11.29.2011

يا ويح جنبك بالسهم المصيب رُمي

الطريق لا يضل ولا أنا، ولا رفقائي ولا ظلي يضل عني ولا أضل أنا عن الطريق الذي لا يضل، وطيب العيش واحة تلوح في الأفق والمسافة إليها ثابتة، لا ينتقص منها السعي ولا ينتقص من متعة رؤيتها عدم الوصول، والصحبة خير زاد لمن انتوى المسير، والصحبة أنتِ وطيب العيش أنتِ والطريق أنتِ ولا بلوغ، ولا نجاة إلا بشاقِ الصبر، فأصبري واحتسبي عند الله فراقنا، فلعل لنا في الغياب خيراً، لعل لنا بطول الغياب جنان لا ندري أخلقت لنا أم خلقنا لها، لعل لنا بعد الغياب أشياء ما سمع بها جن ولا خطرت على قلب بشر.

* العنوان من “نهج البردة” لأحمد شوقي

11.15.2011

آلزايمر

كنت طفلاً أنانياً.

حينما كنت في الرابعة عشر من عمري أصيبت جدتي لأمي بالآلزايمر، كنت أكره مشاوير المستشفى والأسوا رؤية “ستي” المهيبة بلا ذكريات بينما خالتي تخلع عنها ملابسها أو تضع في فمها الطعام أو تقلبها على فراشها في المرات التي استغرقت فيها في النوم لأسابيع، لكن أقسى ما تركه لدي مرض جدتي لم يكن إدراكي أني مازلت طفلاً يكره المسئولية -كنت أتوق للمسئولية منذ العاشرة- ولكن يوم بعينه من تلك الأيام النادرة التي صاحبت فيها أمي للمستشفى.

كنا جالسين حول فراش جدتي مساءاً -ربما التاسعة مساءاً- أنا وأمي وخالتي وابنة إحدى جارات جدتي في عنبر المستشفى، كنا نتحدث عن الموت أو النسيان، كانت الابنة تقسم أنها نست كل تفاصيل خطبتها الأولى بعد، وأنها -على الرغم من استمرارها لثمانية أشهر- لا تكاد تستطيع التفرقة بين خطيبها السابق وبين العابرين في الشارع، كانت تقول أنه مات داخلها فكأنما لم يوجد قط، حينها صحت جدتي، بدون إنذار كما أتذكر، اقتربت خالتي من فراشها وتحسسته فأدركت أن جدتي قد تبولت أثناء نومها، استعانت بابنة الجارة وبأمي وأقامتها لتستطيع أن تبدل لها ملابسها. وعلى مدى خمس دقائق -أعدهم بين الأطول في عمري- ظلت جدتي محدقة في وجهي، في عيني، بدون أي انفعال، بلا شيء، لا ألم لا خوف لا معرفة، لا مشاعر من أي نوع، وفي أعماقي تمنيت على الله أن يجنبني مثل تلك النهاية.

كان أكثر ما آلمني هو النكران، كنت طفل جدتي المدلل، كانت تغرقني في الحكايات والبطاطس المحمرة، تجلسني على حجرها وتحكي لي عن عبد الوهاب وعبد المطلب والملكة فريدة وعن أبيها وعن سعد زغلول والوفد والمظاهرات، كان موجعاً أن أنظر في عينها فلا أرى حفاوتها، لا أرى حبها، كأنها قطعة منمقة من الكريستال الملون.

وهكذا صرت، أخاف النكران، ولا أمان لدي، إن كانت جدتي قد أنكرت وجهي يوماً فمن ذا الذي سيدركني، من ذا الذي سينظر في عيني -ذات العين التي نظرتها جدتي- ليخبرني أنه سيحبني للأبد والقلب عرضة الهوى، والنفس عرضة النسيان.

11.08.2011

هامش عام على ميلان كونديرا

كانت ملاحظتي الأولى بشأن كونديرا بعد إنهاء الفصل الأول من روايته الأشهر “خفة الكائن التي لا تحتمل” “دا شيطان إبن متناكة”، أكملت بعدها الرواية في جلستين وبمتعة غير مسبوقة، فيما بعد قرأت لناقد أعماله الأشهر فرانسوا ريكار ما يؤيد طرحي، كونديرا في الأصل.. شيطان.

هناك عدة ملاحظات قد أوردها بخصوص أعمال كونديرا، لكن بخصوص شخصه هناك وقعة أساسية تحدث عنها كونديرا في كتابه الأول ولفتتني حينما ثارت قضية وشايته بزملاء له لدى أجهزة الأمن في النظام الشيوعي، كان كونديرا يتحدث عن استقبال أراجون له في فرنسا بعد روايته المزحة وفي السياق سخر كونديرا من أراجون قبل أن يذكر أنه كان يجله حتى زار الاتحاد السوفيتي في سنة لاحقة وتحدث في إطار احتفالات معينة عن كون الاتحاد السوفيتي جنة للعمال أو أياً كان ذلك الهراء الذي كان يقال في ذلك العصر.

في رأيي اعتبرت ما فعله أراجون نوع من سقطات الرجال العظام، بإمكان البعض أن يأخذ مواقف يدري أنها لا أخلاقية في سبيل مصلحة يرى أنها أعلى، خيار قد يختصر في في أحد أكثر الخيارات السياسية شيوعاً (العدالة-الحرية)، ربما كان أراجون يعتقد أنه يفعل ما سيمهد للإصلاح حتى وإن كان يدرك الفساد اللحظي لقوله، أما محاكمة كونديرا لأراجون -محاكمة أخلاقية في جوهرها- فلا تستند على أي كفاءة من الأصل، لم يكن كونديرا شهيداً ثورياً في الإطلاق، تعرض لمضايقات عنيفة من النظام لكنه في النهاية صفى بضع من أموره بأن وشى ببعض الزملاء، ثم انطلق يكتب عن القمع والديموقراطية وما إلى ذلك.. مسخرة!!

تنقسم أعمال كونديرا إلى مرحلتين، المرحلة التشيكية والمرحلة الفرنسية، في المرحلة التشيكية نجد كونديرا أكثر ارتباطاً بالظرف الإنساني والعام فيما يكتب، لا تخلو أياً من رواياته في هذه المرحلة -لم أقرأ الخلود فيمكن استثناؤها من تعميمي- من إسقاطات سياسية مباشرة وعنيفة في أحيان، جرعة أخف من التجريد والاستهزاء بالشخصيات وعالمهم الداخلي، جرعة أخف من العنف حيالهم، جرعة أخف من السخرية وتفكيك العالم، تتدرج من بداية خفيفة وأكثر إنسانية واحتجاجية بشكل من الأشكال في المزحة، ثم بجرعات أعلى مع كل مرة، في هذه المرحلة يبدو كونديرا أكثر قرباً للإنسانية، بل نلمس خيارات قد نستغربها عنده، إنحياز للثقل في مقابل الخفة في خفة الكائن التي لا تحتمل، نهاية مليئة بالتفاؤل في نهاية ذات الرواية على سبيل المثال.

أما في مرحلته الثانية -الفرنسية- نجد كونديرا أكثر ميلاً للتجريد، أكثر قرباً من الاستفاضة في التحدث عن أفكار مطلقة في إطار أضعف نسبياً من البناء القصصي، أكثر سخرية وأعنف بما لا يقاس مع شخوصه، أكثر قسوة في إعلان إلحاده التام، ليس فقط نفي الإله كإله، ولكن نفي أي تجاوز ممكن لدى الشخوص، أي قدرة على السمو الروحي، لا توجد مواقف تحتمل مجاز الإنسانية مثل عودة توماش من أجل تيريزا في خفة الكائن، أو شخصية خيّرة مثل كوستكا في المزحة، كل الشخصيات غاية في المادية ومفسرة تماماً تماماً على يد كاتبها.

لا يمكن الجزم بأسباب التغير على وجه الدقة، ربما كان المجتمع التشيكي يقع في درجة أقل على سلم المادية من نظيره الفرنسي مثلاً، ربما تأثر كونديرا بتغيير اللغة التي يكتب بها من لغته الأم للفرنسية، ربما تغير الرجل نفسه، أتخم من المال والشهرة واتجه أكثر للعب أكثر عبثاً بعدما فقد اهتمامه بإثبات القدرة الأدبية أو تحقيق الثراء، الأكيد في الأمر أن كونديرا نفسه يتغير، وأن قوله البارح قد ينافي قوله اليوم، وأنه لا يحمل في أعماقه هذا الاتساق الذي قد يوحي به للتافهين من محبيه الذين يرون فيه نبي، أقواله أقرب إلى الاتباع، كونديرا مبشر بما يرى مثله مثل بقية المبشرين من الفنانين العظام، وهذا لا يعني حتماً أن ما يبشر به صواب، هو فقط جدير بالتأمل.

11.02.2011

أنشودة للشمس ريثما تصحو

“أنا عصفورك المغرورق العينين يا شمس”
محمد عفيفي مطر


يقال أن الشمس عصيةٌ على التفسير، قلب أحمر ملتهب وأطراف صُفْر ودفء ممتد، كتلة من غاز ونار ومحبة على امتداد البصائر.

يقال أن الشمس تنام، يقال أنها تتعب أحياناً وأنها -كما البشر- تحتاج إلى أن تذهب إلى مأواها فتجد من يزيح عنها هموم يومها، يمر بالماء البارد بلطف على كتفها، يحكي لها قصصاً ويمسك بيدها حتى تنام.

يقال أن للشمس حبيب غائب، يقال أنها لهذا السبب تحديداً تسعى بطول الأرض وعرضها باحثةً عنه، ويقال أنه من رحمة الله بالعباد مد في غيبة وليفها، فظلت الشمس تسعى بين العباد بودّها، تطعمهم وتأويهم فيغنوا لها وبحبها داعين الله أن يعيد إليها حبيبها الغائب وإن كان ليوم.

يقال أن حبيبها هناك، في أراضٍ دنية وإن كانت بعيدة، يقال أن عينيه تمتلئان بالدمع كلما ذكرها، يقال أنه لا يسلاها، عند الصباح وبالعشيّ، في الحزن والسرور.

يقال أن حبيب الشمس ملتقيها، على جبل أمام البحر ملتقيها، بليل برتقالي اللون، بليل لا يشبه الليل، بليل ينيره نارها ملتقيها، يقال أن الشمس سترضى بعد طول صبرها، ويقال أن أهل الأرض جميعهم يفرحون لفرحها فلا يجزع أحدهم يومها أبدا.