9.25.2011

كل الرجال يحبون ميّ

-1-

لم تكن مي زيادة أكثر نساء العالم جاذبية على وجه التأكيد.

في الواقع لا يسع أحد أن يزعم أنه يفهم على وجه الدقة تهافت الوسط الثقافي على اللبنانية متوسطة الجمال متوسطة الموهبة، ربما لم يعتد رجال ذلك العصر تلك الندية المتفجرة من حضور مي، سيدة تستقبل في بيتها رجالاً دون أن تكون على علاقة بواحدٍ منهم، تقف وسطهم لتدخن كواحد منهم، لا يحمر وجهها من سماع مزاحهم الفج، تستمتع برؤيتهم يتصارعون حولها في تلك المنافسات المسلية للرجال التي تدور ضمناً حول (مين بتاعه أكبر)، لكنها على الرغم من ذلك ليست طرفاً فيما يدور، هي كائن آخر متعالي لا يستطيع أحد منهم أن يقربها، وكلهم راغب على أية حال.

أطارت مي لب الكثيرين، حتى أولئك الذين حظوا بمن هي أجمل منها، وأكثر حباً لهم، تركوا أهليهم ليجروا وراء مي، واحدٌ فقط منهم كان يترفع عن تلك المعارك الصغيرة لينفرد وحده بقرب مميز، كان صديقنا اللطيف عباس العقاد.

على الرغم من أن مي كانت تفوقه سناً بسنة أو سنتين على الأكثر، لم يشعر العقاد بأي مشكلة، لم يكن يولي أهمية كبيرة لموهبتها المزعومة، كان –على الرغم من عدم حصوله على الابتدائية- يعلم جيداً قصة تلك السيدة الفرنسية التي غزت مجتمع المثقفين الفرنسيين في أواخر القرن الماضي والتي تبين لاحقاً أنها كانت تفوز بجوائزها الأدبية العديدة عن طريق اختيار أبيات عشوائية من ديوان لا مارتان، لذلك إتعظ العقاد جيداً وتعلم من تجربة سلفه فلوبير، النساء لسن أديبات جيدات في أغلب الأحوال، ربما يكنّ طباخات جيدات –لا ينسى العقاد أمه في البلد- ربما يكنّ قائدات جيوش جيدات، ربما يكن أي شيء في العالم، لكن عند الكتابة تتوقف قدرة النساء، يدرك العقاد ذلك، وتدركه ميّ غالباً.

أما مي فقد كانت تتأمل صمت العقاد وترفعه، تداعبه بلطف فيبدي حفاوة رصينة، تسأله عم قرأ الأسبوع فتكتشف أنه قرأ في ليلة ما قرأته في أسبوع، تكتب له رسالة فيرد عليها بتصحيحات خفيفة الدم لأخطاء رسالتها الأسلوبية، يحدثها عن نشأته في أسوان، تحدثه عن نشأتها في... أياً كان المكان الذي نشأت فيه، صعب تخيل رجل ضخم الجثة مثل العقاد يقضي ساعات على الهاتف ليتنهد ويسأل أسئلة عبثية على غرار (مبسوطة معايا؟) لكن لنكن صرحاء، كان صاحبنا المتجهم على الطريق الملكي لفعل ذلك في النهاية.

كان العقاد يحب مي، لا يوجد في الأمر عبقرية، كل الرجال يحبون مي أصلاً، والعقاد في النهاية رجل، حتى وإن كان متجهم، حتى وإن كان عنيفاً في إنتقاد أحمد شوقي، كان العقاد رجلاً وكان يحب مي بعنف، شيء واحد طفيف كان يؤرقه، كان العقاد يدرك أن مي لا تحبه.

ولكي نكون منصفين في حق مي، لن نجزم بأن مي لم تحب العقاد، بالتأكيد كانت مي تفضله على الآخرين، وربما فكرت أحياناً حول منظره بالروب دي شامبر منتظراً إياها على طرف سرير، لكنها فقط كانت تتذكر جبران وتمصمص شفتيها حسرة على غيابه.

كان جبران ومي صديقان حميمان في تلك الأزمنة ما قبل نزول مي على أرض مصر، كان جبران هو غاية ما حلمت به مي، كان وسيماً، شاعراً لطيفا –يتناول مواضيعاً مفهومة بالنسبة إليها في شعره كأن يكتب عن الغروب مثلاً مقارنة بـ(كواء) العقاد الذي خلده في قصيدة- وكان مصاباً بالسل -وكل المصابين بالسل هم عشاق مثاليون في النهاية- على أن ضيق جبران بالبلد وما فيها كان أكبر على ما يبدو من حبه لمي، لذلك سافر جبران إلى نيويورك، كتب هناك عدة قصائد في حب مي قبل أن يقابل مغنية جاز أمريكية أنسته مي وأبا مي وأمها.

صمد العقاد كثيراً، إستمتع بقربه من مي في أحيان وأصابه الكدر في أحيانٍ أخرى، لكنه بقى بجوارها في مختلف أزماتها وصداماتها حتى قررت مي العودة إلى لبنان في حين قرر العقاد أنه مهما بلغت حماسته فلن يتبع إمرأة لا تحبه إلى بلد مجهول –لم يكن ليأخذ الفيزا على كل حال ولكن لا بأس- وهكذا رحلت مي.

أما العقاد، فقد تزوج، كتب رواية في غاية السوء واستضاف أنيس منصور في منزله وأنهى مشواره المهني بأن حول عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور إلى لجنة النثر.

الأشياء ستستمر على أية حال.

