1.25.2012

الآن أحب الأطلال يا سحر


أنا قتيلك يا ست !

العزيزة سحر


اليوم كنت جالس في سريري أحاول انجاز ما تبقى لي من كتابة في مشروعي الأول، فكرت في كتابك البديع عن أم كلثوم، وتذكرت حديثنا السالف في ذلك اليوم المشمس في الحمرا عن الأطلال، قلت لك حينها أني لا أحب الأطلال كثيراً من فرط ما لاكها الناس، لا يثير سماعها في نفسي أي مما تثيره أغنيات أخرى لها، نظرتِ باتجاهي في أسف ونصحتني بأن أجرب ثانية، قررت أن استمع إلى الأطلال اليوم بينما اكتبك شيئاً.

بينما يتذكر الناس العديد من الأغاني لأم كلثوم، كان من البديهي ألا يحب أبي أغنية لأم كلثوم قدر حبه لأقبل الليل، كان بديهياً في سني تلك التي وعيت فيها على اختيارات أبي الموسيقية أن يحبها ببساطة “لأنها أغنية بضان، وأبويا راجل أبضن من البضان”، كنت أقضى الليالي التي تسبق سفرنا مفكراً بهم الساعات التي سنقضيها على الطريق مستمعين إلى قطعة أم كلثوم القوطية تلك، كانت المسافة من القاهرة للأسكندرية، لمرسى مطروح، للغردقة لشرم الشيخ، تتحول لتغدو مسافة من الأشواك أقطعها حافياً!

كنت كأي مراهق أتجنب كل خيارات أهلي، لم تنج من هذه الخيارات سوى فيروز في حينه لأسباب واضحة الآن، لذلك كرهت أم كلثوم، كل ما يتعلق بها، صورها، منديلها، صوتها، كلمات أغانيها، لاعبي فرقتها، التعيس الذي أطلق عليها “الست”، كل المصفقين في حفلها، كل مقدمي حفلات الإذاعة الذين قدموها، مسرح الأزبكية، كل ما لمسته أم كلثوم كان محض تراب.

ظللت على رأيي هذا حتى بلغت الثانية والعشرين من عمري، في أول أيام عيد ذلك العام -أواخر سبتمبر أوائل أكتوبر 2008- كنا جلوساً عند حاتم فخر في داره الدافئة، يومها استخف الطرب بحازم فأمسك بعوده وأنشأ يغني “آه من هواك.. من أول يوم.. ونظرتك ليّ بعينيك..” كنت نصف مخمور، نفض حازم عني السكر ما أن عزف المقدمة، ثم أطاح بما بقى منه حينما غنى، سألته من ملحن ومغني الأغنية، أخبرني “زكريا أحمد لأم كلثوم”، ما أن دخلت غرفتي ليلتها حتى أخذت أبحث كالمحموم عن الأغنية في الاتنين جيجا المتروكين على سبيل درء العين منذ أن أتيت بجهازي، استمعت لأم كلثوم تغنيها مرة “آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه” مرة، مرتين، استمعت للأغنية بلا توقف على مدى أسبوعين، صاحبتني في روحاتي ومجيئي من الكلية، صاحبتني في الاستحمام، صاحبتني في النوم في القراءة في التمشية، صاحبتني إلى أبعد الأماكن التي يمكن للأغنيات أن تصطحب الناس إليها، الآهات يا ثومة، الآهات..

في نوفمبر 2009 كنت أتجول بالسيارة مع سارة عقب عملي كعادتنا في تلك الأيام، كانت سارة حزينة ومغلقة والأسباب: كونية، كنت أفكر إن كان بالإمكان أن ينقذنا من مصيرنا المحتوم أي شيء، بينما تقرر سارة أي اتجاه ستأخذ بالسيارة، داست بلا مبالاة على زر “بلاي” في الكاسيت، وعلى ما يبدو كانت نوران قد تركت اسطوانة لأم كلثوم في كاسيت السيارة، صدحت أم كلثوم مغنيةً الأمل، لم تغلق سارة الكاسيت واكتفت بأن دمعت في صمت واكتفيت بالتظاهر بأني لا ألاحظ.

