11.15.2011

آلزايمر

كنت طفلاً أنانياً.

حينما كنت في الرابعة عشر من عمري أصيبت جدتي لأمي بالآلزايمر، كنت أكره مشاوير المستشفى والأسوا رؤية “ستي” المهيبة بلا ذكريات بينما خالتي تخلع عنها ملابسها أو تضع في فمها الطعام أو تقلبها على فراشها في المرات التي استغرقت فيها في النوم لأسابيع، لكن أقسى ما تركه لدي مرض جدتي لم يكن إدراكي أني مازلت طفلاً يكره المسئولية -كنت أتوق للمسئولية منذ العاشرة- ولكن يوم بعينه من تلك الأيام النادرة التي صاحبت فيها أمي للمستشفى.

كنا جالسين حول فراش جدتي مساءاً -ربما التاسعة مساءاً- أنا وأمي وخالتي وابنة إحدى جارات جدتي في عنبر المستشفى، كنا نتحدث عن الموت أو النسيان، كانت الابنة تقسم أنها نست كل تفاصيل خطبتها الأولى بعد، وأنها -على الرغم من استمرارها لثمانية أشهر- لا تكاد تستطيع التفرقة بين خطيبها السابق وبين العابرين في الشارع، كانت تقول أنه مات داخلها فكأنما لم يوجد قط، حينها صحت جدتي، بدون إنذار كما أتذكر، اقتربت خالتي من فراشها وتحسسته فأدركت أن جدتي قد تبولت أثناء نومها، استعانت بابنة الجارة وبأمي وأقامتها لتستطيع أن تبدل لها ملابسها. وعلى مدى خمس دقائق -أعدهم بين الأطول في عمري- ظلت جدتي محدقة في وجهي، في عيني، بدون أي انفعال، بلا شيء، لا ألم لا خوف لا معرفة، لا مشاعر من أي نوع، وفي أعماقي تمنيت على الله أن يجنبني مثل تلك النهاية.

كان أكثر ما آلمني هو النكران، كنت طفل جدتي المدلل، كانت تغرقني في الحكايات والبطاطس المحمرة، تجلسني على حجرها وتحكي لي عن عبد الوهاب وعبد المطلب والملكة فريدة وعن أبيها وعن سعد زغلول والوفد والمظاهرات، كان موجعاً أن أنظر في عينها فلا أرى حفاوتها، لا أرى حبها، كأنها قطعة منمقة من الكريستال الملون.

وهكذا صرت، أخاف النكران، ولا أمان لدي، إن كانت جدتي قد أنكرت وجهي يوماً فمن ذا الذي سيدركني، من ذا الذي سينظر في عيني -ذات العين التي نظرتها جدتي- ليخبرني أنه سيحبني للأبد والقلب عرضة الهوى، والنفس عرضة النسيان.

ليست هناك تعليقات: