7.26.2010

ولكن ..

حياة البشر أثمن من أن تكون وقود لمحرقة تقيمها إرادة عبثية لفرد مجنون، غير أن حياة البشر تكتسب قيمتها في الأصل من خلال مقاومة إرادة الأفراد المجانين العبثية.

7.21.2010

مَسّاك في حقل الشوفان


"عارفة الأغنية اللي هيّ (لو جسم يخبط جسم طالع من غيط الشوفان)؟ أهو أنا بقى نفسي..."
"لأ دي (لو جسم يقابل جسم طالع من غيط الشوفان) دي قصيدة أصلاً لروبرت بيرنز"
"مانا عارف إنها قصيدة لروبرت بيرنز"
كانت محقة.. لكنّي لم أكن أعلم حينها.
"أنا بس كنت فاكر إنها.. ما علينا.. أنا بقعد أتخيل كل العيال الصغيرين دول بيلعبوا لعبة كدا في غيط الشوفان، آلاف العيال الصغيرين ومفيش حد حواليهم -مفيش حد كبير يعني- غيري. وأنا واقف على حافة جرف مجنون. اللي المفروض أعمله إني أمسكهم لو بدأوا يروحوا ناحية الجرف، قصدي يعني لو قاعدين يجروا ومش شايفين هما رايحين فين أنا لازم أطلع من أي حتة وأمسكهم، دا اللي أنا حعمله طول اليوم، حبقى مجرد مَسّاك في غيط الشوفان وبس. أنا عارف إنه جنوني بس دي الحاجة الوحيدة اللي أحب فعلاً إني أعملها. أنا عارف إنه جنوني"

ترجمة مرتجلة لمقطع من "مَسّاك في حقل الشوفان" لـ"جي.دي.سالينجر"

7.17.2010

موود

هل أتغير أم هل تغيرت الأشياء؟، كل الأشياء التي أحببتها يوماً تتلاشى بصمت ولا شئ يبقى سوى أحد سميعة أم كلثوم المتحمسين يصفق بعنف "الله يا ست"، كان خالي يحتقر أم كلثوم لأنه رأى أحدهم يركع تحت قدميها في صورة ما، خالي –السلفي حينها ونصف المجنون الآن- لم يستطع أن يفهم قصور اللغة، لم يفهم أن هذا الشخص قصر لسانه عن إيفاء الست حقها فركع، لا لأنه يعبدها، لكنه لا يجد ما يشير به لحاله سوى أن يضع جبهته على الأرض أمامها، أما أنا فلست بوضوح الرجل مع ذاته، أستغرقت أعواماً لأكتشف عدم جدوى الكلام، أعوام قضيتها متكلماً على قهاوي المهندسين ووسط البلد وعلى طول الطريق من الدقي للحسين وعلى غرف الدردشة وعلى المراسيل الألكترونية، اليوم نفد كلامي لا يوجد ما أقوله ولا رغبة لي في أن أحكي لك قصة حياتي أو أياً كان ما تريد سماعه.

تغيرت آلاف الأشياء في ذاتي، منذ أعوام ثلاثة وأنا أصحو يومياً لأجد نفسي شخص غير الذي رقد على سريري البارحة، تراكمت التغيرات اليومية لأجد الفرق بيني وبين ذاتي قبل ثلاثة أعوام هو ذات الفرق بينك وبين والدرافيل، فائض غضبي تراكم حتى فاض، اليوم أنا وجع فعلي في المؤخرة لكل من يعرفني حق المعرفة، وأحياناً مؤذي بعنف، أتقدم في العمر لأجد نفسي قريب من بداية الدائرة وبمعدل تقدم يزيد قليلاً عن معدلات أقراني وحتى أولئك المتقدمين عني، يوماً ما سأجد نفسي شيخاً في الثلاثين لا يجد ما يفعله سوى أن يلوك سنته الماضية بوصفها تاريخاً، أنا الآن طفل يعرف القليل عن بعض الأشياء ويجيد بعض الأشياء ولا يجيد بعضها الآخر، بتقلبات مزاجية حادة ورغبات طارئة لا تحتمل سوى التنفيذ، ولذلك لا أحتمل سواي من الأطفال، قد أستمتع أحياناً بمزايا رفقتهم لكني حتماً لا أرغب في تكاليفها، طفل محض، أفعل ما أرغب فيه حالماً أريد، إن لم تستطع أن تتعامل مع تقلبات مزاجي ومع غضبي فابتعد عني لأني –نسيت أن أذكر لك- أكره أن ألام.

