12.27.2011

زيارات المنام الخاطفة

منذ سنوات لم أرك في المنام يا فتاتي الأعز، منذ يومين فقط خطرتِ على بالي، كنت أفكر إن كان أحدهم قد دمغ الخيال الرومانسي لشخص دون حتى أن يعلم مثلما فعلتِ، لا أدري في الواقع ولست مهتماً بالمعرفة بقدر ما تمنيت أن تبقى هذه الرابطة بيننا، ألفة أثيرية دائمة، للمرة الأولى أراكِ في الحلم كما في الواقع، محجبة وقد بدا على وجهك تغير الانتقال من الطفولة إلى أواسط العشرينات، أفكر إن كنت تتذكريني، إن كنت أخطر في أحلامك كما تفعلين، بالأمس كنت رائقة، كنت أحكي لك عما حدث في سنوات غيابك عن منامي، عن المنامات الأخرى السيئة والحسنة على حدٍ سواء، كنت تضحكين مخبرةً إيايّ أني لم أتغير كثيراً عما كنت عليه منذ عشرة أعوام، أسألك إن كان حقاً، فتخبرينني أن لا، لكنه ما أريد سماعه، أهز رأسي موافقاً في صمت، ياللإرهاق البادي على وجه الحلم، والصفاء البادي على وجهك، وكل الأشياء الأخرى التي لا أعرفها وتعرفينها، وكل الأشياء التي لا يعرفها كلانا، أنهض قائماً في أسف، تمسكين بذراعي وتخبرينني أني عائد لا محالة إلى بيتي، فقط إن تحليت بصبر يعينني على اجتياز المشقة، أخبرك ألا تشغلي بالك، الأمر سيان، تصفعينني برفق على وجهي، وتطبعين قبلة طفيفة مكان الصفعة -أستغربها في وجود حجابك- وتذهبين.

بالأمس صحوت في الفجر محتر الجسد، بقيت ساعة في فراشي أفكر في مدى واقعية أن نكون معاً كما كنا هناك، لم أتوصل إلى إجابة، وعدت للنوم خوفاً من الانفلونزا.

12.21.2011

وكيف نتوب؟



يقول الذي في قلبه مسٌ من هوى: لولا وريقات زهر اللوز ما بعثتُ حيا..

يرد زهر اللوز: لولا رياح الشمال المرجفة ما وهبك حبيبٌ وريقاتي

وبين ممسوس القلب وزهر اللوز يحار الحبيب..


12.14.2011

أملاً في أبدية سعيدة

لا أملك إلهامي.. ليس باستطاعتي استحضاره ليس باستطاعتي صرفه إنه حضر، لا يأتمر لأمري ولا يقف على مشيئتي.

لا أملك إلهامي.. وإلهامي -وياللغرابة- فتاة عنيدة في الخامسة عشر، حمراء الشعر بنمش كثيف وعيون عسلية، لا تدعوني أباها، ولا تدعو نفسها هبتي، فقط تأتيني في ليالٍ بعينها، تجالسني وتضرب على أطراف أصابعي حين أخطأ، أو تسترضيني لأصفح عن غيبتها فأرضى، فتمسح على رأسي بأكفٍ مبللة بالطيب وتقبل ما بين عيني.

لا أملك إلهامي ولسنا أصدقاء، ولا نشترك في الصفات ولا الملامح، ولا يوجد بيننا سوى أن يأتيني بما أريد فأتركه يسعى حيناً وألح عليه في الطلب حيناً، لا أشرب له القهوة ولا أغلق على نفسي الباب، ولا أخرج للبرية هائماً طالباً وجهه، وهو بي شفوق، يعلم أنه إن تأخر ينفض عني سلامي والفراشات المحلقة حولي، والماء والحلوى، والرفقة الطيبة، يعلم ولا يرضيه.

لا أملك إلهامي.. ولكن لي حبك، لي متكأ وجنان من حبك، لي سكنٌ خير من الدنيا من حبك، ولا يهمني إن تأخر إلهامي أو تقدم، ولا يهمني أن أقبل الناس أو أدبروا، ولا يهمني شيء، وكلما ساءتني حياتي فقط أغمضت عيني فتذكرت أن لي حبك.

12.07.2011

لعلك بخير

في أيامنا المشمسة كانت تحكي لي عن إحدى صديقاتها في المدرسة، كانت نقيضها المطلق باستثناء اسمها، ذات الاسم.. وأحجبة سوداء كثيفة على الوجه والجسد، ولسبب مجهول احتفظت الفتاة التي تخلت عن كل أشياءها تباعاً بتلك الصديقة، ربما لإدراكها أنها ستحتاج من تميل عليه يوماً باكية “أساء ليّ الدهر والناس وليس لي سواك”، وستجدها حتماً، رغماً عن فوضاها الشخصية وآثار الدمار ستجدها، ستعبر إليها سبعون حاجزاً من قماش أسود وتجدها، طيبة ورقيقة كما كانوا صغاراً في المدرسة، تتلقاها بالابتسام والمحبة، وبصدر عامرٍ بالدفء، تمحو عنها أساها، تمحو عنها ذكرى من أساءوا إليها وأساءت إليهم، والألم والخوف وطول الظلام، تمحو عنها كل شيء، الأوزار القديمة والكذب، تمحو عنها كل شيء حتى تعود بيضاء كيوم ولدت، فتذكرها ألا تعود إلى ما كانت إن أرادت النجاة وترقيها بخمس آيات من الكهف وخمس من هود، وتطلقها في سلام فلا يعرف الحزن سبيله أبداً إلى قلبها.

11.29.2011

يا ويح جنبك بالسهم المصيب رُمي

الطريق لا يضل ولا أنا، ولا رفقائي ولا ظلي يضل عني ولا أضل أنا عن الطريق الذي لا يضل، وطيب العيش واحة تلوح في الأفق والمسافة إليها ثابتة، لا ينتقص منها السعي ولا ينتقص من متعة رؤيتها عدم الوصول، والصحبة خير زاد لمن انتوى المسير، والصحبة أنتِ وطيب العيش أنتِ والطريق أنتِ ولا بلوغ، ولا نجاة إلا بشاقِ الصبر، فأصبري واحتسبي عند الله فراقنا، فلعل لنا في الغياب خيراً، لعل لنا بطول الغياب جنان لا ندري أخلقت لنا أم خلقنا لها، لعل لنا بعد الغياب أشياء ما سمع بها جن ولا خطرت على قلب بشر.

* العنوان من “نهج البردة” لأحمد شوقي

11.15.2011

آلزايمر

كنت طفلاً أنانياً.

حينما كنت في الرابعة عشر من عمري أصيبت جدتي لأمي بالآلزايمر، كنت أكره مشاوير المستشفى والأسوا رؤية “ستي” المهيبة بلا ذكريات بينما خالتي تخلع عنها ملابسها أو تضع في فمها الطعام أو تقلبها على فراشها في المرات التي استغرقت فيها في النوم لأسابيع، لكن أقسى ما تركه لدي مرض جدتي لم يكن إدراكي أني مازلت طفلاً يكره المسئولية -كنت أتوق للمسئولية منذ العاشرة- ولكن يوم بعينه من تلك الأيام النادرة التي صاحبت فيها أمي للمستشفى.

كنا جالسين حول فراش جدتي مساءاً -ربما التاسعة مساءاً- أنا وأمي وخالتي وابنة إحدى جارات جدتي في عنبر المستشفى، كنا نتحدث عن الموت أو النسيان، كانت الابنة تقسم أنها نست كل تفاصيل خطبتها الأولى بعد، وأنها -على الرغم من استمرارها لثمانية أشهر- لا تكاد تستطيع التفرقة بين خطيبها السابق وبين العابرين في الشارع، كانت تقول أنه مات داخلها فكأنما لم يوجد قط، حينها صحت جدتي، بدون إنذار كما أتذكر، اقتربت خالتي من فراشها وتحسسته فأدركت أن جدتي قد تبولت أثناء نومها، استعانت بابنة الجارة وبأمي وأقامتها لتستطيع أن تبدل لها ملابسها. وعلى مدى خمس دقائق -أعدهم بين الأطول في عمري- ظلت جدتي محدقة في وجهي، في عيني، بدون أي انفعال، بلا شيء، لا ألم لا خوف لا معرفة، لا مشاعر من أي نوع، وفي أعماقي تمنيت على الله أن يجنبني مثل تلك النهاية.

كان أكثر ما آلمني هو النكران، كنت طفل جدتي المدلل، كانت تغرقني في الحكايات والبطاطس المحمرة، تجلسني على حجرها وتحكي لي عن عبد الوهاب وعبد المطلب والملكة فريدة وعن أبيها وعن سعد زغلول والوفد والمظاهرات، كان موجعاً أن أنظر في عينها فلا أرى حفاوتها، لا أرى حبها، كأنها قطعة منمقة من الكريستال الملون.

وهكذا صرت، أخاف النكران، ولا أمان لدي، إن كانت جدتي قد أنكرت وجهي يوماً فمن ذا الذي سيدركني، من ذا الذي سينظر في عيني -ذات العين التي نظرتها جدتي- ليخبرني أنه سيحبني للأبد والقلب عرضة الهوى، والنفس عرضة النسيان.

11.08.2011

هامش عام على ميلان كونديرا

كانت ملاحظتي الأولى بشأن كونديرا بعد إنهاء الفصل الأول من روايته الأشهر “خفة الكائن التي لا تحتمل” “دا شيطان إبن متناكة”، أكملت بعدها الرواية في جلستين وبمتعة غير مسبوقة، فيما بعد قرأت لناقد أعماله الأشهر فرانسوا ريكار ما يؤيد طرحي، كونديرا في الأصل.. شيطان.

هناك عدة ملاحظات قد أوردها بخصوص أعمال كونديرا، لكن بخصوص شخصه هناك وقعة أساسية تحدث عنها كونديرا في كتابه الأول ولفتتني حينما ثارت قضية وشايته بزملاء له لدى أجهزة الأمن في النظام الشيوعي، كان كونديرا يتحدث عن استقبال أراجون له في فرنسا بعد روايته المزحة وفي السياق سخر كونديرا من أراجون قبل أن يذكر أنه كان يجله حتى زار الاتحاد السوفيتي في سنة لاحقة وتحدث في إطار احتفالات معينة عن كون الاتحاد السوفيتي جنة للعمال أو أياً كان ذلك الهراء الذي كان يقال في ذلك العصر.

في رأيي اعتبرت ما فعله أراجون نوع من سقطات الرجال العظام، بإمكان البعض أن يأخذ مواقف يدري أنها لا أخلاقية في سبيل مصلحة يرى أنها أعلى، خيار قد يختصر في في أحد أكثر الخيارات السياسية شيوعاً (العدالة-الحرية)، ربما كان أراجون يعتقد أنه يفعل ما سيمهد للإصلاح حتى وإن كان يدرك الفساد اللحظي لقوله، أما محاكمة كونديرا لأراجون -محاكمة أخلاقية في جوهرها- فلا تستند على أي كفاءة من الأصل، لم يكن كونديرا شهيداً ثورياً في الإطلاق، تعرض لمضايقات عنيفة من النظام لكنه في النهاية صفى بضع من أموره بأن وشى ببعض الزملاء، ثم انطلق يكتب عن القمع والديموقراطية وما إلى ذلك.. مسخرة!!

تنقسم أعمال كونديرا إلى مرحلتين، المرحلة التشيكية والمرحلة الفرنسية، في المرحلة التشيكية نجد كونديرا أكثر ارتباطاً بالظرف الإنساني والعام فيما يكتب، لا تخلو أياً من رواياته في هذه المرحلة -لم أقرأ الخلود فيمكن استثناؤها من تعميمي- من إسقاطات سياسية مباشرة وعنيفة في أحيان، جرعة أخف من التجريد والاستهزاء بالشخصيات وعالمهم الداخلي، جرعة أخف من العنف حيالهم، جرعة أخف من السخرية وتفكيك العالم، تتدرج من بداية خفيفة وأكثر إنسانية واحتجاجية بشكل من الأشكال في المزحة، ثم بجرعات أعلى مع كل مرة، في هذه المرحلة يبدو كونديرا أكثر قرباً للإنسانية، بل نلمس خيارات قد نستغربها عنده، إنحياز للثقل في مقابل الخفة في خفة الكائن التي لا تحتمل، نهاية مليئة بالتفاؤل في نهاية ذات الرواية على سبيل المثال.

أما في مرحلته الثانية -الفرنسية- نجد كونديرا أكثر ميلاً للتجريد، أكثر قرباً من الاستفاضة في التحدث عن أفكار مطلقة في إطار أضعف نسبياً من البناء القصصي، أكثر سخرية وأعنف بما لا يقاس مع شخوصه، أكثر قسوة في إعلان إلحاده التام، ليس فقط نفي الإله كإله، ولكن نفي أي تجاوز ممكن لدى الشخوص، أي قدرة على السمو الروحي، لا توجد مواقف تحتمل مجاز الإنسانية مثل عودة توماش من أجل تيريزا في خفة الكائن، أو شخصية خيّرة مثل كوستكا في المزحة، كل الشخصيات غاية في المادية ومفسرة تماماً تماماً على يد كاتبها.

لا يمكن الجزم بأسباب التغير على وجه الدقة، ربما كان المجتمع التشيكي يقع في درجة أقل على سلم المادية من نظيره الفرنسي مثلاً، ربما تأثر كونديرا بتغيير اللغة التي يكتب بها من لغته الأم للفرنسية، ربما تغير الرجل نفسه، أتخم من المال والشهرة واتجه أكثر للعب أكثر عبثاً بعدما فقد اهتمامه بإثبات القدرة الأدبية أو تحقيق الثراء، الأكيد في الأمر أن كونديرا نفسه يتغير، وأن قوله البارح قد ينافي قوله اليوم، وأنه لا يحمل في أعماقه هذا الاتساق الذي قد يوحي به للتافهين من محبيه الذين يرون فيه نبي، أقواله أقرب إلى الاتباع، كونديرا مبشر بما يرى مثله مثل بقية المبشرين من الفنانين العظام، وهذا لا يعني حتماً أن ما يبشر به صواب، هو فقط جدير بالتأمل.

11.02.2011

أنشودة للشمس ريثما تصحو

“أنا عصفورك المغرورق العينين يا شمس”
محمد عفيفي مطر


يقال أن الشمس عصيةٌ على التفسير، قلب أحمر ملتهب وأطراف صُفْر ودفء ممتد، كتلة من غاز ونار ومحبة على امتداد البصائر.

يقال أن الشمس تنام، يقال أنها تتعب أحياناً وأنها -كما البشر- تحتاج إلى أن تذهب إلى مأواها فتجد من يزيح عنها هموم يومها، يمر بالماء البارد بلطف على كتفها، يحكي لها قصصاً ويمسك بيدها حتى تنام.

يقال أن للشمس حبيب غائب، يقال أنها لهذا السبب تحديداً تسعى بطول الأرض وعرضها باحثةً عنه، ويقال أنه من رحمة الله بالعباد مد في غيبة وليفها، فظلت الشمس تسعى بين العباد بودّها، تطعمهم وتأويهم فيغنوا لها وبحبها داعين الله أن يعيد إليها حبيبها الغائب وإن كان ليوم.

يقال أن حبيبها هناك، في أراضٍ دنية وإن كانت بعيدة، يقال أن عينيه تمتلئان بالدمع كلما ذكرها، يقال أنه لا يسلاها، عند الصباح وبالعشيّ، في الحزن والسرور.

يقال أن حبيب الشمس ملتقيها، على جبل أمام البحر ملتقيها، بليل برتقالي اللون، بليل لا يشبه الليل، بليل ينيره نارها ملتقيها، يقال أن الشمس سترضى بعد طول صبرها، ويقال أن أهل الأرض جميعهم يفرحون لفرحها فلا يجزع أحدهم يومها أبدا.

10.27.2011

جانب من قول الثعلب في العنب

قال الثعلب "العنب مر، العنب أسوأ من أن يؤكل وأصعب من أن يهضم إن أكل، العنب ظل قبيح لجمال الكرز، إنعكاسه في مرآة شائهة، العنب أكل السحالي والبشر التافهين والضالّين عن السبيل، العنب ما أراده القدر أفضل فأراد نفسه أسوأ، لا يمكن وصف سوء العنب سوى أن تدعوه باسمه: عنباً"

ما لم يقله الثعلب كان أبسط، أراد الثعلب العنب فامتنع عليه.

10.21.2011

ليلية

في رواية أفضل نحن أطياف، وككل الأطياف ليس لنا وزنٌ محدد ولا يعوقنا المكان، وفي أيامنا الجيدة نحن أسعد من في الأرض، وكل أيامنا جيدة بشكل عام، والقمر -ملتقانا الهانئ- ليس بعيد، والطيور مرور كرام، يهز بعضهم رأسه متمنياً لنا السلامة، والشمس مدفأة، والنجوم نقوش على دثار ليلي نحن تحته نيام هادئين.

في رواية أفضل نحن زوج من السلاحف، زمن ممتد للعيش الطيب، والحياة رائحة مسك وبساط من الخضرة، والكلام فائض عن حاجة العيون، فائض عن حاجة المعاش، والدهر خل لطيف لا يؤذي ولا يؤذن بالرحيل.

10.15.2011

مسافات

أحمل بعدنا صليباً خشبياً على عنقي وأمضي، على طرق متشابهة، على طرق لا توصل إليك، لإناس لا أراك بينهم، لأشياء لا تحمل رائحتك، حتى إذا ما أضناني النسيان جلست على جانب الطريق وأسندت صليبي وحالي إلى جدار متهالك، وقلت هل لي من منجاة؟ والمنجاة أنت، طيفك العابر خبباً في الذاكرة وأشياؤك، وشروق الشمس على وجهك وغروبها على سيرتك، والغزلان التي ترعى في حبنا، ونجوم صغيرة من الفستق نمد أيدينا لنصطاد بعضها كلما عصف بنا الجوع.

أجلس على جانب الطريق، أرقب منجاتي بعين نصف نائمة، حتى إذا ما نخسني ألمي، عدت فحملت صليبي الخشبي ومضيت، على طرق متشابهة، على طرق لا توصل إليك.

10.08.2011

فرجينيا.. جميلة الجميلات

-2-

يحب العديد من الناس فيرجينيا وولف.

يحب الناس جمال فيرجينيا المستتر، غير المألوف تماماً في تلك الأوقات البعيدة من بدايات القرن، يحبون هدوءها، جمال صوتها، لفافات التبغ بين أصابعها، أكواب الشراب على شفتيها.

هل لفيرجينيا سر؟ فضلاً عن كونها أفضل من أمسك قلم في عصرها، كانت فيرجينيا أكثر النساء لا مبالاةً بأي شيء عداها، تظهر حينما تريد وتختفي حينما تريد، تتحدث بسخرية، تتحدث ببطء، تتحدث بسرعة، لا تتحدث مطلقاً، تشير إلى ما تريد بخفة أو تضغط عليه، تفعل فيرجينيا ما تريد ولا يملك أحد أن يبدي اعتراضاً.

على الناحية الأخرى كان نصف الرجال الإنجليز يسعون وراء فيرجينيا في حين يتمنى النصف الآخر اللحاق بهذا السباق لولا الحياء، منافسة قطع رقاب حادة، لوردات يهددون باستخدام نفوذهم السياسي ضد رجال الجيش، رجال الجيش يفرضون سلطتهم على الإداريين، الإداريون يستخدمون التجار لجلب هدايا نادرة من الهند ومصر وقلب إفريقيا، أطباء، شعراء، أدباء، مهندسون، موسيقيون، في حب فيرجينيا كما في الطبيعة... حرب الكل ضد الكل.

في أحد الليالي الصيفية الساحرة التي تشتهر بها لندن عاد اللورد تينيسون إلى منزله مهموماً لتعاجله زوجته.. ما الخبر، يخبرها أن لا شيء ويصعد إلى غرفته لينام، وعلى مخدته المحشوة بريش الأوز، تدمع عينا لورد تينيسون قبل أن يقوم في منتصف الليل كاتباً في مذكراته جملة واحدة "فيرجينيا تزوجت" ويضع مسدساً على رأسه لينام إلى الأبد.

تزوجت فيرجينيا طبيب الأنف والأذن الذي كانت تعوده في عيادته في ميدان الطرف الأغر في وسط لندن، لم يكن يعلم عنها أي شيء تقريباً، لم يكن مهتماً سوى بتفصيلة واحدة، كانت سلاميات أصابعها بارزة بشكل ساحر، وكثيراً ما أشار إليها أثناء الكشف، في يوم من الأيام بينما يودعها على باب عيادته وبعد أن نزلت أختها على السلم رفع باطن كفها إلى شفتيه وقبلها، رفعت فيرجينيا حاجبها دهشة قبل أن تعطيه ظهرها وتذهب وراء أختها.

في منزلها جلست فيرجينيا على طرف سريرها أمام عروستها الخشبية تتأمل في تفاصيلها قبل أن تنهض قرب الفجر إلى مكتبها لتكتب رسالة إلى طبيبها اللطيف "هل نحن أصدقاء؟" وفي الصباح أرسلت وصيفتها بالرسالة إليه، عند الظهيرة عادت وصيفتها برد "هذا السؤال خاطئ من الأساس، في كل الأحوال سنظل أصدقاء.. السؤال هو إن كنا أكثر من أصدقاء.. والجواب من ناحيتي هو حتماً نعم".

كانت فيرجينيا مشغولة البال بمآسيها الشخصية في ذلك الوقت، لكن راقها أن يسري سحرها حتى على هذا الطبيب الذي لا يعلم شيئاً تقريباً عن كونها كاتبة عظيمة أو الفتاة التي تسعى لندن بأكملها خلفها، بعد فترة تقدم دكتور جون باتلر لخطبة فيرجينيا وولف على أن يكون الزفاف في الثامن والعشرين من أغسطس.

بعد الزفاف اجتاحت لندن سلسلة من الإنتحارات المتتالية قبل أن يستقر المقام بفيرجينيا وباتلر في قرية صغيرة خارج ضواحي العاصمة لندن.

في الزواج بدأت آلام فيرجينيا القديمة في الزوال تدريجياً، وبدا أن إيقاع فاتنة لندن قد بدأ في الاستقرار قليلاً، تصحو في العاشرة، تسقي زرع حديقتها اللطيفة، تكتب طوال الظهيرة قبل أن يعود زوجها في الخامسة ليجلسوا سوياً يتسامران حتى المساء، تنام فيرجينيا مطمئنة، تنام حتى تقر عيناً.

بعد فترة من الزواج تخوض فيرجينيا في تجربة أكثر عمقاً، تجرب فيرجينيا نكأ جراحها القديمة في رواية قررت أن تسميها على إسم الفتى الوحيد الذي أحبته "مسز دالاواي"، ومع تقدم تحفتها كانت فيرجينيا تزداد إكتئاباً، كانت كأنما تلقي نظرة أخيرة على حياتها الماضية، كانت تدرك أنها لن تكتب ما هو أحسن منها لذلك وضعت فيها كل ما أرادت قوله دفعة واحدة، وحينما إنتهت إتجهت إلى مجرى الماء العميق على أطراف القرية، ملأت جيوبها بالأحجار ونزلت إلى الماء.

يحب الناس جمال فيرجينيا المستتر والظاهر، لذلك فجع الناس، فكر العديد منهم لم قد تنتحر فاتنة لندن، وكما انتحر بعض منهم عقب زواجها انتحر آخرون عقب انتحارها، حتى بدا للبعض أن لندن قد تخلو من الرجال في غضون شهر.

يحب الناس فيرجينيا، لكن أحد ممن يحبون فيرجينيا فكر للحظة في جون باتلر، طبيب الأنف والأذن الذي كان عليه أن يتحمل خسائره المفجعة ليمضي بحياته قدماً عله يقابل فاتنة أخرى –ذات سلاميات أصابع ساحرة- أقل موهبة من فيرجينيا وأكثر إراحة للنفس.

10.04.2011

طريق

يقف العارف ويشير: خلف تلك الصخور ننتهي، من هناك تبدأ.
رغم العاصفة يقف مستقراً على صخرة لا تمس الريح شعرة من رأسه
أقول وقد امتلأ فمي ملحاً: وما السبيل؟
يقول مبتسماً: الجسارة..
- أترافقني؟؟
- بل تبحث عما يضمن حياتك..
- ألا أجد عونك إن احتجته..
- بل تجده إن احتاجك..
- ففيم أذهب؟
- فيم تسعي؟
_ في الخلاص
_ولم تصدق أني أعرف أين يكمن؟
_لأن الحيل معدودة، ربما إن توليت واجهت ما هو أسوأ وما لقيت ضالتي
_فإن قلت لك، أن الطريق خلاص صاحبه
_وإن ضل؟
_وإن ضل..

أبتسم مولي وجهي شطر البحر، أنظر للعارف نظرة أخيرة ثم أذهب.

9.25.2011

كل الرجال يحبون ميّ

-1-

لم تكن مي زيادة أكثر نساء العالم جاذبية على وجه التأكيد.

في الواقع لا يسع أحد أن يزعم أنه يفهم على وجه الدقة تهافت الوسط الثقافي على اللبنانية متوسطة الجمال متوسطة الموهبة، ربما لم يعتد رجال ذلك العصر تلك الندية المتفجرة من حضور مي، سيدة تستقبل في بيتها رجالاً دون أن تكون على علاقة بواحدٍ منهم، تقف وسطهم لتدخن كواحد منهم، لا يحمر وجهها من سماع مزاحهم الفج، تستمتع برؤيتهم يتصارعون حولها في تلك المنافسات المسلية للرجال التي تدور ضمناً حول (مين بتاعه أكبر)، لكنها على الرغم من ذلك ليست طرفاً فيما يدور، هي كائن آخر متعالي لا يستطيع أحد منهم أن يقربها، وكلهم راغب على أية حال.

أطارت مي لب الكثيرين، حتى أولئك الذين حظوا بمن هي أجمل منها، وأكثر حباً لهم، تركوا أهليهم ليجروا وراء مي، واحدٌ فقط منهم كان يترفع عن تلك المعارك الصغيرة لينفرد وحده بقرب مميز، كان صديقنا اللطيف عباس العقاد.

على الرغم من أن مي كانت تفوقه سناً بسنة أو سنتين على الأكثر، لم يشعر العقاد بأي مشكلة، لم يكن يولي أهمية كبيرة لموهبتها المزعومة، كان –على الرغم من عدم حصوله على الابتدائية- يعلم جيداً قصة تلك السيدة الفرنسية التي غزت مجتمع المثقفين الفرنسيين في أواخر القرن الماضي والتي تبين لاحقاً أنها كانت تفوز بجوائزها الأدبية العديدة عن طريق اختيار أبيات عشوائية من ديوان لا مارتان، لذلك إتعظ العقاد جيداً وتعلم من تجربة سلفه فلوبير، النساء لسن أديبات جيدات في أغلب الأحوال، ربما يكنّ طباخات جيدات –لا ينسى العقاد أمه في البلد- ربما يكنّ قائدات جيوش جيدات، ربما يكن أي شيء في العالم، لكن عند الكتابة تتوقف قدرة النساء، يدرك العقاد ذلك، وتدركه ميّ غالباً.

أما مي فقد كانت تتأمل صمت العقاد وترفعه، تداعبه بلطف فيبدي حفاوة رصينة، تسأله عم قرأ الأسبوع فتكتشف أنه قرأ في ليلة ما قرأته في أسبوع، تكتب له رسالة فيرد عليها بتصحيحات خفيفة الدم لأخطاء رسالتها الأسلوبية، يحدثها عن نشأته في أسوان، تحدثه عن نشأتها في... أياً كان المكان الذي نشأت فيه، صعب تخيل رجل ضخم الجثة مثل العقاد يقضي ساعات على الهاتف ليتنهد ويسأل أسئلة عبثية على غرار (مبسوطة معايا؟) لكن لنكن صرحاء، كان صاحبنا المتجهم على الطريق الملكي لفعل ذلك في النهاية.

كان العقاد يحب مي، لا يوجد في الأمر عبقرية، كل الرجال يحبون مي أصلاً، والعقاد في النهاية رجل، حتى وإن كان متجهم، حتى وإن كان عنيفاً في إنتقاد أحمد شوقي، كان العقاد رجلاً وكان يحب مي بعنف، شيء واحد طفيف كان يؤرقه، كان العقاد يدرك أن مي لا تحبه.

ولكي نكون منصفين في حق مي، لن نجزم بأن مي لم تحب العقاد، بالتأكيد كانت مي تفضله على الآخرين، وربما فكرت أحياناً حول منظره بالروب دي شامبر منتظراً إياها على طرف سرير، لكنها فقط كانت تتذكر جبران وتمصمص شفتيها حسرة على غيابه.

كان جبران ومي صديقان حميمان في تلك الأزمنة ما قبل نزول مي على أرض مصر، كان جبران هو غاية ما حلمت به مي، كان وسيماً، شاعراً لطيفا –يتناول مواضيعاً مفهومة بالنسبة إليها في شعره كأن يكتب عن الغروب مثلاً مقارنة بـ(كواء) العقاد الذي خلده في قصيدة- وكان مصاباً بالسل -وكل المصابين بالسل هم عشاق مثاليون في النهاية- على أن ضيق جبران بالبلد وما فيها كان أكبر على ما يبدو من حبه لمي، لذلك سافر جبران إلى نيويورك، كتب هناك عدة قصائد في حب مي قبل أن يقابل مغنية جاز أمريكية أنسته مي وأبا مي وأمها.

صمد العقاد كثيراً، إستمتع بقربه من مي في أحيان وأصابه الكدر في أحيانٍ أخرى، لكنه بقى بجوارها في مختلف أزماتها وصداماتها حتى قررت مي العودة إلى لبنان في حين قرر العقاد أنه مهما بلغت حماسته فلن يتبع إمرأة لا تحبه إلى بلد مجهول –لم يكن ليأخذ الفيزا على كل حال ولكن لا بأس- وهكذا رحلت مي.

أما العقاد، فقد تزوج، كتب رواية في غاية السوء واستضاف أنيس منصور في منزله وأنهى مشواره المهني بأن حول عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور إلى لجنة النثر.

الأشياء ستستمر على أية حال.

9.21.2011

أثر


يسأل العارف: أتعذبت قبلاً بالحب..
أشير برأسي أن بلى
فقال: فما أكبر ما أصابك منه..
نظرت ملياً في حالي؛ أثره قلت
قال: وما أثر الحب.
قلت: ما خلفه وراءه من نشيد.
قال: أما النشيد فسهل الطمس، يختل النشيد إن بدلت مواقع الكلم، إن غيرت لفظه، إن واريت ذكره، أما النشيد فسهل الطمس، ولكن ما الفعل بأثر القبل على منبت الرقبة؟ ما الفعل بشربات ماء اقتسمتها الشفاه؟ ما الفعل بسقم الهجران؟؟

حنيت رأسي صامتاً، فلم أكن أعلم ما يتكلم عنه حقاً !

9.15.2011

لنرتجل

لسبب من الأسباب يبدو الاستماع عن مدى صعوبة تمارين التمثيل هو الجزء الأكثر مشقة في العملية، أما التمارين نفسها فكانت على قدر هائل من اللطف، أحد أهم الأجزاء في تمارين التمثيل هي تمارين الارتجال.

بدا الأمر بسيطاً، قمت من مكاني وبالصدفة قامت فتاة أخرى في ذات اللحظة والتقينا على كرسيين، كان التمرين يقتضي أن أبدأ في الاسترسال لمدة ثلاثين ثانية حول كلمة واحدة تحددها، نظرت ملياً في وجهي ثم قالت "الفراخ"، لا أدري ما الموحي بالفراخ في وجهي بلحيته المشعثة ونظارته الغليظة لكنها كانت قد لفظتها في كل الأحوال.

كانت جدتي لأبي تهتم بالفراخ بشدة، أتذكر الغرفة الضيقة في داير الناحية التي اتسعت لخمسة أولاد وأمهم وأبيهم –حينما يتوافر- أتذكرها في ظهيرة الأحد وجدتي على عتبتها باتجاه المنور ترش الحب لفراخها، تمسك إحداهن في حنان ظاهر، تربت عليها ثم تطلقها، لا أتذكر أني رأيت سكين يقرب عنق إحداهن حتى إنهارت الغرفة في زلزال 92 لتستبدل جدتي أفراخا بأخريات أجمل في غرفة مخصصة لهن في بيتها بمساكن الزلزال، بعدها بسنوات كنت أكن لجدتي قدر من المرارة والسخرية، عمي هائم على وجهه، عمتي الكبرى تطلقت مرات أربعة، عمتي الصغرى تطلقت من زوجها ونجحت في الإفلات بشقتها، أبي طلق أمي، عمتي الوسطى تقر أبي على ضربه إيانا، نجحت جدتي فيما يبدو في تربية أفراخها بينما فشلت في تربية أبناءها على وجه اليقين.

أما حسين فقد كره الفراخ صغيراً لأمر في نفسه، ربما تذكره رائحتها بحقن أدوار الإنفلوانزا العنيفة التي كانت تلم بنا وحذر أمي المرعب، لذلك لم نتشاجر يوماً عليها، وفرنا الشجار حول الفراخ واندمجنا في شجارات أخرى شكلت كل منا على حدة، حتى الشجارات تبخرت وبقى بيننا ود صامت وحب عميق، حتى الشجارات تبخرت وبقيت أحب الفراخ بينما يكرهها حسين.

"أعمل إيه؟ أعمل إيه؟ أعمل إيه؟" على الرغم من قدرات أمي الخارقة المتعددة إلا أن طيفها المرعب حاصرني أحياناً في طفولتي، أتذكر شتاء 95، خرجت من المدرسة ذات يوم بارد معتدل في مايو لأجد بائع للكتاكيت قابع على باب المدرسة، فكرت ولم لا أشتري واحداً وأربيه حتى يصبح فرخة، واشتريته، عدت إلى البيت خالياً من الأهل، وضعت حقيبتي ثم لاحظت وسخ على ريشه، تجاهلته في البداية قبل أن تزعجني الخاطرة حقاً، أخذته إلى الحوض ووضعته تحت الماء –كان دافئاً ورب الكعبة- لأزيل وسخه، وللساعتين التاليتين شهدت –للمرة الأولى والأخيرة في حياتي- احتضار كائن حي، بكيت حينها على الكتكوت، غير أن أكبر بكائي كان من إشفاقي مما ستفعله أمي حينما تجد كتكوت ميت في الصالة، تخلصت منه في بئر سلم العمارة ونمت قيلولتي مطمئناً.

في أيام أخرى كانت الفراخ سبباً –وإن كان غير مباشر في أحداث أكبر في حياتي، أحد المطاعم في الدقي يشتهر بساندوتش فراخ بالغ الجودة حقاً يدعى "فراخ بتلف"، في أحد الأيام كنت عائد إلى المنزل من لقاء ما سبب لي احباط عنيف لأجد جماعة من أقرب إصدقائي في منزلي، طالبوني جميعاً حينها بالاتصال بالمطعم لطلب "الفراخ اللي بتلف"، استجبت منزعجاً من الإلحاح قبل أن يرد عامل المطعم بطريقة زادتني انزعاجاً لأسبه وأغلق الخط في وجهه، ليزعج تصرفي أحد أصدقائي قبل أن يتصاعد الموقف لينتهي بقطيعة تامة.

الآن أفكر، هل تكون الفراخ سبباً خفياً في عدم رضاي عن نفسي، عن شعوري بعدم الراحة أحياناً بين الآخرين، ربما، لكن على الأغلب، الفراخ ذاتها لن تعلم ذلك، أما الأكيد فهو علمي أني أديت تمريني بشكل جيد.

8.11.2011

أقوال في وداع القاهرة

يا جارتي المطلة على حذرٍ لنشر غسيلك الأبيض، لا تخشي عين الوله..
...
في القاهرة لا تُدرَك القاهرة بالعين ولا بعينِ الخيال، بل هي كل غير عابئ بالتفسير، ست النهر والبحرين تعالت عما ينسب إليها من جمال، هي الغنية عن عجب الخلق برضا عباد الله الفقراء، القاهرة.. مجاز التقاء أيدي المحبين مصادفةً على كوبري الساحل، اللمعة في عيون أطفال يلعبون الكرة في موقف سيارات الجامعة، خشية الفرقة والود الرابط بين بائعي اللبن الجائلين والجدات، القاهرة تردد في أذني، لا نجوت إن غادرت أبدا..
...
تتنزل الملائكة من السماء، تهديني عنقودان من العنب وتأمرني أن احفظ مائهما في قلبك لكيلا يصيبه من الجفاف ما يحرقه في قيظ صادف أن مر بموقعك، أسمع في خشوع واتذكر، يوم أن سقط عن رأسي ما حواه فامتدت أيدي المحبين جماعة تعيده كما كان..
...
لسبب مجهول انتظرت القاهرة كثيراً لتهاديني في اللحظات الأخيرة، كائنات الله رائعة الجمال التي برزت في طريقي كالنجوم في طريق ملوك المجوس والعرب الرحل، كائنات الله رائعة الجمال تغمرني بنورها الإلهي، 24 عاماً عشتها بشيء من الغربة في شوارع القاهرة انقضوا في وقت لم يتعد الخمس دقائق جرت فيه على لساني بأريحية "اشتري مني" "وإحنا إخوات"، أعدكِ يا قاهرتي ألا أتذكر غير غامر حبك ووافر كرمك..

8.07.2011

أشياء لا يُنصَح بقراءتها

كانت أياماً غريبة.

منذ ثلاثة أعوام اكتشفت إصابتي بشرخ شرجي، أو لنقل أخبرني طبيب ما بأنني قد نجحت نجاحاً مذهلاً في أن أشرخ شرجي –وبشكل غير مفهوم على وجه التحديد- وأن الحل الوحيد هو أن أجري عملية ما تقتضي بإزالة أشياء معينة من مؤخرتي، لم أفهم ما أراد على وجه التحديد لكني استنتجت نجاح العملية من زوال الألم عند التغوط.

قبلها بثلاثة أعوام كنت قد بدأت بملاحظة الأمر، بقع حمراء على جدار عين الغائط، في البداية تصورت أنني أصبت بمرض نادر يجعلني أرى بقع حمراء حين أنظر إلى غائطي، ثم بدأت في الهيستيريا المتسلسلة، تذكرت مرة ذهبت فيها صغيراً إلى أحد الحقول -التي كانت تبعد عن منزلنا في بولاق الدكرور حينها مسيرة ساعة إلا ربع- لأجلب أوراق توت لدود القز الذي اشتريته من فتىً نصاب ببضعة جنيهات اقتصدتها من مصروفي فقط لتموت بعدها بأيام، تذكرت أني وضعت قدمي عارية حينها في مجرى مائي صغير واشتبهت في البلهارسيا، ثم ذهبت أبعد لأفترض وجود سرطان في الرئة يتسبب في نزول الدم مع الغائط، افترضت بعدها الإيدز، فشل كلوي، التهاب الكبد الوبائي سي، افترضت آلاف الأمراض بينما أنا جالس في غرفتي أحاول مذاكرة معادلات مادة التأمين التي أعدت امتحانها لأربع مرات، بعدها نسيت كل شيء واستمرت البقع الحمراء لثلاث سنوات قبل أن يصبح الألم لا يطاق لأذهب بعدها إلى الطبيب.

قبلها كنت قد ذهبت إلى طبيب آخر، أخبرني أن المسألة بسيطة، غائطي صلب بسبب اعتماد الوجبات التي اتناولها على البروتين –كانت أمي قد رحلت مؤقتاً عن المنزل ولم يكن أبي يعرف أي شيء عن الطبخ سوى تحمير شرائح اللحم، ظللت أتناول حينها شرائح لحم رديئة الطهي في وجبتي الغداء والعشاء لمدة عام-، ولتليينه أعطاني مجموعة من الفيتامينات وملين، كنت أنسى مواعيد الفيتامينات فكنت أتجه من فوري إلى الملين الذي سرعان ما أقلعت عنه لأنه يسبب إسهالاً قد يمتد على طول فترة توازي الساعتين!

كان إجراء العملية مسألة في غاية الغرابة، حقنة بنج في أسفل الظهر، والجراح يعمل بين قدمي كأنني ألد، والممرضة تمر بين الحين والآخر، تلقي نظرة سريعة، تضحك في عبها وترحل، كنت أشعر أنني مكوم كقطع ثياب بانتظار الغسيل.

بعد العملية اضطررت لأن أقبع بالمنزل أسبوعاً قبل أن استطيع النزول شريطة أن أصطحب عوامة، عوامة من تلك العوامات التي يصطحبها العجائز لتفادي الجلوس على الأسطح الصلبة، ولطالعي بالغ الروعة لم تتوفر تلك العوامات سوى بلونين، الوردي والبرتقالي، كانت البرتقالي أهونهما حتماً، إلا أن ذلك لم ينقذني من سخرية الأطفال في الشارع، اقترب مني أحدهم يوماً وهو يكاد يذوب خجلاً، "ما تجيبها أعوم بيها يا عمو"، آه يا ابن القحبة، رددت عليه من فوري "لما تكبر حيبقى عندك عشرة زيها، ما تقلقش.."، في تلك الآونة كان أحد أعز أصدقائي يعقد خطبته في أحد البواخر النيلية الفاخرة، ذهبت حينها بالعوامة فقط ليتسائل المعازيم إن كنت أعتقد أن مصير تيتانك سيحيق بالباخرة.

بعد أن استغنيت عن العوامة أخبرني أحدهم أنه أجراها سبع مرات، وأن المرء قد يحتاج لعدد من تلك العملية قبل أن يصل شرجه لتوازن من نوع ما يمنع تكرار الأمر، بقيت في حالة هلع لمدة شهر، هلع بلغ بي أن حلمت مرتين أو ثلاث ببقع حمراء تخرج من مؤخرتي لتطاردني عبر وسط البلد.

كانت أياماً مؤسفة.

في أحد المرات بينما نحن جلوس على مقهى بالدقي، ثلاثة من الأصدقاء وفي فم كل واحدٍ منا مبسم أرجيلة، ترك أحدنا –وكان طبيباً- مبسمه فجأة ليخبرنا أنه قرر الاقلاع عن التدخين، نظرنا له في دهشة، أخبرنا جاداً أن الخلية قد تشذ بسبب نفس زائد وأنه يشعر أن النفس القادم من الشيشة سيكون هو المسبب لسرطان الرئة، ضحك الجميع إلا أنا، ظل الهاجس يدور برأسي بينما أسحب أنفاس متلاحقة، ومنذ ذلك الحين لم أره يدخن ثانيةً، وبعدها أقلعت لفترة.

بعد العملية بفترة عدت لتدخين الشيشة وحينها لاحظت، كنت أدخل الحمام لأنهي في خمس دقائق واجبات اليوم كله –التي كانت تتراكم بالثلاثة أيام- عقب كل مرة أصعد إلى المنزل من جلسة القهوة، ماذا يحدث على وجه التحديد، لم أربط بين دخان الشيشة وبين حركة المعدة سوى بعد شهر من الملاحظة، الشيشة تسبب تسييراً ما لمسائل الجهاز الهضمي.

دائماً ما يراودني أنني سأموت بالسرطان، وفي مرات قررت أن أقلع عن التدخين، لكن الخوف من أن أعود ثانيةً لأيام البقع الحمراء سرعان ما يعاودني.

دائماً ما تستدعي البقع الحمراء أغنية الرولينج ستونز "اطله بالأحمر"، كل ما كان حينها انطلى بأحمر قانٍ لا معنى له على الاطلاق، لا معنى له سوى أني رأيت بقع حمراء في أماكن مختلفة من الكون وربما كان الأمر كله عيب مؤقت في القرنية، أو عيب مؤقت في الكون.

لا بأس حتى تلك الأيام، بكل غرابتها والأسف الذي تبعثه في النفس ستمضي إلى حيث مضت أيام قبلها.

8.01.2011

بَعْ

الساعة السابعة صباحاً:

صوت شجار محدود يعلو من الشارع، يلتحم بحلمي في البداية قبل أن أدرك أنه لا ينتمي له، على الرغم من تشوه الحلم بأطياف بشعة، فحتى حلمي البشع لا يحتمل الرداءة المفرطة لصوت رجلين أحدهما رفيع الصوت عاليه، والآخر يهذي باستمرار على ما يبدو، أصحو من نومي ساخطاً على القدر الذي وضع تحت نافذتي هذان الشخصان في هذه الساعة، قبل أن أقرر أنني سأنام.. سأنام كما نمت البارحة، رغماً عن الكدر وازعاج الصدف البائسة.

يعلو الصوت من الشارع مرة أخرى فأصحو منزعجاً، أقوم يائساً، إن لم أنم فعلى الأقل من حقي أن أدرك لم يتشاجر الرجلان الذان قطعا نومي، أخطو خارج سريري خطوة كادت تطيح بنظارتي قبل أن أتدارك وقع قدمي بعد لمس الإطار البلاستيكي للنظارة، فكرت للحظة في عبث أن أطيح بعيني مرتين في أقل من 24 ساعة، أخرج إلى البلكون لأتبين الشجار، كان صاحب المطعم أسفل البيت، لم أره لكن يبدو أن الصوت صوته ، وأحد العاملين في المطعم، يتشاجران حول الحسابات، عدت إلى السرير محاولاً النوم، لا فائدة، حتى ترف النوم لسبع ساعات مشحونة بالمنامات الرديئة قد لا نملكه أحياناً.

بالأمس تركت الكاميرا مع عزت ليستكمل تصوير مادة وثائقية قد نحتاجها لمشروع مشترك وذهبت لجلسة منعشة امتدت ساعة ونصف مع أحد أكثر الأطياف خفة فيمن عرفت مؤخراً، عدت لأجد عدسة الكاميرا تتفكك بحيث ينفصل زجاج العدسة عن جسمها بشكل غريب، لم يكن محمود مخطئاً، كانت محتويات حقيبة الكاميرا قد أفرغت على الأرض يوم الاحتفال بشرف في ميدان التحرير، الزحام هيستيري أمام المنصة، وأنا لم أجد سبيلاً لأعبر من موقعي إلى موقع آخر سوى بالمرور مع المارة فقط لأضطر للوقوف كل خمس دقائق متحسساً سلامة ملابسي من التمزق وسلامة حقيبة الكاميرا ومحتوياتها قبل أن يسقط كل ما فيها على الأرض، لم تبد العدسة –منذ شهر وأسبوع ربما- أي تأثر بالحادث وظلت تعمل بكفاءة قبل أن تنفصل البارحة، لا بأس، قد تذعن عدسات الكاميرات للارهاق أحياناً.

أما الأكثر إثارةً للازعاج فهو اللينكس، كنت قد قررت استبدال استبدال نظام تشغيل الجهاز خاصتي بعد أن اضطررت إلى تغيير القرص الصلب للجهاز بعدما استنفد أغراضه كقرص صلب باحتراقه، لسبب مجهول ألهمني تغيير القرص الصلب تغيير وجهة نظري عن إدارة تلك الآلات، سنين إثنا أو ثلاثة عشر –منذ 98 تقريباً- ظللت فيها مستخدماً وفياً للويندوز، غيرت فيها عدد لا يحصى من المكونات الصلبة وبرامج التشغيل، بعد الحادث الأخير الذي فجعني في أعز ما أملك، فصول روايتي المغدورة، فكرت، ربما المشكلة في مقاربتي في التعامل مع الأجهزة، كلمت أحد أصدقائي من المتحمسين للبرمجيات الحرة، وأقمت اللينكس على جهازي.

يشكو مستخدمو اللينكس من أشياء عدة –لا أعرفها جميعاً- لكنهم يجمعون على شيء واحد، النظام مستقر إلى حد كبير، ولأنهم أجمعوا على استقرار النظام كان حتاماً علي أن أكون –كما كنت في أحيان كثيرة بدون قصد مني- الاستثناء الذي يثبت القاعدة، ليس مرة واحدة بل مرتين، وهكذا انهار اللينكس مرتين في أقل من 6 شهور، لا يفصل بين الأولى والثانية أكثر من شهر، بينما حدثت الثانية قبل 20 ساعة من اكتشافي انفصال عين العدسة عن جسمها.

يعرف مواليد سنوات معينة ممن مروا بمراهقة طبيعية ما يعنيه البعض بالمنحنى الحيوي، مزيج من إيقاع العالمين الداخلي والخارجي للشخص، يحدث أن يلتقي الإيقاعات في نقطة منخفضة من المنحنى لتترافق الحالة النفسية السيئة مع انهيارات خارجية عامة، علاقات رديئة، حوادث محدودة –أو واسعة-، تغييرات عنيفة، مزاج رديء، لكن أحداً ممن أعرف مر بهذه الفترات لم يمت من فرط سوء الإيقاع، وأنا –في هذه الساعة المبكرة من صباح السبت الثاني من إبريل/أغسطس- أتمنى ألا أكون استثناءاً، على الأقل هذه المرة.

7.01.2011

ملحوظة بشأن الناس والميدان

قد تكون الحياة الواقعية -على اعتبار أن هناك الآلاف في أدمغتنا- في أحيان غير ملهمة، أو بمعنى أدق لا تلاقي خيالنا الرومانسي فيما يتعلق بكلمات بعينها، لذلك يتأفف الناس من بائعي اللب والشاي في التحرير، ورائحة المحشي، وصينية الميدان المتسخة كصالة بلياردو في بولاق الدكرور..

أقول أنا، بل يكون الخير حيث يكون الناس، بل نكتسب كل شبر من الميدان لنا، بشهدائنا وبقشور اللب والسوداني، وبأكواب الشاي الأسود عديم الطعم، وبمناديل الكلينكس المهملة التي لا يستطيع مستعملوها نطق اسمها نطقاً صحيحاً، أقول الميدان لمن امتلكه بالدم ليفعل به ما يشاء ليدافع عنه بالدم كما فعل في المرة الأولى.

6.10.2011

العنف الآن

تبدأ الأيام السيئة عادةً بأفعال خرقاء..

كنت ومازلت أحب الخرق وأجده أقرب لما هو أصدق وأكثر طزاجة في قلب الناس، حتى وإن كان أفعالاً شريرة في ظاهرها، فالخرق دلالة حسن معدنٍ ما حتى وإن خفت، غير أن للخرق توابع سلبية، منها أنه يستتبع مزيداً من ذاته.

لسبب مجهول أحتفظ بشخص واحد في حياتي كل فترة، أطلعه على مكنون ما أطالع به نفسي، لسبب مجهول ليس مجهول على وجه الدقة، فقط لأني لا أستطيع أن احتمل أعبائي كاملةً مرة واحدة، لابد لي أن أفرغ شيئاً من ثقل روحي من حينٍ إلى آخر، لا أقول أني مثقل دائماً، أو حتى أغلب الوقت، ولكن أقول أن الثقل إن جاء قد لا يحتمل في كثير من الأحيان.

اليوم كنت قد استفضت في حديث –أثاره الخرق- عن مشاعر قديمة، الغربة، عدم القدرة على تجاوز أشياء بعينها، العنف، الارتباك، أشياء مفككة لا تجتمع إلا في سيرة قصيرة لذكر قاهري محدد، كنت أحكي باستفاضة مهولة حين انتابني فجأة –وربما لأول مرة في حياتي- شعور مزعج بالوهن، كأني أفرغ روحي مما يقيمها دون وعي لأجد فجأة أنها ربما بحاجة لأن تجلس لتستريح من دوار مفاجئ ألم بها، وللحظة شعرت بتخبط بشع، تخبط استتبعه استفاضةً أكبر في الحديث، كأنما هي رغبة عنيفة في إنكار أني قد أصاب بتخبط من جراء بوح عشوائي مركز ومزعج الإيلام في آن، ظللت في تلك الدائرة المفرغة حتى قطعتها لمرة أخيرة، “أعتقد إن حديثنا تركني في حالة شديدة الهشاشة” قلت.

ما الذي أزعجني تحديداً، لحظة من الاطلاع مباشرة في عين الروح، شفافية مفاجئة انتابتني، الخوف من معرفة شخص آخر عداي موضع شديد الحساسية في روحي، الخوف من عدم قدرة ذلك الشخص على تحمل الكثافة المحققة لأزماتي الشخصية، لا أدري حقاً، لكني أدري أني قد أحمل نفسي أحياناً فوق طاقتها لا لشيء إلا لأثبت أن طاقتها أكبر مما هي عليه حقاً.

6.04.2011

ارتجال

كنت دباً قطبياً، كان العيش أسهل، كلما كنت دباً قطبياً كلما كان العيش أسهل، هكذا يقول الناس، تجوع فتغطس برأسك مسافة بسيطة، تخرج بسمك لا يأسف لأنك آكله، لا يأسف لقرب الوفاة –لأن الحياة متوالية من الأسباب المعقدة يقبلها السمك في مجملها-، لا يأسف ولكن يبتسم، ولا تأسف ولكن تبتسم، العيش سهل، العيش أسهل من سواه.

كنت دباً قطبياً حتى قابلت العارف، وتواري العيش، وتوارى البياض، وتوارت حقائق أبسطها أني دب قطبي ما طمحت يوم لأن أكون غيره، قابلت العارف وتبعته، حتى تساقط عن جسدي شعري الأبيض، إسمر جلدي المكشوف، استقام ظهري، فقدت الكثير من وزني، وبدوت كظل العارف، يتلفت أحياناً فيبتسم، فيغطي الشمس غيم، يربت على ظهري فلا أحن إلى ما صار، إلى أيام كنت فيها دباً قطبياً وكان العيش سهل.

كنت دباً قطبياً فصرت ظل العارف، حتى إذا حل مساء وأصبح، أصبحت متروكاً على حواف صحراء، فلا أنا ظل العارف ولا أنا دب قطبي، ولا الجليد صوبي ولا ابتسامة العارف حدي، ولا سبيل إلا التقدم باتجاه ما، ليس بالضبط أن أعود دباً قطبياً أو أن أكون ظل العارف.

كان ما كان، نجوت بكثير من العسف، اشتريت بذلة وسعيت في الأسواق، اشتريت منزلاً وقررت في بيتي، مللت بيتي فخرجت أمشي بين الناس، وفي طريقي صادفت العارف، ابتسم فخلا الطريق من الناس والطريق، ابتسم فكان ما كان من قبل، إلا أني لوهلة –قد لا ترى على مدرج دقيق للزمن- تذكرت عسف النجاة ومرارة الهجران، فأدرت ظهري للعارف لأستقبل سهولة العيش مرة أخرى.

3.27.2011

آسف، مزاجي ليس طيب بما يكفي لعبور الطريق الآن

يدرك من يعرفني جيداً مدى كراهيتي العميقة لعبور الطرق وقيادة السيارات، بضعة منهم يتذكرون بمزيد من الضحك الهيستيري المرة الوحيدة التي حاولت فيها قيادة سيارة والتي انتهت بعد خمس دقائق من بدايتها باقتحام مباشر لرصيف مسالم بتجمع عمراني خاوي يقع خارج القاهرة.

يربط بعضهم الأمر بحادثة تعرضت لها في صغري، غير أن المسألة أكبر على وجه التأكيد، المسألة أني لا أثق في السيارات، جماع معقد من التكوينات الميكانيكية تتحرك بالأمر اللحظي المباشر، قد تتعطل قد تتفكك وهناك آلاف الاحتمالات التي تحكم عملها، أما قادة السيارات فهم أسوأ، بالإضافة للجسد البشري العادي، فهناك دروع من الصاج والحديد والآلات التي تأتمر بأمره، سلطة فعلية على كيان مادي هائل الحجم إذا ما قورن بالجسد مجرداً، ولأن السلطة بطبيعتها مفسدة، فلا يمكن الوثوق أبداً بمدى عقلانية أولئك الجالسين خلف عجلات قيادة ليوجهوا تلك الآلة المزعجة.

تقوم السيارات -كما تقوم كل الآلات- على فكرة زيادة قدرة الجسد -تحديداً الجسد- البشري، زيادة سرعته، في مقابل زيادة قدرته على الضرر أيضاً، ويكفي أن تقارن الضرر الذي سيحدثه اتخاذك خطوة زائدة غير محسوبة على قدميك، بخطوة زائدة غير محسوبة من سيارتك، لتدرك ما أتحدث عنه.

في إحدى محاضراتها الرائعة عن الحداثة تساءلت هبة رؤوف: لماذا يركب الناس السيارات؟ كانت الإجابة من الحضور: ليصلوا أسرع، فسألت: لم؟ ما الغاية من الوصول أسرع؟ وأجابت أنه بسبب الدخول في الإيقاع الحديث فنحن ننجز العديد من المهام التافهة بشكل أسرع لنفسح الطريق لمزيد من المهام التافهة بدلاً من استغلال الوقت في أنشطة إنسانية حقيقية..

يمكن تطبيق ذات التساؤلات على الآلات، ظهور الآلة في البداية في يد رأسمالي واحد لاكتساب ميزة نسبية في السوق بسرعة الإنجاز وتقليص التكاليف سرعان ما أتت على حساب العديد من العمال الذين تم تسريحهم قبل أن يفقد هذا الرأسمالي ميزته النسبية بشيوع الآلة ليفتح بابا لعصر تكون قيمته الأساسية السرعة، آلاف البشر يتنافسون على الإنتاج أسرع، الوصول أسرع، الأكل أسرع، التلذذ أسرع، السرعة كغاية في ذاته، لا لأي هدف إنساني ولكن لتوفير الوقت، وقت لمزيد من استهلاك نتاج سرعة الإنتاج.

في أحد المرات كنت عائداً من درس الفيزياء -كنت أبلغ من العمر حينها 15 عاماً- في المهندسين، ولأذهب إلى منزلي من النقطة التي بدأت من عندها كان يتحتم علي عبور أربع شوارع رئيسية وحوالي 10 شوارع فرعية، فكرت في الطريق ثم جلست على حافة إصيص زرع مفكراً في حالي وكيف وصلت إلى تلك اللحظة التي جلست فيها على جانب الطريق في العاشرة مساءاً بلا أدنى رغبة حقيقية في عبور الشارع، في تلك اللحظة اقترب مني رجلٌ عجوز طالباً مني أن أعبر به الطريق، التفت إليه قائلاً في خجل حقيقي "آسف، لست في مزاج طيب لعبور الشارع الليلة..!”.

في لحظات الأسى الحقيقية كالتي أمر بها الآن أتذكر فتاة ربما في أواخر العشرين، محجبة، تعبر شارع جامعة الدول العربية في منتصف اليوم تماماً بسرعة أدت بصدرها للاهتزاز بشكل ملفت للغاية، عبرت الفتاة ثم لمت جانبي سترتها على جسدها وهي تنظر حولها مخافة أن يكون أحدهم قد لاحظها، ثم أكملت طريقها مكسورة الخاطر للحظة قبل أن تختفي عن ناظري.

ربما لهذا السبب تحديداً أكره السيارات..

2.21.2011

ملحوظة على موقف الجيش: فرصتنا الآن

أتأمل مثل كثيرين ما يحدث الآن في ليبيا، أقف مذهولاً من شجاعة الشعب الليبي الصامد على مدى أيام في وجه مذبحة هائلة، بينما يلح في رأسي السؤال، ما الذي يمكن تعلمه من الدرس الليبي فيما يخص الحالة المصرية؟

نعود إلى الأيام بين 25-1 إلى 11-2، بعد انهيار قوات الشرطة لم تجد الحكومة المصرية في ذلك الوقت بداً من إدخال الجيش في المعادلة، ما الذي منع الجيش في ذلك الحين من التدخل لصالح النظام على الرغم من توارد أنباء حول إصدار أمر رئاسي للجيش بالضرب على المتظاهرين؟

هناك كثير من التحليلات حول ارتباط الجيش بعلاقة عضوية مع المجتمع بسبب عوامل بعضها تاريخي وبعضها إداري ساري حتى اللحظة مثل نظام التجنيد الاجباري، أو حتى وجود الجيش كمؤسسة في الحياة اليومية للمصريين أبسطها وجود فرقته لكرة القدم -طلائع الجيش- في مسابقة الدوري العام، وجميع تلك التحليلات ينتهي إلى نتيجة تقول بأن تدخل الجيش بشكل دام ضد تجمعات احتجاجية مدنية أمر بعيد عن التخيل.

