقوى حتى السلاحف على إحتمالها، ربما أدركت أخيراً أني وعلى الرغم من سنوات اللهو الطويلة كنت أتمنى أن تأتي لي أمي بقطة بدلاً منها، غير أني مع تكرر الأمر تركتها يوماً لتفعل ما أرادت لأستيقظ بعدها فأجدها ثاويةً على أقدامها الأربعة تمضغ الخس في تباطؤ.. كانت سلحفاتي اللطيفة تلعب ولا شيء آخر.

وكما أخفت عني السلحفاة لشهور أن إنقلابها على ظهرها كان وسيلة لتزجية الليل الممل على ما يبدو، لم أخبرك أنا أيضاً عن منار. كانت منار إحدى ألطف فتيات مدارس وسط الجيزة، ذقن محددة وشعر منسدل، ملامح دقيقة وبقعة بنية في بياض العين اليمنى، كانت فاتنة، قابلتها منذ أشهر في واحد من تلك الأسابيع الرديئة التي مررنا بها، صادفتها بدايةً في المكتبة أسفل مقر عملي القديم ثم تقابلنا خمس مرات في أسبوعين، في اليوم الأول تكلمنا عن نيتشة وأشعيا برلين ومحاولات التنظير لنظرية سياسية إسلامية ومستقبل حركات المقاومة في المنطقة، في المرة الثانية تحدثنا عن ليرمونتوف وتأثيره الملحوظ على كونديرا وتأثر كونديرا العنيف بدوستويفسكي، في المرة الثالثة تحدثنا عن الموسيقى الكلاسيكية، في الرابعة تحدثت عنكِ، في الخامسة قررت أني لن أراها ثانيةً، كانت منار لطيفة كما كانت دائماً، كانت لطيفة وقد زال عنها تعاليها القديم وصقلتها دراستها وحب مفاجئ إنتابها في الجامعة لقراءة الأدب، كنت أيامها أفكر أني أستمتع بالفعل برؤية منار لكننا محض أصدقاء، لكني عندما علمت أني على وشك أن أختار ذهبت لما أردته منذ البداية، ذهبت إليك.

هذه المعضلات الوجودية لا تختلف إطلاقاً عما يعانيه أحمد نظيف، يصحو أحمد نظيف منذ سفر رئيسه للعلاج ويقف أمام المرآة ليحلق ذقنه ويفكر، لا يفكر نظيف بأزمات الزبالة، لا يفكر بالسولار، لا يفكر في زوجته الراحلة ولا حتى في كونه قد إختار إمرأة لعوباً ليتزوجها، يفكر نظيف في شيء واحدِ فقط "لمَ لا أغير الدستور"، السلطة مغرية، لكن الأمر في تلك اللحظات التي يقف فيها أمام المرآة لا يعدو كونه لعبة، حركة بسيطة كحركة الصرصور قد تنقلب بعدها الأشياء ربما للأبد.