6.23.2010

والمحصلة دائماً صفر

أفتح صفحة جديدة، أجلس امامها للحظات أغلقها ثم أفتحها ثانيةً بعد دقائق. في النهاية ما الذي يمكن أن يقال؟

يمر البشر يومياً بتلك الحالات من الشعور بانعدام الوزن وإنعدام المعنى، ما الذي يميز شعوري بتلك الأشياء ليجعله جديراً بأن يحكى أو حتى يكتب في صفحة مهملة في مجاهل الإنترنت سوى كونه ذلك الشعور ملكي في لحظة معطاة؟!

أحدق في السقف ساعات يومياً، لا حباً مني في الصفرة الزاحفة عليه ولا تأملاً، لا شئ من ذلك حقاً أو ربما لا شئ من أي شئ على الإطلاق.

لا يمكنني أن أتذمر دون أن أنال -من نفسي قبل أي أحد- جانباً من السخرية، ولم أتذمر من الأصل؟ لا معاناة حقيقية في حياتي وربما تلك هي المأساة، لا يتوقف الناس في غزة أو في العراق أو لماذا نفترض تلك الأشياء البعيدة دعنا نقل لا يفكر الناس في بولاق الدكرور في معنى الوجود، فقط أطفال المدارس التجريبية المدللين يفكرون في تلك الأشياء معدومة المعنى، الفن والكتابة، تحقيق الذات وما إلى ذلك من الخراء البرجوازي، لو عاينت حقاً تلك الأشياء (الحقيقية) و(الواقعية) التي يعاينها ناس ربما كنت لأكون أكثر قدرة على الحمد، أما أنا الآن ففي "مقام العبث" أفكر في هواجسي القديمة والحاضرة لأستحق بالضبط الكدر الذي أعيشه، لا أكثر لا أقل.

6.18.2010

قاهرة

أفكر: هل حبي للقاهرة يغنيني عن حب ذاتي؟

أتعرض يومياً لآلاف المضايقات، المباشرة وغير المباشر، القاهرة العجوز تنوء بالحمل الزائد يومياً من المهاجرين من أقطار البلد لقلبها، ونحن هنا نتجرع حثيثاً فوضاها المرهقة.

أفكر في حبي للقاهرة، أليس عبثياً أن أحب هذا المكان على ما شهدته فيه، إحتكاكات طائفية يومية، تحرشات جنسية، عنف مجاني، القاهرة تستنزف طاقتي لمجرد الخطوة أخطوها على أسفلت شوارعها.

أفكر: هل أريد حقاً أن يتربي أبنائي هنا؟، مكروهين وممزقين بين ما يرون أنه صواب، وبين الخيارات الجمعية المحصورة في أن نذهب إلى نهرنا المترع بالجنون لننهل منه؟

هل آمن على نفسي هنا، إلا كما أمن آلاف الأموات من ضحايا حوادث الطرق، وقتلى العراك في الضواحي حول القاهرة، والبنات في وسائل المواصلات العامة، والأقباط في أحياء ذات أغلبية مسلمة، والبهائيين، ورواد الجناين من المحبين الصغار، وبائعي الورد في إشارات المرور على أنفسهم وأقواتهم قبلي؟

أفكر في خيارات رحيلي، هل أغادر إن وجدت الفرصة، هل أبقى في ساحرتي العجوز، هل أتحمل النظر إلى وجوه لا تتكلم لغة أعرفها ولا تعبر كما أريد، هل أتحمل النظر في الوجوه العدائية المحيطة باختلافي؟

أنا فقط لا أريد أن أرحل، لا أريد أن أكره يوماً ذات الأماكن التي أحببتها لأنها شهدت بعضاً مني، البعض الذي أفقده يومياً ببقائي، والذي سأفقده حتماً يوم أغادر.

