12.14.2010

شهادة عن محفوظ



لا أتذكر تحديداً الوقت الذي تنبهت فيه لأعمال نجيب محفوظ، كبرت كما كبر أبناء جيلي على الطنطنة الرسمية في الكتب المدرسية على انجاز نوبل والقيمة الأدبية العظمى لمحفوظ، لم أدرك تحديداً ما يتحدث عنه الجميع إلا حينما تابعت بكل شغف مسلسل "حضرة المحترم" المأخوذ عن رواية بذات الاسم لمحفوظ في مرحلتي الإعدادية، أعقبته بقراءة للرواية ذاتها، مازلت أتذكر دهشتي العارمة من الرواية لأنني دهشت حين قرأتها ثانيةً منذ أسابيع بسيطة، كانت المرة الأولى التي أشهد شخصية على هذا القدر من التعقيد متجاوزاً القصص المبسطة عن روايات ديكنز ومسرحيات شكسبير المعدة للناشئة، لم أفهم على وجه الدقة سعي عثمان بيومي النيتشوي وراء الشعلة المقدسة في رحلة يمتزج فيها الغرض الصوفي بالغرض الحسي، لكني شعرت بعالم مترامي الأطراف لا أكاد أحيط به، كنت ومازلت مبهوراً من صنع محفوظ في روايته تلك، ذهنية عالية بعاطفة جياشة.

في ثانوي استوليت على نسخة أمي من أولاد حارتنا، نسخة دار الآداب البيروتية مصفرة الأوراق في ركن مهمل من مكتبة العائلة، كان تعقب التشابه بين فصول الرواية وبين ما أعرفه عن قصص الأنبياء سهلاً، لكن الفصل الأخير تحديداً –فصل عرفة- أربكني، لم أدرك حينها أيضاً –ولم أعد للراوية منذ ذلك الحين لأحدد الآن بدقة- ماذا أراد نجيب محفوظ بعرفة واقترابه من الجبلاوي أكثر ممن سبقوه، هل يمكن القول بأن محفوظ أراد تمثل الديانات الثلاثة الكبرى من خلال شخوصه، أم أرادهم ممثلين لطرائق أساسية في الحل البشري (المادي – الروحاني – الوسط بينهما)، أغلقت الرواية بعدها بانبهار نبع أساساً من تأثري بفكرة "قراءة الرواية الممنوعة" ما لبثت أن نقضته بكون الرواية "مبالغ في تقديرها" وحتى الآن لم أعد لأقرأها بعين في الغالب هي أكثر نضجاً من عين ابن الخامسة عشرة.

انقطعت خمس سنوات عن أعمال محفوظ، ثم عاودت قراءته في العشرين، كانت الحرافيش هي بدايتي الجديدة، وكنت مبهوراً، حينها كان يشغلني بشكل عنيف فكرة كيفية "تأصيل" الرواية، كيفية استيعاب هذا الشكل السردي داخل الثقافة الأدبية العربية التي لم تعرف على وجه الدقة هذا الشكل في السرد قبل احتكاكها بنظيرتها الأوروبية، كانت الحرافيش حلاً، الطريقة التي استخدمها محفوظ في بناء عمله الفذ لم تبد لي أنها قابلة للتطبيق على أعمال أخرى، نوعية القصص والأجواء، لفتات عبقرية لازالت تثير في نفسي شيء من الغيرة لإدراكي أني غالباً لن أدرك ما قد يجريها، كالرجل الذي بنى مأذنة بدون مسجد ليعمر في الأرض، كانت بداية جديدة تماماً كأنني لم أعرف محفوظ من قبل.

لن استطرد في انطباعاتي حول أعمال محفوظ على الرغم من رغبتي العارمة في امتداح اللص والكلاب أو الاستفاضة بخصوص حضرة المحترم أو مجموعة الحب فوق هضبة أو ليالي ألف ليلة أو عصر الحب.. إلخ، لكني سأكتفي بذكر أكثر ما أقدره بشأن محفوظ.

كان محفوظ مجرباً عظيماً، لم يترك بابا لم يطرقه ليدفع قدرته على التعامل معه إلى أقصاها، وفي اعتقادي لم تمر تفصيلة عبثاً في ذهن الرجل، مر بكل ما مر به في حياته ليختزن ما يصنع به فناً عظيماً، وفي رحلته تلك لم يتنصل محفوظ مما كتبه –وكان بعضه في غاية السوء حقاً- قائلاً "أصلي كنت بلعب"، كان محفوظاً "لعيب" بقدر ما كان إنسان، تستهويه الصنعة أحياناً فيصنع ما يرضي رغبته، لكنه أعماله الأعظم ارتبطت بقدرته المهولة على التبصر بروح الناس من حوله، قدرة لا يملكها إلا أولئك البشر الذين يحبون ناسهم حقاً ويحبهم ناسهم.

ليست هناك تعليقات: