8.07.2011

أشياء لا يُنصَح بقراءتها

كانت أياماً غريبة.

منذ ثلاثة أعوام اكتشفت إصابتي بشرخ شرجي، أو لنقل أخبرني طبيب ما بأنني قد نجحت نجاحاً مذهلاً في أن أشرخ شرجي –وبشكل غير مفهوم على وجه التحديد- وأن الحل الوحيد هو أن أجري عملية ما تقتضي بإزالة أشياء معينة من مؤخرتي، لم أفهم ما أراد على وجه التحديد لكني استنتجت نجاح العملية من زوال الألم عند التغوط.

قبلها بثلاثة أعوام كنت قد بدأت بملاحظة الأمر، بقع حمراء على جدار عين الغائط، في البداية تصورت أنني أصبت بمرض نادر يجعلني أرى بقع حمراء حين أنظر إلى غائطي، ثم بدأت في الهيستيريا المتسلسلة، تذكرت مرة ذهبت فيها صغيراً إلى أحد الحقول -التي كانت تبعد عن منزلنا في بولاق الدكرور حينها مسيرة ساعة إلا ربع- لأجلب أوراق توت لدود القز الذي اشتريته من فتىً نصاب ببضعة جنيهات اقتصدتها من مصروفي فقط لتموت بعدها بأيام، تذكرت أني وضعت قدمي عارية حينها في مجرى مائي صغير واشتبهت في البلهارسيا، ثم ذهبت أبعد لأفترض وجود سرطان في الرئة يتسبب في نزول الدم مع الغائط، افترضت بعدها الإيدز، فشل كلوي، التهاب الكبد الوبائي سي، افترضت آلاف الأمراض بينما أنا جالس في غرفتي أحاول مذاكرة معادلات مادة التأمين التي أعدت امتحانها لأربع مرات، بعدها نسيت كل شيء واستمرت البقع الحمراء لثلاث سنوات قبل أن يصبح الألم لا يطاق لأذهب بعدها إلى الطبيب.

قبلها كنت قد ذهبت إلى طبيب آخر، أخبرني أن المسألة بسيطة، غائطي صلب بسبب اعتماد الوجبات التي اتناولها على البروتين –كانت أمي قد رحلت مؤقتاً عن المنزل ولم يكن أبي يعرف أي شيء عن الطبخ سوى تحمير شرائح اللحم، ظللت أتناول حينها شرائح لحم رديئة الطهي في وجبتي الغداء والعشاء لمدة عام-، ولتليينه أعطاني مجموعة من الفيتامينات وملين، كنت أنسى مواعيد الفيتامينات فكنت أتجه من فوري إلى الملين الذي سرعان ما أقلعت عنه لأنه يسبب إسهالاً قد يمتد على طول فترة توازي الساعتين!

كان إجراء العملية مسألة في غاية الغرابة، حقنة بنج في أسفل الظهر، والجراح يعمل بين قدمي كأنني ألد، والممرضة تمر بين الحين والآخر، تلقي نظرة سريعة، تضحك في عبها وترحل، كنت أشعر أنني مكوم كقطع ثياب بانتظار الغسيل.

بعد العملية اضطررت لأن أقبع بالمنزل أسبوعاً قبل أن استطيع النزول شريطة أن أصطحب عوامة، عوامة من تلك العوامات التي يصطحبها العجائز لتفادي الجلوس على الأسطح الصلبة، ولطالعي بالغ الروعة لم تتوفر تلك العوامات سوى بلونين، الوردي والبرتقالي، كانت البرتقالي أهونهما حتماً، إلا أن ذلك لم ينقذني من سخرية الأطفال في الشارع، اقترب مني أحدهم يوماً وهو يكاد يذوب خجلاً، "ما تجيبها أعوم بيها يا عمو"، آه يا ابن القحبة، رددت عليه من فوري "لما تكبر حيبقى عندك عشرة زيها، ما تقلقش.."، في تلك الآونة كان أحد أعز أصدقائي يعقد خطبته في أحد البواخر النيلية الفاخرة، ذهبت حينها بالعوامة فقط ليتسائل المعازيم إن كنت أعتقد أن مصير تيتانك سيحيق بالباخرة.

بعد أن استغنيت عن العوامة أخبرني أحدهم أنه أجراها سبع مرات، وأن المرء قد يحتاج لعدد من تلك العملية قبل أن يصل شرجه لتوازن من نوع ما يمنع تكرار الأمر، بقيت في حالة هلع لمدة شهر، هلع بلغ بي أن حلمت مرتين أو ثلاث ببقع حمراء تخرج من مؤخرتي لتطاردني عبر وسط البلد.

كانت أياماً مؤسفة.

في أحد المرات بينما نحن جلوس على مقهى بالدقي، ثلاثة من الأصدقاء وفي فم كل واحدٍ منا مبسم أرجيلة، ترك أحدنا –وكان طبيباً- مبسمه فجأة ليخبرنا أنه قرر الاقلاع عن التدخين، نظرنا له في دهشة، أخبرنا جاداً أن الخلية قد تشذ بسبب نفس زائد وأنه يشعر أن النفس القادم من الشيشة سيكون هو المسبب لسرطان الرئة، ضحك الجميع إلا أنا، ظل الهاجس يدور برأسي بينما أسحب أنفاس متلاحقة، ومنذ ذلك الحين لم أره يدخن ثانيةً، وبعدها أقلعت لفترة.

بعد العملية بفترة عدت لتدخين الشيشة وحينها لاحظت، كنت أدخل الحمام لأنهي في خمس دقائق واجبات اليوم كله –التي كانت تتراكم بالثلاثة أيام- عقب كل مرة أصعد إلى المنزل من جلسة القهوة، ماذا يحدث على وجه التحديد، لم أربط بين دخان الشيشة وبين حركة المعدة سوى بعد شهر من الملاحظة، الشيشة تسبب تسييراً ما لمسائل الجهاز الهضمي.

دائماً ما يراودني أنني سأموت بالسرطان، وفي مرات قررت أن أقلع عن التدخين، لكن الخوف من أن أعود ثانيةً لأيام البقع الحمراء سرعان ما يعاودني.

دائماً ما تستدعي البقع الحمراء أغنية الرولينج ستونز "اطله بالأحمر"، كل ما كان حينها انطلى بأحمر قانٍ لا معنى له على الاطلاق، لا معنى له سوى أني رأيت بقع حمراء في أماكن مختلفة من الكون وربما كان الأمر كله عيب مؤقت في القرنية، أو عيب مؤقت في الكون.

لا بأس حتى تلك الأيام، بكل غرابتها والأسف الذي تبعثه في النفس ستمضي إلى حيث مضت أيام قبلها.

هناك تعليق واحد:

mirage يقول...

دائماً ما يراودني أنني سأموت بالسرطان، وفي مرات قررت أن أقلع عن التدخين، لكن الخوف من أن أعود ثانيةً لأيام البقع الحمراء سرعان ما يعاودني.


----
انا كمان بفكر كدا ،
ساعات بفكر اني هموت صغيرة