10.27.2011

جانب من قول الثعلب في العنب

قال الثعلب "العنب مر، العنب أسوأ من أن يؤكل وأصعب من أن يهضم إن أكل، العنب ظل قبيح لجمال الكرز، إنعكاسه في مرآة شائهة، العنب أكل السحالي والبشر التافهين والضالّين عن السبيل، العنب ما أراده القدر أفضل فأراد نفسه أسوأ، لا يمكن وصف سوء العنب سوى أن تدعوه باسمه: عنباً"

ما لم يقله الثعلب كان أبسط، أراد الثعلب العنب فامتنع عليه.

10.21.2011

ليلية

في رواية أفضل نحن أطياف، وككل الأطياف ليس لنا وزنٌ محدد ولا يعوقنا المكان، وفي أيامنا الجيدة نحن أسعد من في الأرض، وكل أيامنا جيدة بشكل عام، والقمر -ملتقانا الهانئ- ليس بعيد، والطيور مرور كرام، يهز بعضهم رأسه متمنياً لنا السلامة، والشمس مدفأة، والنجوم نقوش على دثار ليلي نحن تحته نيام هادئين.

في رواية أفضل نحن زوج من السلاحف، زمن ممتد للعيش الطيب، والحياة رائحة مسك وبساط من الخضرة، والكلام فائض عن حاجة العيون، فائض عن حاجة المعاش، والدهر خل لطيف لا يؤذي ولا يؤذن بالرحيل.

10.15.2011

مسافات

أحمل بعدنا صليباً خشبياً على عنقي وأمضي، على طرق متشابهة، على طرق لا توصل إليك، لإناس لا أراك بينهم، لأشياء لا تحمل رائحتك، حتى إذا ما أضناني النسيان جلست على جانب الطريق وأسندت صليبي وحالي إلى جدار متهالك، وقلت هل لي من منجاة؟ والمنجاة أنت، طيفك العابر خبباً في الذاكرة وأشياؤك، وشروق الشمس على وجهك وغروبها على سيرتك، والغزلان التي ترعى في حبنا، ونجوم صغيرة من الفستق نمد أيدينا لنصطاد بعضها كلما عصف بنا الجوع.

أجلس على جانب الطريق، أرقب منجاتي بعين نصف نائمة، حتى إذا ما نخسني ألمي، عدت فحملت صليبي الخشبي ومضيت، على طرق متشابهة، على طرق لا توصل إليك.

10.08.2011

فرجينيا.. جميلة الجميلات

-2-

يحب العديد من الناس فيرجينيا وولف.

يحب الناس جمال فيرجينيا المستتر، غير المألوف تماماً في تلك الأوقات البعيدة من بدايات القرن، يحبون هدوءها، جمال صوتها، لفافات التبغ بين أصابعها، أكواب الشراب على شفتيها.

هل لفيرجينيا سر؟ فضلاً عن كونها أفضل من أمسك قلم في عصرها، كانت فيرجينيا أكثر النساء لا مبالاةً بأي شيء عداها، تظهر حينما تريد وتختفي حينما تريد، تتحدث بسخرية، تتحدث ببطء، تتحدث بسرعة، لا تتحدث مطلقاً، تشير إلى ما تريد بخفة أو تضغط عليه، تفعل فيرجينيا ما تريد ولا يملك أحد أن يبدي اعتراضاً.

على الناحية الأخرى كان نصف الرجال الإنجليز يسعون وراء فيرجينيا في حين يتمنى النصف الآخر اللحاق بهذا السباق لولا الحياء، منافسة قطع رقاب حادة، لوردات يهددون باستخدام نفوذهم السياسي ضد رجال الجيش، رجال الجيش يفرضون سلطتهم على الإداريين، الإداريون يستخدمون التجار لجلب هدايا نادرة من الهند ومصر وقلب إفريقيا، أطباء، شعراء، أدباء، مهندسون، موسيقيون، في حب فيرجينيا كما في الطبيعة... حرب الكل ضد الكل.

في أحد الليالي الصيفية الساحرة التي تشتهر بها لندن عاد اللورد تينيسون إلى منزله مهموماً لتعاجله زوجته.. ما الخبر، يخبرها أن لا شيء ويصعد إلى غرفته لينام، وعلى مخدته المحشوة بريش الأوز، تدمع عينا لورد تينيسون قبل أن يقوم في منتصف الليل كاتباً في مذكراته جملة واحدة "فيرجينيا تزوجت" ويضع مسدساً على رأسه لينام إلى الأبد.