في فبراير 2010 كنت عائد مع فضل وعبد الوهاب من الفيوم، كانت أيام رائعة الجمال، كنت قد ذهبت أعتل جبلاً على ظهري، قررت دفنه في صحراء الفيوم وعدت بدونه، كنا على خير ما يمكن أن يكون عليه الناس، في يوم عودتنا هطلت الأمطار بعنف، وتزامناً مع هطول الأمطار تذكر فضل أن العربة بدون مساحات، كان موقفنا في غاية السوء، طريق الفيوم ضيق وخطر، المطر يهطل كأنما هو خرطوم من المياة موجه باتجاه الزجاج الأمامي، ونحن لا نرى أمامنا ما يكفي لقيادة عجلة، وضع فضل “شمس الأصيل” في الكاسيت، وقالت الست قولتها، لا طريق، لا فيوم، ولا مطر ولا كون من أساسه يقبع خارج ما تقوله الست، عادتها الست مرتين، صرنا في القاهرة.

الآن يا سحر العزيزة ماذا عساه المرء فاعل حين يستمع إلى الست تشدو “يا حبيباً زرتُ يوماً أيكه .:. طائر الشوق يغني ألمي” سوى أن يحب ما تقوله الست، فكل ما تقوله الست جميل، كل ما يخرج من فمها رائع الجمال ومهول، ضخم وزاهي وملئ الحياة ذاتها، الآن يا سحر العزيزة، الآن تحديداً أحب الأطلال.

1.18.2012

سحب رمشه ورد الباب

في الأغلب لن يعلم محمد قنديل كم أبكي أحدهم حين تعثر مصادفةً بقوله “كحيل والكحل من بابل.. وإمتى عيوننا تتقابل”، وعلى الأغلب أيضاً لم يدرك كاتب الأغنية أن هذا الأحدهم في مكان ما -إلى يسار مدينته الأصلية قليلاً- سيستمع ليتأمل كم أثر العلم “بابل” وارتباطه بالكحل في قوة الصورة، وسيستعيد هذا الشخص ذاته لحظة بعيدة بصور مهتزة تتضمن صورة مكحلة، وفتاة تضيق بجمالها اللغة تقف في صباح زاهٍ تتزين بحرص للحظة وداع قريبة، صور لفرط حساسيتها تطيح بها جمل أغنية قنديل المتلاحقة بينما يفكر الشخص المذكور فيما عساه يعيده إلى هذه اللحظة ليبقى فيها للأبد.

1.11.2012

قولٌ لفاطم

يا فاطمة.. أنا المسكن القديم كله، بالتراب الناعم على الأرفف والكتب المصفرة الأوراق، بوضع الأثاث المرتبك والملصقات على الحائط ورائحة الخشب المبتل، يا فاطمة ما سلوت مني شيئاً وأنا على العهد باق.

يا فاطمة أنا الطريق القديم كله، بالخطو فوقه والناس بين الرائح والغادي، بالماء الراكد بجوار الأرصفة والقطط الضالة، بمحلات الحلاقة والكوائين والعطارين وبائعي البخور ومصلحي الأجهزة الخربة، يا فاطمة ما سلوت مني ذَرَّة وأنا على عهدي مقيم.

يا فاطمة أنا حبنا القديم كله، ورائحة البنفسج البري والبحر أحياناً، وقصائدنا المترعة بالغزل والنحيب، والأمسيات الباردة والأمسيات الدافئة، والقبلات الخجلى من التلصص، والابتسامات المفاجئة والأطفال الطيبين، يا فاطمة إغفري لي زللي فأنا ما سلوت مني شيء والله على قولي شهيد.

1.04.2012

سندعي أنه رمّان


في الصبح كان الياسمين غضاً على فاكِ، وكنتِ طفلة وكنتُ أنا أغصان شجرة رمان تقلبينها بين يديكِ كيف تشائين، تضحكين وتشيرين بكفك إلى صدرك فيضحك شجر الرمان ويدلي غصنه فيصبغ بزهرته خديكِ ويترك حبتين تذكاراً على صدرك، وهكذا كان يا حبيبة شجر الرمان، تمشين فيبعث وراءك السحاب أنيساً، تحزنين فلا يدخل السرور قلبه، تبتسمين فيزهر فلا يعرف زهره صيفاً ولا شتاءاً، ولا عطش وارتواء، لا يعرف إلا ابتسامك، ماء شجر الرمان.

الصورة لحمدي رضا