7.15.2010

مزايا نسبية

لست ألطف خلق الله، لست أحبهم إليه لست أحبهم إلى خلقه، لست أوسمهم لست أذكاهم، لست أسرعهم لست أصدقهم، لست أفضلهم لست أقواهم، لست أعلمهم لست أشجعهم.

لست ألطف خلق الله، وأذني ليست أصغر الآذان على وجه الأرض ولا أكبرها، وطولي وسط وأظافري تقص كل أسبوعين، ليس لي رائحة ظاهرة ولا كرامة ظاهرة، لست ماهراً في الطبخ ولا أعزف آلة وترية.

لست ألطف خلق الله، يقابلني الناس فيجالسونني، يكرهني من يكرهني ويحبني من يحبني ولا أخدع أحداً عن حقيقتي.. لست ألطف خلق الله ولا أنوي أن أكون.

لست ألطف خلق الله، لكني أكثر خلقه إخلاصاً في حب ما أحب وكراهة ما أكره.

7.10.2010

ريثما يجفّ الماء على وجهها

في أيامنا السيئة -أعني تلك الأكثر سوءاً- نقابل أناساً نتيه بحبهم على الدنيا ليذكروننا بالحقيقة الرياضية الأبسط،: قاع المنحني ليس بالضرورةِ صفراً ولا ما هو أدني، فقط هو النقطة الأكثر إنخفاضاً فيما مضى من مساره، فامتن لنجاتك وتذكر أن الصعود بسيط.