6.15.2010

يا وحدي

صديقي الساذج، الذي أحتل مقعده بجواري في الباص في طريقنا الإمتحان، هذا الذي قضى معي الليل منكفئ على البيرة وصوت أم كلثوم، لم تختلف معطياتنا للحظة، كنا متعادلين كخيول السبق، حتى صعدت السيدة العجوز، فوزعت الأذكار وأشارت إلى ساعتي فأعرضت عنها، ثم أشارت إلى ندبة قديمة على ظاهر يده فخلعها عن طيب خاطر وضم يده بها فأخذتها ممتنة، لم تختلف معطياتنا حتى ظهرت النتائج فوجدته ناجحاً، أولئك الناس الذين دعت لهم السيدة بالستر والصحة وطول العمر، حظوا بكل ما أرادت السيدة من ستر وصحة وطول العمر، وبقيت أنا وحدي.

فيا وحدي.

أما الفتاة التي قابلتها في المصعد، ولمحت في يدها روايتي المفضلة فسألتها عنها، لم ألحظ لوهلة الضيق في عينيها، لم ألحظ أنها ما أرادت إلا أن تسمعني أمتدح وجهها أو الخال على عنقها، لم ألحظ أنها ما أرادت كلاماً عن الوجود والعدم، لم ترد أن أكلمها عن الشعر بل أرادت أن تكون القصيدة، بهذه البساطة، فلما إمتنعت، جاء بعدي من إمتدح الخال، والبريق في عينيها عند إمتداح الخال فرحلت معه وبقيت أنا وحدي.

فيا وحدي.

6.12.2010

ممممم

وأنا اثنان.. أحدهما على حافة الماء ينظر هل غير الدهر وجهه أم توهم أنه صار أجمل.. والآخر في قلبه يطفو كخشبة، بلا ذكريات قريبة أو بعيدة.
وأنا اثنان.. رفيقان متجاوران على مقعدٍ في باص متجه إلى حافة الدنيا يقول أحدهما للآخر "وددت لو جلست بعيداً عنك لكيلا أراني" فيرد صاحبه "وددت لو قتلتك لأخفف عنك عبئك".
وأنا اثنان.. أحدهما يحبه العجائز والضالين عن السبيل.. والآخر يلهو بقذف قشر الفستق على المارة فيبصق رجل على وجهه "يا ابن القحبة.. أفسدت هندامي".

6.09.2010

7

إهداء:
إلى صديقتي الأعز، مجاز المجازات، روليت الموهبة الروسي والكائن الوحيد الذي لا أخجل من خيانة نفسي أمامه.
الكتابة.. سحر الاحتمال الكامن في توالي أحرف وراء أحرف لتُكَوِّن كلمات وراء كلمات لتَكوْن جملاً يشكل مجموعها نصاً، جميل أو قبيح... صاخب أو خافت، منطقي أو عاطفي، في كل الأحوال هو أنا وقد تجليت في صورة أكثر صفاءاً.

-1-
قال لي خلّي:
"أنظر الأمر بسيط" قالها وتمدد فجأة على الأرض "متر في متر و79 سنتيمتر لا أكثر، جميع الأمور محلولة".
"لا أكره الموت"، قلت، "أحب حياتي ولا أكره الموت".
قال "فما تكره؟"، قلت "طول الأمل"، سألني "فما أصابك منه؟"، قلت "الانتظار".
قال "انتظارك قربانك، فلا تبذله واجعله عليك عزيزا".

-2-
ألعاب الطبيعة:
شفتاي الضخمتان -شأن شفاه كل الزنوج- لا يواريهما في وجهي سوى لحيتي الكثيفة.
لحيتي الكثيفة لا تروق الكثيرون، لكن فيم عساهم يفكروا إن إكتشفوا يوماً -حينما أحلق ذقني- أن شفتاي ضخمتان؟

-3-
بقعة زرقاء باهتة:
لا أعزو فقدان شهيتي لحزني على البيّن، بل أعزوه إلى رغبة طارئة -انتابتني حينما بلل الماء أطراف أصابعي- في المشي خفيفاً، رغبة بدأت بفقداني الأشياء عنوة... وانتهت بإرادة في التخلي عن كل ما يثقل خطوي.

-4-
مسّ ظاهر الأيدي:
كان انبلاج أطراف قواطعك من وراء قطعتي كرزك -المعروفتان خطئاً بأنهما شفتيك- هو ألطف ما منحني إياه آن من بين كل الآونة الماضية من عمري.

