6.10.2011

العنف الآن

تبدأ الأيام السيئة عادةً بأفعال خرقاء..

كنت ومازلت أحب الخرق وأجده أقرب لما هو أصدق وأكثر طزاجة في قلب الناس، حتى وإن كان أفعالاً شريرة في ظاهرها، فالخرق دلالة حسن معدنٍ ما حتى وإن خفت، غير أن للخرق توابع سلبية، منها أنه يستتبع مزيداً من ذاته.

لسبب مجهول أحتفظ بشخص واحد في حياتي كل فترة، أطلعه على مكنون ما أطالع به نفسي، لسبب مجهول ليس مجهول على وجه الدقة، فقط لأني لا أستطيع أن احتمل أعبائي كاملةً مرة واحدة، لابد لي أن أفرغ شيئاً من ثقل روحي من حينٍ إلى آخر، لا أقول أني مثقل دائماً، أو حتى أغلب الوقت، ولكن أقول أن الثقل إن جاء قد لا يحتمل في كثير من الأحيان.

اليوم كنت قد استفضت في حديث –أثاره الخرق- عن مشاعر قديمة، الغربة، عدم القدرة على تجاوز أشياء بعينها، العنف، الارتباك، أشياء مفككة لا تجتمع إلا في سيرة قصيرة لذكر قاهري محدد، كنت أحكي باستفاضة مهولة حين انتابني فجأة –وربما لأول مرة في حياتي- شعور مزعج بالوهن، كأني أفرغ روحي مما يقيمها دون وعي لأجد فجأة أنها ربما بحاجة لأن تجلس لتستريح من دوار مفاجئ ألم بها، وللحظة شعرت بتخبط بشع، تخبط استتبعه استفاضةً أكبر في الحديث، كأنما هي رغبة عنيفة في إنكار أني قد أصاب بتخبط من جراء بوح عشوائي مركز ومزعج الإيلام في آن، ظللت في تلك الدائرة المفرغة حتى قطعتها لمرة أخيرة، “أعتقد إن حديثنا تركني في حالة شديدة الهشاشة” قلت.

ما الذي أزعجني تحديداً، لحظة من الاطلاع مباشرة في عين الروح، شفافية مفاجئة انتابتني، الخوف من معرفة شخص آخر عداي موضع شديد الحساسية في روحي، الخوف من عدم قدرة ذلك الشخص على تحمل الكثافة المحققة لأزماتي الشخصية، لا أدري حقاً، لكني أدري أني قد أحمل نفسي أحياناً فوق طاقتها لا لشيء إلا لأثبت أن طاقتها أكبر مما هي عليه حقاً.

6.04.2011

ارتجال

كنت دباً قطبياً، كان العيش أسهل، كلما كنت دباً قطبياً كلما كان العيش أسهل، هكذا يقول الناس، تجوع فتغطس برأسك مسافة بسيطة، تخرج بسمك لا يأسف لأنك آكله، لا يأسف لقرب الوفاة –لأن الحياة متوالية من الأسباب المعقدة يقبلها السمك في مجملها-، لا يأسف ولكن يبتسم، ولا تأسف ولكن تبتسم، العيش سهل، العيش أسهل من سواه.

كنت دباً قطبياً حتى قابلت العارف، وتواري العيش، وتوارى البياض، وتوارت حقائق أبسطها أني دب قطبي ما طمحت يوم لأن أكون غيره، قابلت العارف وتبعته، حتى تساقط عن جسدي شعري الأبيض، إسمر جلدي المكشوف، استقام ظهري، فقدت الكثير من وزني، وبدوت كظل العارف، يتلفت أحياناً فيبتسم، فيغطي الشمس غيم، يربت على ظهري فلا أحن إلى ما صار، إلى أيام كنت فيها دباً قطبياً وكان العيش سهل.

كنت دباً قطبياً فصرت ظل العارف، حتى إذا حل مساء وأصبح، أصبحت متروكاً على حواف صحراء، فلا أنا ظل العارف ولا أنا دب قطبي، ولا الجليد صوبي ولا ابتسامة العارف حدي، ولا سبيل إلا التقدم باتجاه ما، ليس بالضبط أن أعود دباً قطبياً أو أن أكون ظل العارف.

كان ما كان، نجوت بكثير من العسف، اشتريت بذلة وسعيت في الأسواق، اشتريت منزلاً وقررت في بيتي، مللت بيتي فخرجت أمشي بين الناس، وفي طريقي صادفت العارف، ابتسم فخلا الطريق من الناس والطريق، ابتسم فكان ما كان من قبل، إلا أني لوهلة –قد لا ترى على مدرج دقيق للزمن- تذكرت عسف النجاة ومرارة الهجران، فأدرت ظهري للعارف لأستقبل سهولة العيش مرة أخرى.