5.01.2010

Pas Vraiment

بينما كنت أمشي في وسط البلد لفت نظري صرصور أحمر يسعى على الأرض، لسبب من الأسباب -لا يمت بصلة في الغالب لرغبة طارئة في إنهاء الحياة- تعثر الصرصور عند درجة سلم ووقع على ظهره، وللحظة خطر لي أن أدهسه، لكني بعدها شعرت بالرثاء لحالي، آدمي لم يوفق في أن يجد حذاء يناسبه بعد سعي طويل فقرر أن يدهس صرصوراً بدلاً من ذلك، عدلت عن دهسه وعدت لمساري.

في أيام أخرى كنت أتعجب من السلحفاة، كنت أستيقظ في منتصف الليل على صوتها وهي تصطدم بالجدار فأخرج لأجدها مقلوبةٌ على ظهرهاً -الأمر الكفيل بموتها مخنوقة- فأعيدها على أقدامها لأجدها تكررها بعد أسبوع، لماذا قد تسعى سلحفاة للإنتحار، ربما كانت رفقتي شنيعة لدرجة لا تقوى حتى السلاحف على إحتمالها، ربما أدركت أخيراً أني وعلى الرغم من سنوات اللهو الطويلة كنت أتمنى أن تأتي لي أمي بقطة بدلاً منها، غير أني مع تكرر الأمر تركتها يوماً لتفعل ما أرادت لأستيقظ بعدها فأجدها ثاويةً على أقدامها الأربعة تمضغ الخس في تباطؤ.. كانت سلحفاتي اللطيفة تلعب ولا شيء آخر.

وكما أخفت عني السلحفاة لشهور أن إنقلابها على ظهرها كان وسيلة لتزجية الليل الممل على ما يبدو، لم أخبرك أنا أيضاً عن منار. كانت منار إحدى ألطف فتيات مدارس وسط الجيزة، ذقن محددة وشعر منسدل، ملامح دقيقة وبقعة بنية في بياض العين اليمنى، كانت فاتنة، قابلتها منذ أشهر في واحد من تلك الأسابيع الرديئة التي مررنا بها، صادفتها بدايةً في المكتبة أسفل مقر عملي القديم ثم تقابلنا خمس مرات في أسبوعين، في اليوم الأول تكلمنا عن نيتشة وأشعيا برلين ومحاولات التنظير لنظرية سياسية إسلامية ومستقبل حركات المقاومة في المنطقة، في المرة الثانية تحدثنا عن ليرمونتوف وتأثيره الملحوظ على كونديرا وتأثر كونديرا العنيف بدوستويفسكي، في المرة الثالثة تحدثنا عن الموسيقى الكلاسيكية، في الرابعة تحدثت عنكِ، في الخامسة قررت أني لن أراها ثانيةً، كانت منار لطيفة كما كانت دائماً، كانت لطيفة وقد زال عنها تعاليها القديم وصقلتها دراستها وحب مفاجئ إنتابها في الجامعة لقراءة الأدب، كنت أيامها أفكر أني أستمتع بالفعل برؤية منار لكننا محض أصدقاء، لكني عندما علمت أني على وشك أن أختار ذهبت لما أردته منذ البداية، ذهبت إليك.

هذه المعضلات الوجودية لا تختلف إطلاقاً عما يعانيه أحمد نظيف، يصحو أحمد نظيف منذ سفر رئيسه للعلاج ويقف أمام المرآة ليحلق ذقنه ويفكر، لا يفكر نظيف بأزمات الزبالة، لا يفكر بالسولار، لا يفكر في زوجته الراحلة ولا حتى في كونه قد إختار إمرأة لعوباً ليتزوجها، يفكر نظيف في شيء واحدِ فقط "لمَ لا أغير الدستور"، السلطة مغرية، لكن الأمر في تلك اللحظات التي يقف فيها أمام المرآة لا يعدو كونه لعبة، حركة بسيطة كحركة الصرصور قد تنقلب بعدها الأشياء ربما للأبد.

ليست هناك تعليقات: