1.11.2011

هامش تافه على الحياة


لم أفهم مطلقاً الأفكار المتعلقة بالخسائر الدنيوية، على حد علمي لم أخسر شيئاً للأبد، فقدت أناساً فأفسحوا بفقدانهم المكان لأناس آخرين أكثر قيمةً في أغلب الأحيان، خسرت بعض من صفاتي فاكتسبت أخرى أدين لها بالفضل في بقائي حياً ودون خدوش، خسرت بضع قطرات من ماء سالت على حين غرة من عيني فاكتسبت بدلاً منها علماً نافعاً يقضي بأن أتجنب ما يلهب عيني.. وهكذا. كان ذلك أحد أكثر الإشياء إمتاعاً بشأن العيّش، القدرة على اختبار الذات والخروج بمزايا نسبية متجددة.

أما أفضل الأشياء التي منّ بها قدري عليّ فكانت القدرة على النسيان، عيش ذات اللحظات لعدد لا متناهي من المرات، كأنما هي المرة الأولى، أو ربما هي فقدان ألم التذكر، اليوم أتذكر أحداث حياتي القريبة باستمتاع يليق بعجوز في السبعين، لا ألم، لا مرارة، فقط ابتسامة صغيرة، وبضع كلمات أنثرها كلما راق لي، وأنا كلٌ سليم لا يزعجني سوى برد صيفي أخرق أصابني مصادفةً بسبب الوقوف عارياً أمام المرآة لأتأمل صليبك الخشبي المعلق على صدري.

1.07.2011

قمصان سعيدة

في قميصك –أعني في ذلك القميص القطني الذي بت به ليلتين- لا أرى سوى البحر، أمشي والناس حوالي مصطافين لطفاء، والأرض تحتي مجاز أرض، تبدو على بعد طفيف تكتنفها غلالة زرقاء كأنما أخوض في الماء.

في قميصك –أعني ذلك الذي كنت تلبسين حينما جلسنا نتأمل النجوم- لا أشعر بالكدر، لا أخشى الدهر، لا أهابه، وقلبي خضرةٌ خالصة، ولساني راضِ، وعيني راضية، وأنا فتىً أسمر لا يغير ابتسامه سوى شديد ضحكه.

في قميصك –أعنى ذلك الذي صنعت به الشاي وغسلت به الأطباق الفارغة- لا شيء يسوءني، لا ذاكرتي القريبة ولا ترصد العالم، لا الزحام ولا ضباط الشرطة، لا غباء النمل الأحمر ولا حرارة الجو، لا شيء يسوءني، لا شيء يقلقني.

في قميصك –ذلك القميص الرمادي الطيب- رائحة عطرك، رائحة النوم والشراشف النظيفة، رائحة الحمامات الصباحية، رائحة البحر، رائحة الدهانات الملطفة للبشرة، رائحة إحمرار خديك وعيونك المتسعة، وكل شيء -من موقعي داخل قميصك- هو إنعكاس رائع الجمال لذلك العالم الذي خلفناه وراءنا.

1.04.2011

البارحة

في جهادها المقدس ضد الجماعات الإسلامية في أواسط التسعينات استعانت الحكومة بكل ما يمكن الاستعانة به للخروج من حربها تلك ظافرة، كل الأساليب المشروعة وغير المشروعة، كل ما هو متاح أو قريب الاتاحة، كل شيء تقريباً، مستهدفةً جميع فئات الشعب المصري تقريباً بالدعاية لمشروعية حربها تلك.

مازلت أذكر محمود قطب، أحد المرشدين في كشافة نادي الترسانة، ذقن حليقة باستمرار وشعر أسود لامع مسحوب إلى الوراء ومحبة لا تنتهي لمحمد فؤاد وهشام عباس، مازلت أتذكر ذهابنا إلى بيته للتعزية في موت شخص ما، يبدو لي بعد انقضاء كل هذه السنين أنه كان والده الذي مات في تفجير مجمع التحرير.. أتذكر قول أمي "مسكين، معاشهم 200 جنيه، هم 200 جنيه يعملوا إيه بس؟؟".

أتذكر وجه الشيماء، فتاة أخرى ميتة في تفجيرات تلك الفترة، اختارت الحكومة وجهها بعناية من بين الوجوه لتصدره لنا، وجهها في الجرائد، على غلاف مجلة الأطفال التي ابتاعها أسبوعياً، في التلفاز، في موضوعات التعبير، الشيماء هي الوجه التي أرادت الحكومة حينها أن يكون مردافاً للبراءة والطهر التي اغتالتهم يد الضغينة والحقد..

لم ارتبط بوجه الشيماء، مازلت أتذكره بلا أسف يذكر، على الرغم من كل الكلمات التي كتبتها في موضوعات التعبير عنها إلا أنني لم أهتم، ضحايا الحكومة ترعاهم الحكومة، أما نحن، عيال الله الذين لا يجد أبناؤنا جثث لنا ليبكوا أمامها باحترام وغضب، فيصرف لعوائلنا 200 جنيه في الشهر ولا يتذكر أحد شيء عنا.

1.02.2011

لا أنام لأحلم

باستطاعتي الغفران، باستطاعتي ادعاؤه.. اصطناعه أحياناً، باستطاعتي تحمله.. دفع تكاليفه حتى في تلك اللحظات التي أحمل فيها نفسي بالكاد.

باستطاعتي الغفران، باستطاعتي أن أكون ولداً طيباً، شريطة ألا تبالغ في القسوة، ألا تقطعني حتى أرى دمي ينسال أمامي فلا استطيع دفعه ولا دفع خوفي من أن يطير عقلي شعاعاً حسرةً على فقدي.

باستطاعتي الغفران، فقط لا تجتهد في إيذائي، لا تدفع حذري لأقصاه، باستطاعتي الغفران لكني في تلك الساعات التي تسبق نومي وحين استيقاظي.. أجد نقمتي أكثر أخلاقية من غفراني.

* العنوان لدرويش وليس له صلة عميقة بالنص