تلك التحليلات تفترض أن الجيش لن يتدخل فقط بدافع النوايا الطيبة، على اعتبار أن "الجيش حبيبنا ومش حيعمل فينا" غير أنها تغفل مسألة مهمة جداً، وهو ما تساعدنا الحالة الليبية على فهمه.

في الحالة الليبية كان الجيش حاضراً بعنف ضد المواطنين منذ اليوم الثاني تقريباً من الاحتجاجات، وهو ما أدي إلى انقسامه على نفسه، وانفصال قمته عن قاعدته في بعض الأحيان، مما يعني أن الجيش الليبي كمؤسسة قد تفتت تماماً في مواجهة الصمود البطولي لأهل بنغازي وبقية المدن الليبية الملتحقة بركاب الثورة، منذ صدور الأوامر بإطلاق النار نجد بدء حدوث انشقاقات على مستويات فردية أخذت في الاتساع حتى وصلت في اليوم الخامس إلى رتب تقع على قمة الهرم المؤسسي في ليبيا.

وهذا هو السيناريو المتوقع في حالة دخول الجيش في مصر مواجهات سافرة ضد قوى الاحتجاج المدنية، القرار في هذه اللحظة لن يكون قراراً يتخذه مجموعة من القادة جالسين في غرفة مكيفة، بل سيكون قراراً فردياً لكل عسكري وضابط بإطاعة الأوامر أو عصيانها، هل يستطيع الجيش أن يضمن عدم انشقاقه على نفسه؟؟ هل يستطيع ضمان عدم تفاقم رد الفعل من قبل الأهالي في مواجهته كما رأينا في ليبيا؟؟ في اعتقادي لا يمكن ضمان أياً من ذلك.

لذلك يجب تشديد وتكثيف التواجد في الشارع، هذه هي الفرصة لانتزاع المطالب، إن كان دور الجيش سلبياً في ما يحدث (بالمشاركة أو التواطئ) فما يجب معرفته هو أن حركة الجيش مقيدة نسبياً، لا يستطيع الجيش السيطرة على حشود كالتي شهدناها في ميدان التحرير دون مذبحة حقيقية، وهو أمر لا يمكن لقيادته أن تخاطر بحدوثه، وحتى لو قررت قيادته أنها ستخاطر بتنفيذه فهل ستخاطر قيادات الصف الثاني بتنفيذه؟ وهل سيوافق قيادات الصف الثالث على تنفيذه.. إلخ، أما إن كان دور الجيش إيجابياً، لكنه ضعيف النفوذ في مواجهة ضغوط أياً كان منبعها فيجب دعمه بالتواجد في الشارع والتأكيد على المطالب.

الآن هي الفرصة لتحقيق مطالبنا كاملةً ودفعة واحدة، الجيش لن يغامر بالتدخل لأن تدخله سيؤدي لاحتراق البلد كاملةً، وحتى إن غامر فلنا في ليبيا أسوة حسنة.

1.11.2011

هامش تافه على الحياة


لم أفهم مطلقاً الأفكار المتعلقة بالخسائر الدنيوية، على حد علمي لم أخسر شيئاً للأبد، فقدت أناساً فأفسحوا بفقدانهم المكان لأناس آخرين أكثر قيمةً في أغلب الأحيان، خسرت بعض من صفاتي فاكتسبت أخرى أدين لها بالفضل في بقائي حياً ودون خدوش، خسرت بضع قطرات من ماء سالت على حين غرة من عيني فاكتسبت بدلاً منها علماً نافعاً يقضي بأن أتجنب ما يلهب عيني.. وهكذا. كان ذلك أحد أكثر الإشياء إمتاعاً بشأن العيّش، القدرة على اختبار الذات والخروج بمزايا نسبية متجددة.

أما أفضل الأشياء التي منّ بها قدري عليّ فكانت القدرة على النسيان، عيش ذات اللحظات لعدد لا متناهي من المرات، كأنما هي المرة الأولى، أو ربما هي فقدان ألم التذكر، اليوم أتذكر أحداث حياتي القريبة باستمتاع يليق بعجوز في السبعين، لا ألم، لا مرارة، فقط ابتسامة صغيرة، وبضع كلمات أنثرها كلما راق لي، وأنا كلٌ سليم لا يزعجني سوى برد صيفي أخرق أصابني مصادفةً بسبب الوقوف عارياً أمام المرآة لأتأمل صليبك الخشبي المعلق على صدري.

1.07.2011

قمصان سعيدة

في قميصك –أعني في ذلك القميص القطني الذي بت به ليلتين- لا أرى سوى البحر، أمشي والناس حوالي مصطافين لطفاء، والأرض تحتي مجاز أرض، تبدو على بعد طفيف تكتنفها غلالة زرقاء كأنما أخوض في الماء.

في قميصك –أعني ذلك الذي كنت تلبسين حينما جلسنا نتأمل النجوم- لا أشعر بالكدر، لا أخشى الدهر، لا أهابه، وقلبي خضرةٌ خالصة، ولساني راضِ، وعيني راضية، وأنا فتىً أسمر لا يغير ابتسامه سوى شديد ضحكه.

في قميصك –أعنى ذلك الذي صنعت به الشاي وغسلت به الأطباق الفارغة- لا شيء يسوءني، لا ذاكرتي القريبة ولا ترصد العالم، لا الزحام ولا ضباط الشرطة، لا غباء النمل الأحمر ولا حرارة الجو، لا شيء يسوءني، لا شيء يقلقني.

في قميصك –ذلك القميص الرمادي الطيب- رائحة عطرك، رائحة النوم والشراشف النظيفة، رائحة الحمامات الصباحية، رائحة البحر، رائحة الدهانات الملطفة للبشرة، رائحة إحمرار خديك وعيونك المتسعة، وكل شيء -من موقعي داخل قميصك- هو إنعكاس رائع الجمال لذلك العالم الذي خلفناه وراءنا.

1.04.2011

البارحة

في جهادها المقدس ضد الجماعات الإسلامية في أواسط التسعينات استعانت الحكومة بكل ما يمكن الاستعانة به للخروج من حربها تلك ظافرة، كل الأساليب المشروعة وغير المشروعة، كل ما هو متاح أو قريب الاتاحة، كل شيء تقريباً، مستهدفةً جميع فئات الشعب المصري تقريباً بالدعاية لمشروعية حربها تلك.

مازلت أذكر محمود قطب، أحد المرشدين في كشافة نادي الترسانة، ذقن حليقة باستمرار وشعر أسود لامع مسحوب إلى الوراء ومحبة لا تنتهي لمحمد فؤاد وهشام عباس، مازلت أتذكر ذهابنا إلى بيته للتعزية في موت شخص ما، يبدو لي بعد انقضاء كل هذه السنين أنه كان والده الذي مات في تفجير مجمع التحرير.. أتذكر قول أمي "مسكين، معاشهم 200 جنيه، هم 200 جنيه يعملوا إيه بس؟؟".

أتذكر وجه الشيماء، فتاة أخرى ميتة في تفجيرات تلك الفترة، اختارت الحكومة وجهها بعناية من بين الوجوه لتصدره لنا، وجهها في الجرائد، على غلاف مجلة الأطفال التي ابتاعها أسبوعياً، في التلفاز، في موضوعات التعبير، الشيماء هي الوجه التي أرادت الحكومة حينها أن يكون مردافاً للبراءة والطهر التي اغتالتهم يد الضغينة والحقد..

لم ارتبط بوجه الشيماء، مازلت أتذكره بلا أسف يذكر، على الرغم من كل الكلمات التي كتبتها في موضوعات التعبير عنها إلا أنني لم أهتم، ضحايا الحكومة ترعاهم الحكومة، أما نحن، عيال الله الذين لا يجد أبناؤنا جثث لنا ليبكوا أمامها باحترام وغضب، فيصرف لعوائلنا 200 جنيه في الشهر ولا يتذكر أحد شيء عنا.

1.02.2011

لا أنام لأحلم

باستطاعتي الغفران، باستطاعتي ادعاؤه.. اصطناعه أحياناً، باستطاعتي تحمله.. دفع تكاليفه حتى في تلك اللحظات التي أحمل فيها نفسي بالكاد.

باستطاعتي الغفران، باستطاعتي أن أكون ولداً طيباً، شريطة ألا تبالغ في القسوة، ألا تقطعني حتى أرى دمي ينسال أمامي فلا استطيع دفعه ولا دفع خوفي من أن يطير عقلي شعاعاً حسرةً على فقدي.

باستطاعتي الغفران، فقط لا تجتهد في إيذائي، لا تدفع حذري لأقصاه، باستطاعتي الغفران لكني في تلك الساعات التي تسبق نومي وحين استيقاظي.. أجد نقمتي أكثر أخلاقية من غفراني.

* العنوان لدرويش وليس له صلة عميقة بالنص