9.15.2011

لنرتجل

لسبب من الأسباب يبدو الاستماع عن مدى صعوبة تمارين التمثيل هو الجزء الأكثر مشقة في العملية، أما التمارين نفسها فكانت على قدر هائل من اللطف، أحد أهم الأجزاء في تمارين التمثيل هي تمارين الارتجال.

بدا الأمر بسيطاً، قمت من مكاني وبالصدفة قامت فتاة أخرى في ذات اللحظة والتقينا على كرسيين، كان التمرين يقتضي أن أبدأ في الاسترسال لمدة ثلاثين ثانية حول كلمة واحدة تحددها، نظرت ملياً في وجهي ثم قالت "الفراخ"، لا أدري ما الموحي بالفراخ في وجهي بلحيته المشعثة ونظارته الغليظة لكنها كانت قد لفظتها في كل الأحوال.

كانت جدتي لأبي تهتم بالفراخ بشدة، أتذكر الغرفة الضيقة في داير الناحية التي اتسعت لخمسة أولاد وأمهم وأبيهم –حينما يتوافر- أتذكرها في ظهيرة الأحد وجدتي على عتبتها باتجاه المنور ترش الحب لفراخها، تمسك إحداهن في حنان ظاهر، تربت عليها ثم تطلقها، لا أتذكر أني رأيت سكين يقرب عنق إحداهن حتى إنهارت الغرفة في زلزال 92 لتستبدل جدتي أفراخا بأخريات أجمل في غرفة مخصصة لهن في بيتها بمساكن الزلزال، بعدها بسنوات كنت أكن لجدتي قدر من المرارة والسخرية، عمي هائم على وجهه، عمتي الكبرى تطلقت مرات أربعة، عمتي الصغرى تطلقت من زوجها ونجحت في الإفلات بشقتها، أبي طلق أمي، عمتي الوسطى تقر أبي على ضربه إيانا، نجحت جدتي فيما يبدو في تربية أفراخها بينما فشلت في تربية أبناءها على وجه اليقين.

أما حسين فقد كره الفراخ صغيراً لأمر في نفسه، ربما تذكره رائحتها بحقن أدوار الإنفلوانزا العنيفة التي كانت تلم بنا وحذر أمي المرعب، لذلك لم نتشاجر يوماً عليها، وفرنا الشجار حول الفراخ واندمجنا في شجارات أخرى شكلت كل منا على حدة، حتى الشجارات تبخرت وبقى بيننا ود صامت وحب عميق، حتى الشجارات تبخرت وبقيت أحب الفراخ بينما يكرهها حسين.

"أعمل إيه؟ أعمل إيه؟ أعمل إيه؟" على الرغم من قدرات أمي الخارقة المتعددة إلا أن طيفها المرعب حاصرني أحياناً في طفولتي، أتذكر شتاء 95، خرجت من المدرسة ذات يوم بارد معتدل في مايو لأجد بائع للكتاكيت قابع على باب المدرسة، فكرت ولم لا أشتري واحداً وأربيه حتى يصبح فرخة، واشتريته، عدت إلى البيت خالياً من الأهل، وضعت حقيبتي ثم لاحظت وسخ على ريشه، تجاهلته في البداية قبل أن تزعجني الخاطرة حقاً، أخذته إلى الحوض ووضعته تحت الماء –كان دافئاً ورب الكعبة- لأزيل وسخه، وللساعتين التاليتين شهدت –للمرة الأولى والأخيرة في حياتي- احتضار كائن حي، بكيت حينها على الكتكوت، غير أن أكبر بكائي كان من إشفاقي مما ستفعله أمي حينما تجد كتكوت ميت في الصالة، تخلصت منه في بئر سلم العمارة ونمت قيلولتي مطمئناً.

في أيام أخرى كانت الفراخ سبباً –وإن كان غير مباشر في أحداث أكبر في حياتي، أحد المطاعم في الدقي يشتهر بساندوتش فراخ بالغ الجودة حقاً يدعى "فراخ بتلف"، في أحد الأيام كنت عائد إلى المنزل من لقاء ما سبب لي احباط عنيف لأجد جماعة من أقرب إصدقائي في منزلي، طالبوني جميعاً حينها بالاتصال بالمطعم لطلب "الفراخ اللي بتلف"، استجبت منزعجاً من الإلحاح قبل أن يرد عامل المطعم بطريقة زادتني انزعاجاً لأسبه وأغلق الخط في وجهه، ليزعج تصرفي أحد أصدقائي قبل أن يتصاعد الموقف لينتهي بقطيعة تامة.

الآن أفكر، هل تكون الفراخ سبباً خفياً في عدم رضاي عن نفسي، عن شعوري بعدم الراحة أحياناً بين الآخرين، ربما، لكن على الأغلب، الفراخ ذاتها لن تعلم ذلك، أما الأكيد فهو علمي أني أديت تمريني بشكل جيد.

هناك تعليق واحد:

Blogger يقول...

.انضم إلى eToro وقُد ثورة التكنولوجيا المالية

اكتشف eToro شبكة التداول الاجتماعي الرائدة في العالم حيث يحقق ملايين المستخدمين أرباحًا عن طريق نسخ تصرفات التداول التي يقوم بها أفضل المتداولين.