7.08.2010

حدث غير مكتمل

يقسم شارع سليمان جوهر الجزء الشرقي من حي الدقي إلى قسمين غير متساويين، أصغرهما -الغربي منهما- يمثل إمتداد طفيف للأحياء البلدية بالدقي -العزبة وداير الناحية-، أما أكبرهما -الشرقي- فيمتد بإتجاه النيل ليحاذي العجوزة، كم التناقضات المجتمعة في الشارع يصعب أن تجتمع في مكان واحد، فمن محلات الخضر والفاكهة، لعربات الكارو بطول الشارع، ومن العربات الفاخرة ذات اللوحات الخضراء التي تخص السفارات على مرمى حجر من الشارع إلى الماكينات، ومن الروس والألمان الذين يغص بهم الشارع، إلى الوجوه البائسة لمهاجري الصعيد وأهالي العزبة، تلك الحساسيات الحادة التي تنفجر بين حين وآخر بين أحد أهالي الشق الغربي وأحد أهالي الشق الشرقي والتي تنتهي عادة بعلقة ساخنة لأبناء الشق الشرقي، لذلك لم يكن غريباً علينا في مدرستنا التجريبية بالدقي أن نتلقى نصيب أسبوعي من الضرب من أبناء مدرسة أهالي الشق الغربي غير التجريبية، نصيب إستطعت تفاديه بكل ما آتاني الله به من حيلة. منذ تخرجي من المدرسة وبعد مواجهات على درجة عالية من القرب -داخل المدرسة وخارجها- حاولت تفادي المواجهات بقدر الإمكان حفاظاً على هالة خاصة بي في الأماكن التي أرتادها على الجانبين، في السايبر، في محال الألعاب الأكترونية، في مطاعم الكشري، لا أتكلم ولا أسلم حيث حللت، فقط أتخذ موقعي بهدوء متحفزاً لأي تحرش محتمل. يظل الأمر محكوماً ما دمت في الحي، حيث هناك قواعد صارمة للعب يلتزم بها أغلب من ينتمون للمكان، تلك قواعد تتهاوي بمنتهي السرعة عند الخروج من الحي، حيث يمكن تصفية خلافاتنا التافهة الصغيرة بعنف ونظافة بدون تدخل من الكبار، الخائفين دائماً من الأذى أو من تدخل السلطة في غير صالح أبناؤهم.
كل تلك المقدمات لا يمكن أن تخطر ببالك حين تسأل أحدهم أن يفسح لك طريقاً للنزول في المترو، لا أدري لم يفضل الناس بشكل عام الوقوف بجانب أبواب المترو، ربما هو خوف فطري من البقاء في وسيلة المواصلات الكابوسية هذه للأبد، يكره الناس المترو في حين يحبون الترام، ربما يتعلق الأمر بالظلمة الإجبارية والنور الإصطناعي المرهق للأعصاب، في حين يغرق الترام دائماً بنور الشارع، يبدو المترو مصمتاً بشكل قاسي، أبواب محكمة الإغلاق وزجاج مضاد للكسر، قبر متحرك عظيم الشبه بالثعابين إنسيابية الشكل، في حين يبدو الترام بتعاريجه وهشاشته وإهتزازاته المضحكة أقرب لحيوان أليف يحب اللعب، حيوان لا يغلق أبوابه دون أحد ويمكن الإفلات منه بسهولة في حالة إصراره على ممارسة غباوات غير متعمدة، على ناحية أخرى يبدو سائقو الترام عجائز طيبين يرحمون الناس، في حين ينظر سائقو المترو للناس بإحتقار، يفتحون الأبواب لثوانِ محسوبة قبل أن يغلقوه مطلقين ضحكات شريرة مستمتعين بمنظر المتكدسين الخائفين على جوانب الأبواب، كل تلك الأشياء -بدون جزم- قد تبرر وقوف الناس قرب الأبواب، لكنها قد لا تكفي لتبرير أصرار أحدهم على الوقوف أمام الباب ساداً أمامك الطريق.
نادراً ما أركب المترو، ليس تعالياً ولكني أنفر بطبعي من الأماكن التي لا أستطيع فيها الحفاظ على هالة من الفراغ حولي، غير أني في ذلك اليوم من أيام الأسبوع الماضي رفعت ساعتي إلى عيني ناسياً أني دائماً ما أقدمها ربع ساعة حتى أحافظ على مواعيدي لأجد أن قد تأخرت ربع ساعة كاملة!! حينها لم أجد بداً من ركوب المترو إلى المعادي، نزلت إلى الأنفاق لأقضي دقائق بجانب موظف شباك التذاكر حتى تجتمع لديه فكة كافية لأن (أفندي يشبه حضرتي تمام جه قبلي وأخد كل الفكة)، أخذت التذكرة وإتجهت للرصيف، على الرصيف وجدت العديد من أبناء المنطقة، أحدهم كان ينتظر مع فتاة نصف محجبة أمام ذات الباب الذي وقفت أنتظر أمامه، دخلت المترو بصعوبة بعدما إنتظرت خروج الناس ودخول الولد وفتاته وإصرارهم على الوقوف بجوار الباب، مرت المحطة الأولى وحلت محطتي بعدها، قبل حلولها بثوانِ سألت الولد "نازل" أجابني بهزة خفيفة من رأسه في حين نظرت فتاته بإتجاهي شزراً، حينما دخل القطار المحطة هالني عدد الواقفين بإنتظار دخول الباب، فكررت السؤال للواقف "نازل" فنظر بغضب "يا عم حنزلك، حنزلك، إيه مفيش صبر" فقلت بهدوء"في بس السؤال مش إذا كنت حتنزلني، السؤال لو كنت نازل، أو مش نازل فتوسعلي"، سكت للحظة ثم قال "طيب يا عم أنا مش نازل ومش حوسعلك، وحتقف تستناني أعديك أو إخبط راسك في الحيط" سكت حتى فتح السائق الباب ثم دفعته بشدة ليقع على ظهره بعنف، جررته بعنف يليق بمثيل جو بيشي في الرفاق الطيبون، ثم أخذت أدفع برأسه بعنف في سن إحدى كراسي المحطة، أو... كنت أتمنى بالضبط أن أفعل ذلك غير أن موازنات القوة كانت في صالح الولد، فقلت له بأدب بعد دخول الناس للمترو "دلوقت ممكن تعديني"، فمررني غير أنه لم ينس أن (يعلم عليّ) قبل غلق الباب قائلاً "عشان تعرف إن الأدب فضلوه عن العلم يا بن الوسخة".