تزوجت فيرجينيا طبيب الأنف والأذن الذي كانت تعوده في عيادته في ميدان الطرف الأغر في وسط لندن، لم يكن يعلم عنها أي شيء تقريباً، لم يكن مهتماً سوى بتفصيلة واحدة، كانت سلاميات أصابعها بارزة بشكل ساحر، وكثيراً ما أشار إليها أثناء الكشف، في يوم من الأيام بينما يودعها على باب عيادته وبعد أن نزلت أختها على السلم رفع باطن كفها إلى شفتيه وقبلها، رفعت فيرجينيا حاجبها دهشة قبل أن تعطيه ظهرها وتذهب وراء أختها.

في منزلها جلست فيرجينيا على طرف سريرها أمام عروستها الخشبية تتأمل في تفاصيلها قبل أن تنهض قرب الفجر إلى مكتبها لتكتب رسالة إلى طبيبها اللطيف "هل نحن أصدقاء؟" وفي الصباح أرسلت وصيفتها بالرسالة إليه، عند الظهيرة عادت وصيفتها برد "هذا السؤال خاطئ من الأساس، في كل الأحوال سنظل أصدقاء.. السؤال هو إن كنا أكثر من أصدقاء.. والجواب من ناحيتي هو حتماً نعم".

كانت فيرجينيا مشغولة البال بمآسيها الشخصية في ذلك الوقت، لكن راقها أن يسري سحرها حتى على هذا الطبيب الذي لا يعلم شيئاً تقريباً عن كونها كاتبة عظيمة أو الفتاة التي تسعى لندن بأكملها خلفها، بعد فترة تقدم دكتور جون باتلر لخطبة فيرجينيا وولف على أن يكون الزفاف في الثامن والعشرين من أغسطس.

بعد الزفاف اجتاحت لندن سلسلة من الإنتحارات المتتالية قبل أن يستقر المقام بفيرجينيا وباتلر في قرية صغيرة خارج ضواحي العاصمة لندن.

في الزواج بدأت آلام فيرجينيا القديمة في الزوال تدريجياً، وبدا أن إيقاع فاتنة لندن قد بدأ في الاستقرار قليلاً، تصحو في العاشرة، تسقي زرع حديقتها اللطيفة، تكتب طوال الظهيرة قبل أن يعود زوجها في الخامسة ليجلسوا سوياً يتسامران حتى المساء، تنام فيرجينيا مطمئنة، تنام حتى تقر عيناً.

بعد فترة من الزواج تخوض فيرجينيا في تجربة أكثر عمقاً، تجرب فيرجينيا نكأ جراحها القديمة في رواية قررت أن تسميها على إسم الفتى الوحيد الذي أحبته "مسز دالاواي"، ومع تقدم تحفتها كانت فيرجينيا تزداد إكتئاباً، كانت كأنما تلقي نظرة أخيرة على حياتها الماضية، كانت تدرك أنها لن تكتب ما هو أحسن منها لذلك وضعت فيها كل ما أرادت قوله دفعة واحدة، وحينما إنتهت إتجهت إلى مجرى الماء العميق على أطراف القرية، ملأت جيوبها بالأحجار ونزلت إلى الماء.

يحب الناس جمال فيرجينيا المستتر والظاهر، لذلك فجع الناس، فكر العديد منهم لم قد تنتحر فاتنة لندن، وكما انتحر بعض منهم عقب زواجها انتحر آخرون عقب انتحارها، حتى بدا للبعض أن لندن قد تخلو من الرجال في غضون شهر.

يحب الناس فيرجينيا، لكن أحد ممن يحبون فيرجينيا فكر للحظة في جون باتلر، طبيب الأنف والأذن الذي كان عليه أن يتحمل خسائره المفجعة ليمضي بحياته قدماً عله يقابل فاتنة أخرى –ذات سلاميات أصابع ساحرة- أقل موهبة من فيرجينيا وأكثر إراحة للنفس.

10.04.2011

طريق

يقف العارف ويشير: خلف تلك الصخور ننتهي، من هناك تبدأ.
رغم العاصفة يقف مستقراً على صخرة لا تمس الريح شعرة من رأسه
أقول وقد امتلأ فمي ملحاً: وما السبيل؟
يقول مبتسماً: الجسارة..
- أترافقني؟؟
- بل تبحث عما يضمن حياتك..
- ألا أجد عونك إن احتجته..
- بل تجده إن احتاجك..
- ففيم أذهب؟
- فيم تسعي؟
_ في الخلاص
_ولم تصدق أني أعرف أين يكمن؟
_لأن الحيل معدودة، ربما إن توليت واجهت ما هو أسوأ وما لقيت ضالتي
_فإن قلت لك، أن الطريق خلاص صاحبه
_وإن ضل؟
_وإن ضل..

أبتسم مولي وجهي شطر البحر، أنظر للعارف نظرة أخيرة ثم أذهب.