-5-
أضغاث أحلام:
قال لي ملاكي الحارس مربتاً على رأسي "أسعد الله أيامك يا فتايّ الطيب".. أنفض عن رأسي النوم والأمنيات الطيبة "يكفيني للآن ألّا آسى على ما مضى".

-6-
أنا:
منذ أسبوع أحلم بنفسي باكياً، منذ سنوات لا أذكر عددها أبكي أثناء نومي كلما شعرت بالضيق.
منذ أسبوع أستيقظ شاعراً بخدي رطباً، منذ أسبوع لا أرفع يدي إلى وجهي حينما أصحو صافعاً نفسي كما أفعل منذ سنوات خشية أن أتأكد من أني كنت أبكي نائماً.

-7-
صديق:
كان أحد أصدقائي يروي لي منتشياً في الأيام الخوالي أن صاحبته ترفع يدها إلى فمه حينما يتثاءب لأنه ينسى عادةً، فيطبق شفتيه عليها مازحاً قبل أن يطلقها ليعيدا الكرة مرات ومرات.
منذ فترة ألاحظ أن عينيه تدمعان كلما تثاءب.

6.05.2010

فاهدأ الآن

خلال دقائق لن يكون هناك شيء، فراغ أبيض مريح -أو هكذا أتوقع- خالٍ من الأطياف، أنا وحدي هناك، هامش على هامش، لا شيء مهم، لا شيء أعلى أو أدنى، لا شيء على الإطلاق.

خلال دقائق سأستريح، بوابات تلو بوابات، أجتاز أحدها فأتخفف من جسدي، أجتاز أخرى فأتخفف من ألمي، أجتاز تاليتها فأتخفف من علمي، هكذا... حتى أصير روحاً ترى عبرها أنوار جنانٍ علوية، أنهار وعيون، وفاكهةٌ وأرائك، وأنا هناك ولا شيء.

خلال دقائق لن يكون هناك أنا، وهذا المتحدث الآن سيصمت أبداً حتى يدركه نومه، فيوقظه صاحبه "إنهض، آن أن نعود".

6.02.2010

أغانينا القديمة

في البدء كان زياد سحاب، الجو المتقلب في شتاء عجيب ونحن نسعى، هنا... هناك، لا فارق ضخم، تماس عابر للأيدي، أي لحظة كانت تلك يا ترى التي دفعت كرة الثلج من أعلى المنحدر؟ التفاتة خفيفة؟ يدك ترتفع لتزيح شيئاً ما عن كتفي؟ انتباهي لشعرة نافرة نبتت -كعشب صحراوي- في منتصف رقبتك؟ لا أدري.

هنا... على أكتوبر كان ليونارد كوين، لحظات متوترة تعقب الأخرى، هناك شيء ما، حتماً هناك شيء ما لا يعلمه أحدنا عن الآخر. تتحرك الأحداث في اليوم مثل حركة الشمس، صباحات لطيفة، ظهر مشتعل، وانطفاء عنيف في الليل، أكان يمكن أن نتجاوز؟ لا أدري.

في مكتبي القديم كانت توري آموس، كنا قد ابتعدنا لفترة، كنت أستمع إليها مقلباً كفي، وعيني على خطوط ظهرت فجأة في السقف، ولا شيء إلاكِ، في الإفطار، في الاستراحة، في المكتبة، لا شيء... لا شيء على الإطلاق إلا ابتسامتك تتبدى، تطل من أعلى فيضيء وجهي تارةً ويظلم تارة.

في الزمالك كانت أم كلثوم تحدثنا قليلاً عن الأمل، لمَ لمْ أكن منتبهاً حينها؟ هل كنت مشغولاً بتأمل كفك؟ خطوط وجهك الممتدة كأنما تتجه إلى أبدية ما؟ هل كنت لأعلم كيف أنجو لو كنت قد وعيت درسي جيداً حينها؟ لا أحد يعلم.

في غرفتي القديمة -أنام في الصالة الآن- كان دافيندرا بانهارت، تهويم غير واضح، وأنا مستسلم لانخفاض الأرض وعلوها حيثما أسير، ولكل الأشياء معنىً مختلف، قمصاني، كتبي، المنبه القديم، كل ما لمسته صار ذهباً، كل ما لمسته لا استطيع أن أقربه الآن.