9.21.2011

أثر


يسأل العارف: أتعذبت قبلاً بالحب..
أشير برأسي أن بلى
فقال: فما أكبر ما أصابك منه..
نظرت ملياً في حالي؛ أثره قلت
قال: وما أثر الحب.
قلت: ما خلفه وراءه من نشيد.
قال: أما النشيد فسهل الطمس، يختل النشيد إن بدلت مواقع الكلم، إن غيرت لفظه، إن واريت ذكره، أما النشيد فسهل الطمس، ولكن ما الفعل بأثر القبل على منبت الرقبة؟ ما الفعل بشربات ماء اقتسمتها الشفاه؟ ما الفعل بسقم الهجران؟؟

حنيت رأسي صامتاً، فلم أكن أعلم ما يتكلم عنه حقاً !

9.15.2011

لنرتجل

لسبب من الأسباب يبدو الاستماع عن مدى صعوبة تمارين التمثيل هو الجزء الأكثر مشقة في العملية، أما التمارين نفسها فكانت على قدر هائل من اللطف، أحد أهم الأجزاء في تمارين التمثيل هي تمارين الارتجال.

بدا الأمر بسيطاً، قمت من مكاني وبالصدفة قامت فتاة أخرى في ذات اللحظة والتقينا على كرسيين، كان التمرين يقتضي أن أبدأ في الاسترسال لمدة ثلاثين ثانية حول كلمة واحدة تحددها، نظرت ملياً في وجهي ثم قالت "الفراخ"، لا أدري ما الموحي بالفراخ في وجهي بلحيته المشعثة ونظارته الغليظة لكنها كانت قد لفظتها في كل الأحوال.

كانت جدتي لأبي تهتم بالفراخ بشدة، أتذكر الغرفة الضيقة في داير الناحية التي اتسعت لخمسة أولاد وأمهم وأبيهم –حينما يتوافر- أتذكرها في ظهيرة الأحد وجدتي على عتبتها باتجاه المنور ترش الحب لفراخها، تمسك إحداهن في حنان ظاهر، تربت عليها ثم تطلقها، لا أتذكر أني رأيت سكين يقرب عنق إحداهن حتى إنهارت الغرفة في زلزال 92 لتستبدل جدتي أفراخا بأخريات أجمل في غرفة مخصصة لهن في بيتها بمساكن الزلزال، بعدها بسنوات كنت أكن لجدتي قدر من المرارة والسخرية، عمي هائم على وجهه، عمتي الكبرى تطلقت مرات أربعة، عمتي الصغرى تطلقت من زوجها ونجحت في الإفلات بشقتها، أبي طلق أمي، عمتي الوسطى تقر أبي على ضربه إيانا، نجحت جدتي فيما يبدو في تربية أفراخها بينما فشلت في تربية أبناءها على وجه اليقين.

أما حسين فقد كره الفراخ صغيراً لأمر في نفسه، ربما تذكره رائحتها بحقن أدوار الإنفلوانزا العنيفة التي كانت تلم بنا وحذر أمي المرعب، لذلك لم نتشاجر يوماً عليها، وفرنا الشجار حول الفراخ واندمجنا في شجارات أخرى شكلت كل منا على حدة، حتى الشجارات تبخرت وبقى بيننا ود صامت وحب عميق، حتى الشجارات تبخرت وبقيت أحب الفراخ بينما يكرهها حسين.

"أعمل إيه؟ أعمل إيه؟ أعمل إيه؟" على الرغم من قدرات أمي الخارقة المتعددة إلا أن طيفها المرعب حاصرني أحياناً في طفولتي، أتذكر شتاء 95، خرجت من المدرسة ذات يوم بارد معتدل في مايو لأجد بائع للكتاكيت قابع على باب المدرسة، فكرت ولم لا أشتري واحداً وأربيه حتى يصبح فرخة، واشتريته، عدت إلى البيت خالياً من الأهل، وضعت حقيبتي ثم لاحظت وسخ على ريشه، تجاهلته في البداية قبل أن تزعجني الخاطرة حقاً، أخذته إلى الحوض ووضعته تحت الماء –كان دافئاً ورب الكعبة- لأزيل وسخه، وللساعتين التاليتين شهدت –للمرة الأولى والأخيرة في حياتي- احتضار كائن حي، بكيت حينها على الكتكوت، غير أن أكبر بكائي كان من إشفاقي مما ستفعله أمي حينما تجد كتكوت ميت في الصالة، تخلصت منه في بئر سلم العمارة ونمت قيلولتي مطمئناً.

في أيام أخرى كانت الفراخ سبباً –وإن كان غير مباشر في أحداث أكبر في حياتي، أحد المطاعم في الدقي يشتهر بساندوتش فراخ بالغ الجودة حقاً يدعى "فراخ بتلف"، في أحد الأيام كنت عائد إلى المنزل من لقاء ما سبب لي احباط عنيف لأجد جماعة من أقرب إصدقائي في منزلي، طالبوني جميعاً حينها بالاتصال بالمطعم لطلب "الفراخ اللي بتلف"، استجبت منزعجاً من الإلحاح قبل أن يرد عامل المطعم بطريقة زادتني انزعاجاً لأسبه وأغلق الخط في وجهه، ليزعج تصرفي أحد أصدقائي قبل أن يتصاعد الموقف لينتهي بقطيعة تامة.

الآن أفكر، هل تكون الفراخ سبباً خفياً في عدم رضاي عن نفسي، عن شعوري بعدم الراحة أحياناً بين الآخرين، ربما، لكن على الأغلب، الفراخ ذاتها لن تعلم ذلك، أما الأكيد فهو علمي أني أديت تمريني بشكل جيد.