3.27.2011

آسف، مزاجي ليس طيب بما يكفي لعبور الطريق الآن

يدرك من يعرفني جيداً مدى كراهيتي العميقة لعبور الطرق وقيادة السيارات، بضعة منهم يتذكرون بمزيد من الضحك الهيستيري المرة الوحيدة التي حاولت فيها قيادة سيارة والتي انتهت بعد خمس دقائق من بدايتها باقتحام مباشر لرصيف مسالم بتجمع عمراني خاوي يقع خارج القاهرة.

يربط بعضهم الأمر بحادثة تعرضت لها في صغري، غير أن المسألة أكبر على وجه التأكيد، المسألة أني لا أثق في السيارات، جماع معقد من التكوينات الميكانيكية تتحرك بالأمر اللحظي المباشر، قد تتعطل قد تتفكك وهناك آلاف الاحتمالات التي تحكم عملها، أما قادة السيارات فهم أسوأ، بالإضافة للجسد البشري العادي، فهناك دروع من الصاج والحديد والآلات التي تأتمر بأمره، سلطة فعلية على كيان مادي هائل الحجم إذا ما قورن بالجسد مجرداً، ولأن السلطة بطبيعتها مفسدة، فلا يمكن الوثوق أبداً بمدى عقلانية أولئك الجالسين خلف عجلات قيادة ليوجهوا تلك الآلة المزعجة.

تقوم السيارات -كما تقوم كل الآلات- على فكرة زيادة قدرة الجسد -تحديداً الجسد- البشري، زيادة سرعته، في مقابل زيادة قدرته على الضرر أيضاً، ويكفي أن تقارن الضرر الذي سيحدثه اتخاذك خطوة زائدة غير محسوبة على قدميك، بخطوة زائدة غير محسوبة من سيارتك، لتدرك ما أتحدث عنه.

في إحدى محاضراتها الرائعة عن الحداثة تساءلت هبة رؤوف: لماذا يركب الناس السيارات؟ كانت الإجابة من الحضور: ليصلوا أسرع، فسألت: لم؟ ما الغاية من الوصول أسرع؟ وأجابت أنه بسبب الدخول في الإيقاع الحديث فنحن ننجز العديد من المهام التافهة بشكل أسرع لنفسح الطريق لمزيد من المهام التافهة بدلاً من استغلال الوقت في أنشطة إنسانية حقيقية..

يمكن تطبيق ذات التساؤلات على الآلات، ظهور الآلة في البداية في يد رأسمالي واحد لاكتساب ميزة نسبية في السوق بسرعة الإنجاز وتقليص التكاليف سرعان ما أتت على حساب العديد من العمال الذين تم تسريحهم قبل أن يفقد هذا الرأسمالي ميزته النسبية بشيوع الآلة ليفتح بابا لعصر تكون قيمته الأساسية السرعة، آلاف البشر يتنافسون على الإنتاج أسرع، الوصول أسرع، الأكل أسرع، التلذذ أسرع، السرعة كغاية في ذاته، لا لأي هدف إنساني ولكن لتوفير الوقت، وقت لمزيد من استهلاك نتاج سرعة الإنتاج.

في أحد المرات كنت عائداً من درس الفيزياء -كنت أبلغ من العمر حينها 15 عاماً- في المهندسين، ولأذهب إلى منزلي من النقطة التي بدأت من عندها كان يتحتم علي عبور أربع شوارع رئيسية وحوالي 10 شوارع فرعية، فكرت في الطريق ثم جلست على حافة إصيص زرع مفكراً في حالي وكيف وصلت إلى تلك اللحظة التي جلست فيها على جانب الطريق في العاشرة مساءاً بلا أدنى رغبة حقيقية في عبور الشارع، في تلك اللحظة اقترب مني رجلٌ عجوز طالباً مني أن أعبر به الطريق، التفت إليه قائلاً في خجل حقيقي "آسف، لست في مزاج طيب لعبور الشارع الليلة..!”.

في لحظات الأسى الحقيقية كالتي أمر بها الآن أتذكر فتاة ربما في أواخر العشرين، محجبة، تعبر شارع جامعة الدول العربية في منتصف اليوم تماماً بسرعة أدت بصدرها للاهتزاز بشكل ملفت للغاية، عبرت الفتاة ثم لمت جانبي سترتها على جسدها وهي تنظر حولها مخافة أن يكون أحدهم قد لاحظها، ثم أكملت طريقها مكسورة الخاطر للحظة قبل أن تختفي عن ناظري.

ربما لهذا السبب تحديداً أكره السيارات..

هناك تعليق واحد:

HIMZELF! يقول...

انت فين يابني
ابعتلي الايميل بتاعك
da_0013@hotmail.com