11.28.2010

حوارات بسيطة في قطار العاشرة

العربة الأولى من المترو - العاشرة مساءاً

سيدة عجوز جالسة بانزعاج بادٍ، لا بأس، شاب قبطي -صليب ذهبي واضح يتدلى من العنق- ومعه خطيبته ينظر حوله بتوجس حذار أن تكون عين أحدهم على صدر فتاته الناهد، فتاتين، إحداهما محجبة والأخرى غير محجبة تتبادلان حديثاً غير مسموع يرجح أنه نميمة اعتدن على تبادلها للتسرية، وآخران يختلسان النظر منهما وقد تنحرف أعينهما إلى صدر فتاة صديقنا القبطي، وفتيان يقفان بجوار الباب، وأنا، مستند برخاوة إلى الباب المقابل.
لا شيء يلفت النظر بالمترو، لا شيء سوى الفتيان، مراهقان كما تكون المراهقة، ملابس رياضية، سلاسل غليظة، شعر مغطى بمواد دهنية لزجة، وصوت الموبايل يشق وحشة المترو بأصوات تزيدني وحشة، لا شيء يلفت النظر قبل أن يتحرك أحدهم فجأة باتجاه الباب، يمسك بطرفيه ويجهد نفسه في فتحه أثناء سير المترو، اقترب منهما لأستمع إلى ما يقولان.
_قلتلك مش حتعرف توقفه
_يا عم حوقفه صدقني، أنا بس أفتح الباب دا والمترو حيقف

أدرك ما يصبو إلى عمله بالتساوي مع مقدار التستوستيرون الصاعد إلى مخه ليقنعه بفعل استعراضي أحمق مثل فعله، أقف مراقباً باستمتاع، منذ سنوات لا أتدخل فيما يحدث في الشارع، للناس إيقاع داخلي لا أدركه، وللصدفة البحتة أسمع عن أحداث الشارع المؤسفة ولا أراها، لا يكفي حماس الناس إلا إلى بضع صرخات محمومة يطلقونها ويذهب كل منهم في طريقه، يتجه الفتى للباب، يحاول مرة ثانية لا يستطيع، يعود لصاحبه..
_ما تساعدني يا عم؟؟
_أساعدك إيه يا عم بلاش مشاكل..
_مشاكل إيه ياض ما تبقاش كس، محدش حيقول حاجة

لم أكن مستفز حتى هذه اللحظة، على الأغلب لن يستطيع الفتى أن يفتح الباب، وحتى لو استطاع سنكون قد وصلنا إلى المحطة القادمة -محطتي- قبلها، لم أكن طرفاً على الإطلاق، لكن شيئاً ما فيما قال أثار استفزازي، ربما الغاؤه وجودي تماماً، أو الشرعية التي أضفاها على خرقه البالغ، لا أدري على وجه التحديد، تجمدت في مكاني حتى تحركا.
_هو أنتوا بتعملوا إيه بالظبط؟؟
تجمدا، لم يكن أحدهما ليتوقع أن يتدخل أحد فيما يفعلان، ليس بهذا الشكل السافر على أية حال، وقفا بارتباك قبل أن يجيب أحدهما..
_ لا مفيش..
_ مفيش إزاي يعني، أنا سامعكم عايزين تفتحوا الباب
_ كنا حنجرب..
_ طيب إبقى جرب بعد ما أنزل، عشان أنا مش حسيبك تفتحه

يبدو على أحدهما التراجع، قبل أن يجيب الآخر
_ يعني إنت خلاص شايفنا حنفتحه يعني
_ لا أنا شايفك بتقول محدش حيتكلم، أنا بقول لك ما تفتحش الباب
_ خلاص يا أيمن، سيب الباب لحسن عمو مستعجل
_ متشكر قوي يا حبيبي

يعودان إلى مكانيهما مخذولين، لا شيء أسوأ من خذلان دفعة كاملة من حمق المراهقة في طريقها للفعل، يبدوان على قدر من الغيظ بينما أنعم بصوت عبد المطلب في ذهني يغني ودّع هواك.
لم يلتفت إلينا أحد، لا أحد راغب في الدخول إلى جدلٍ ليليّ مع مراهقين لمّا يتما الثامنة عشرة، أنظر حولي بلطف ساخر، كل هؤلاء البشر وأنا بينهم، لا نهتم لأن نحرق أحياء، لا نهتم إن بتنا في بيوتنا فانهالت علينا الأسقف في مزاح أقرب إلى روايات ألبير قصيري منه إلى الواقع، لا نهتم لفتح باب المترو بينما هو يتحرك ليتوقف في نفق لا يدري أحدهم أي الطرق فيه تؤدي إلى أين، لا نهتم كثيراً.
يقترب أعرضهما حاملاً علبة مفتوحة من عصير البرتقال
_ اتفضل معانا
_ إنت اسمك إيه؟

يبدو مصعوقاً، في الثقافة الشعبية يبدو السؤال عن الإسم موحي بالنفوذ، لا يحب الناس ترك أسماءهم في الشجار، يعتمدون كليةً على مجهوليتهم التي يتساوون فيها، لكن إن سئلوا فيجب أن يجيبوا عما سئلوا لئلا يظن الآخرون أن بهم ضعفاً أو رهبة، تمنعهم عن الإجابة، الأذكى هو من بادر.
_ مهيب
_ منين يا مهيب؟
_ من الدقي
_ وصاحبك من الدقي برضه؟
_ آه
_ ساكنين فين؟
_ عند مترو
_ اللي في إيران
_ اللي في المساحة
_ أنا محمد من سليمان جوهر

يبدو عليهما القلق، سليمان جوهر ليس سيئاً للدرجة، لكن سمعته سيئة بما يكفي، يطلب منه صديقه أن يسألني عن محمد النجار
_ بيقول إيه صاحبك؟؟
_ تعرف محمد النجار؟؟
_ إنت عندك كام سنة؟
_ 17
_ آه لأ أنا معرفش حد من سنك، لو تعرف الناس الكبار، بعجر ومحمد عبد الله فدول اصحابي

كنت أكذب، ليس لي أي أصدقاء في الحيّ لكن سطوتي المزعومة اقتضت أن أدعمها بالأسماء التي سمعت عنها حينما كنت في مثل سنهما.
_ لا معرفهمش
_ معلش بقى لما تكبر، يالا أنا نازل هنا، إبقى تعالى كدا، وما تبقاش تفتح الباب تاني

أتركه مربتاً على كتفه في حركة أبوية محضة، بينما أشعر بنظرته المنزعجة تخترق ظهري.