11.08.2011

هامش عام على ميلان كونديرا

كانت ملاحظتي الأولى بشأن كونديرا بعد إنهاء الفصل الأول من روايته الأشهر “خفة الكائن التي لا تحتمل” “دا شيطان إبن متناكة”، أكملت بعدها الرواية في جلستين وبمتعة غير مسبوقة، فيما بعد قرأت لناقد أعماله الأشهر فرانسوا ريكار ما يؤيد طرحي، كونديرا في الأصل.. شيطان.

هناك عدة ملاحظات قد أوردها بخصوص أعمال كونديرا، لكن بخصوص شخصه هناك وقعة أساسية تحدث عنها كونديرا في كتابه الأول ولفتتني حينما ثارت قضية وشايته بزملاء له لدى أجهزة الأمن في النظام الشيوعي، كان كونديرا يتحدث عن استقبال أراجون له في فرنسا بعد روايته المزحة وفي السياق سخر كونديرا من أراجون قبل أن يذكر أنه كان يجله حتى زار الاتحاد السوفيتي في سنة لاحقة وتحدث في إطار احتفالات معينة عن كون الاتحاد السوفيتي جنة للعمال أو أياً كان ذلك الهراء الذي كان يقال في ذلك العصر.

في رأيي اعتبرت ما فعله أراجون نوع من سقطات الرجال العظام، بإمكان البعض أن يأخذ مواقف يدري أنها لا أخلاقية في سبيل مصلحة يرى أنها أعلى، خيار قد يختصر في في أحد أكثر الخيارات السياسية شيوعاً (العدالة-الحرية)، ربما كان أراجون يعتقد أنه يفعل ما سيمهد للإصلاح حتى وإن كان يدرك الفساد اللحظي لقوله، أما محاكمة كونديرا لأراجون -محاكمة أخلاقية في جوهرها- فلا تستند على أي كفاءة من الأصل، لم يكن كونديرا شهيداً ثورياً في الإطلاق، تعرض لمضايقات عنيفة من النظام لكنه في النهاية صفى بضع من أموره بأن وشى ببعض الزملاء، ثم انطلق يكتب عن القمع والديموقراطية وما إلى ذلك.. مسخرة!!

تنقسم أعمال كونديرا إلى مرحلتين، المرحلة التشيكية والمرحلة الفرنسية، في المرحلة التشيكية نجد كونديرا أكثر ارتباطاً بالظرف الإنساني والعام فيما يكتب، لا تخلو أياً من رواياته في هذه المرحلة -لم أقرأ الخلود فيمكن استثناؤها من تعميمي- من إسقاطات سياسية مباشرة وعنيفة في أحيان، جرعة أخف من التجريد والاستهزاء بالشخصيات وعالمهم الداخلي، جرعة أخف من العنف حيالهم، جرعة أخف من السخرية وتفكيك العالم، تتدرج من بداية خفيفة وأكثر إنسانية واحتجاجية بشكل من الأشكال في المزحة، ثم بجرعات أعلى مع كل مرة، في هذه المرحلة يبدو كونديرا أكثر قرباً للإنسانية، بل نلمس خيارات قد نستغربها عنده، إنحياز للثقل في مقابل الخفة في خفة الكائن التي لا تحتمل، نهاية مليئة بالتفاؤل في نهاية ذات الرواية على سبيل المثال.

أما في مرحلته الثانية -الفرنسية- نجد كونديرا أكثر ميلاً للتجريد، أكثر قرباً من الاستفاضة في التحدث عن أفكار مطلقة في إطار أضعف نسبياً من البناء القصصي، أكثر سخرية وأعنف بما لا يقاس مع شخوصه، أكثر قسوة في إعلان إلحاده التام، ليس فقط نفي الإله كإله، ولكن نفي أي تجاوز ممكن لدى الشخوص، أي قدرة على السمو الروحي، لا توجد مواقف تحتمل مجاز الإنسانية مثل عودة توماش من أجل تيريزا في خفة الكائن، أو شخصية خيّرة مثل كوستكا في المزحة، كل الشخصيات غاية في المادية ومفسرة تماماً تماماً على يد كاتبها.

لا يمكن الجزم بأسباب التغير على وجه الدقة، ربما كان المجتمع التشيكي يقع في درجة أقل على سلم المادية من نظيره الفرنسي مثلاً، ربما تأثر كونديرا بتغيير اللغة التي يكتب بها من لغته الأم للفرنسية، ربما تغير الرجل نفسه، أتخم من المال والشهرة واتجه أكثر للعب أكثر عبثاً بعدما فقد اهتمامه بإثبات القدرة الأدبية أو تحقيق الثراء، الأكيد في الأمر أن كونديرا نفسه يتغير، وأن قوله البارح قد ينافي قوله اليوم، وأنه لا يحمل في أعماقه هذا الاتساق الذي قد يوحي به للتافهين من محبيه الذين يرون فيه نبي، أقواله أقرب إلى الاتباع، كونديرا مبشر بما يرى مثله مثل بقية المبشرين من الفنانين العظام، وهذا لا يعني حتماً أن ما يبشر به صواب، هو فقط جدير بالتأمل.

هناك تعليق واحد:

زفت يقول...

دقيق
ممتع
ممتاز
شخصيا كتاب كونديرا المفضل - "متعة البطء"

لكن "خفة ..." عبقرية

muss es sein?